تنويه: هذا المقال القصير هو تدوينة عرضها الفيلسوف سلافو جيجيك* كتعليق أولي حول قضية منع النقاب في فرنسا وبعض الدول الاوروبية، رأيت ترجمته إلى العربية ونشره في المدونة ريثما انهي مقالة اعدها حول هذا الموضوع. التدوينة عرضت على موقع مركز ساوث بانك الثقافي حيث استضاف المفكر جيجيك قبل مدة.
اعتمد البرلمان الفرنسي مؤخرا القانون الذي يحظر ارتداء العامة للبرقع وما يعادلها بالعربية، النقاب الذي يغطي وجه المرأة باستثناء فتحة صغيرة للعينين. الامر الذي يلفت النظر والاستغراب عند متابعة المناقشات العامة حول هذا الموضوع هو غموض نقد البرقع: فهو يتحرك على مستويين. المستوى الاول يتم عرضه من خلال مسألة الدفاع عن كرامة وحرية المرأة المسلمة المضطهدة – وهو ما لا يمكن قبوله في فرنسا العلمانية، حيث نجد مجموعة من النساء يعشن حياة خفية منعزلة عن الحياة العامة، وتخضع لوحشية السلطة الأبوية.. الخ. إلا  أن النقاش سرعان ما يتحول للمستوى الثاني والذي يختزل مخاوف الفرنسيين من غير المسلمين أنفسهم : حيث أن وجوه يغطيها البرقع لا تناسب محددات الثقافة والهوية الفرنسية، وأن البرقع يهدف إلى “ترهيب وتنفير غير المسلمين”… حتى أن بعض النساء الفرنسيات استخدمن حجة أن ارتداء بعض النساء للبرقع يشكل اهانة واذلالاً لهن شخصياً، كونهن مهمشات بوحشية ويتم رفض اية صلة اجتماعية معهن.

وهذا يقودنا إلى لغز حقيقي : لماذا يثير رؤيتنا لوجه مغطى بالبرقع هذا القدر من الخوف والقلق؟ هل لأن الوجه المبرقع لم يعد وجهاً “ليفيناسي”*، الوجه المغاير والذي تشع منه الدعوة الاخلاقية غير المشروطة؟ ولكن ماذا لو كانت القضية هي بالعكس تماماً؟ فمن وجهة نظر فرويد، فإن الوجه هو القناع الكامل الذي يخفي الرعب من الجار أو الاخر-الشيء : الوجه هو ما يجعل الجار، أو الاخر، انساناً يمكننا التعرف عليه لتحديده والتعاطف معه. (بغض النظر عن وجود العديد من الوجوه التي يتم تغييرها جراحيا وحرمت بالتالي من آخر بقايا الشكل الحقيقي والطبيعي) هذا ، إذن ، هو السبب وراء اثارة وجه مغطى هذا القدر من الخوف والقلق: لأنه يجعلنا في مواجهة مباشرة مع الهاوية المظلمة للاخر-الشيء أو مع الجار في ابعاده الغريبة. إن مجرد تغطية الوجه  يؤدي إلى طمس الدرع الواقي، بحيث يصبح بامكان الشي الآخر أن يحدق فينا مباشرة (علينا التذكير بأن للبرقع شقاُ صغيراً للعينين: إننا لا نرى الاعين، ولكننا نعرف أن هناك من ينظر إلينا من خلال البرقع). لقد قدم ألفونس إلياس روايته الخاصة عن رقصة الحجب السبع لسالومي: وعندما اصبحت سالومي عارية تماما، صاح هيرود  “استمري!استمري!”،فقد كان يتوقع منها خلع كل الحجب بما فيه جلدها. وينبغي لنا أن نتصور شيئا مقارباً للبرقع: وهو عكس ذلك لامرأة تخلع البرقع لتكشف عن وجهها الطبيعي، ولكن ماذا لو أننا ذهبنا خطوة ابعد وتصورنا امرأة “تخلع” جلد وجهها، بحيث أن ما نراه تحت وجهها هو الظلام السلس والمجهول، كالبرقع، مع شقين ضيقين للتحديق؟ إن عبارة “احب جارك!” تعنى في شكلها المجرد، وبالتحديد الحب المستحيل والذي يساوي الحب الحقيقي لهذا الفرد غير المتفرد، لهذه اللطخة المظلمة البشعة بشق للرؤية/للتحديق… وهذا هو السبب في أنه في الكثير من جلسات العلاج النفسي، لا يواجه المريض الطبيب المعالج وجهاً لوجه: فكلاهما يحدق في نقطة ثالثة، لأن هذا الوجه المعلق هو القادر على فتح المجال للولوج للابعاد الحقيقية  للجار/الآخر. وهنا ايضا يكمن الحد للموضوع المعروف في النقد الفكري لظاهرة المجتمع المسيطر بالكامل حيث أننا في حالة مراقبة ومتابعة مسجلة -حيث أن ما تخشاه الكاميرا ليس  عدم الوصول لرؤية الاسرار الحميمة ولكن تلك النظرة نفسها، تلك التحديقة-الشيء التي تشكل شقاً/وصمة عار للآخر.
____
  • سلافو جيجيك Slavoj Žižek: فيلسوف ومفكر من اصل سلوفيني، يعد من أهم الفلاسفة المعاصرين.
  • ليفيناسي: نسبة للفيلسوف الفرنسي ايمانويل ليفيناس (1906-1995) Emmanuel Levinas من اهم فلاسفة القرن العشرين وهو مبدع مفهوم (الفلسفة الاخلاقية للآخر).