فشلــــــوم (قصة: عزة كامل المقهور)

قصة: عزة كامل المقهور
يقع حي “فشلوم” ما بين احياء أربعة، “الظهرة” وهي هضبة عالية يحدها شاطئ البحر ويفصلها عنه “جبانة سيدي بوكر” بقبته وعلمه الأخضر، و”زاوية الدهماني” بمبانيها البيضاء ذات الطراز الإيطالي، وحي “بن عاشور” بدوره الراقية، و”عرادة” بمياهها العذبة ونخيلها الشاهق ورطبها “البرنسي”. يشق رقعته الممتدة والمنخفضة شارع طويل ومستقيم، يبدو بلا نهاية. وبينما هبت الرياح على الأحياء المحيطة بفشلوم، ظل هذا الحي على حاله، تحف شارعه الرئيسي دكاكين “الزلابية والعسلة”، و”السكليستي” بزيوته المسكوبة على الرصيف والدراجات المقلوبة أمامه والمعلقة على حيطانه، و”القوميستي” بعجلات السيارات المتكئة على حائط دكانه تعيق حركة المارة، ودكاكين صيانة التلفاز والغسالات وهي تقف على الأرصفة منزوعة الأطراف، وسلخانات الدجاج الحي والجزارين، والمخابز، ودكاكين النجارة والحلاقين، و”القهاوي”.  يبدأ الحي وينتهي بجزيرة دوران، يقع في بداياته جامع “الفنيش” الصغير، وقرب نهايته جامع “فشلوم” أو الجامع الكبير الذي يتربع على أرض مثلثة الشكل.

 تغص فشلوم بالبيوت “العربية”، تتراص إلى جوار بعضها البعض تكاد تتداخل حتى تشعر وكأنها حجرات لبيت واحد كبير، بعض أبوابها مفتوحة، وبعضها الآخر يتستر بستار قماشي، أبواب مساكنها خشبية مثبت عليها يد حديدية للطرق، نوافذها منخفضة تطل على الأزقة، يغطى منتصفها خشب”عين الزرزور”. بعض أزقتها مرصوفة وبعضها ترابية، تختلط فيها الأعراق في فسيفساء يربط بينها التسامح والمحبة.

يتحلق شبابها في دوائر عند زوايا الأزقة، ويجلس كهولها أمام الدكاكين أو على ركابة جوامعها، يلعب أولادها “بكورة الشخشير”، أما نساؤها فتطرزن الحكايات كل “عشية”، يطردن شبح المرض عن إحداهن، أو يعايدونها ويشاركونها الفرح، تداومن أشهرا عند الثكالى، تقتسمن كسرة الخبز وطاسة الشاهي، وتتذوقن طعام بعضهن البعض في شهر رمضان.

في فشلوم تكون القرابة  “لولد الجيران” و “بنت الجيران“.

سكنت عمتي “كميلة” فشلوم، وتحديدا في زقاق “الجامع الكبير”، كان أبي يأخذنا من “الظهرة” إليها، تخرج فاتحة ذراعيها في استقبالنا كما تتفتح زهور “نوار العشية” في حديقتها الأمامية، باب بيتها مفتوح، تمتلئ حجرة الجلوس بجاراتها، مرصعة بالمنادير، وتتوسط جدارها صورة فوتغرافية لوحيدتها في فستان العيد أمام الجامع الكبير، … أتذكر “مرت الزقلوط” الذي يمتهن طهور الصغار مجانا، و “مرت عمي الهادي” مدير المدرسة… وغيرهن، وغالبا ما نجدها في بيت إحداهن…كانت تعد لوالدي “خبزة الحوش” ، نأخذها ونعود أدراجنا إلى “الظهرة“.

تميزت فشلوم عن الأحياء المحيطة بها بسكانها، وبقلة النازحين منها وشح القادمين الجدد اليها، ومهما بَعُد “ولد فشلوم” عنها تتمدد جذوره حتى تصل اليها، ومهما تعلم وعَلا شأنه يظل مواظبا على إيقاع حياتها الفريد الذي تواترت عليه الأجيال، فخورا بها.

هكذا هو “فشلوم” حي متكامل ينبض وسط الأحياء، شعبي ببساطة أهله و ترابطهم وتمازجهم، بخصوصيته وبشاشة أهله، بأصوات شبابه ينادي بعضهم البعض، بنسائه تلتحفن “الفراشية”، بصغاره يلعبون في الأزقة ويذهبون إلى مدارسهم سيرا على الأقدام، بدكاكينه ومقاهيه الصباحية، بأصالته دون تعنت، بملامحه التي لاتشيخ.

طلعت فشلوم“……

وكأن فشلوم هي المدينة بأكملها، وشبابها شباب “المدينة” كلها…. خرج شباب فشلوم يهتفون للحرية بشجاعة عرفوا بها… أطلقوا عليهم الرصاص، وأغروهم بالمال، قاوموهما معا، يتظاهرون كل ليلة بصوت عال ويواجهون الطلقات بالصفير…..يدخلون الأزقة المعتمة حين يشتد القنص ويحتمون بالبيوت المفتوحة تخفق قلوبهم بقوة تحت ملابسهم الشتوية.

أمسكوا تحت جنح الظلام بشبابها الذين لا يملكون إلا قبضات أياديهم، أوقفوهم في مواجهة الجدار المقابل للجامع الكبير ربطوا أيديهم إلى الخلف وأطلقوا النار على رؤوسهم، ثم سحلوهم من أقدامهم وقذفوا بهم كأكياس “الجمعية” في الصندوق الخلفي لسياراتهم التويوتا ذات الدفع الرباعي……واخفوا جثثهم.

إقتحموا البيوت القريبة من الشارع الرئيسي وإختطفوا الشباب من بين أذرع أمهاتهم، أقفلوا الشارع الرئيسي ومنعوا دخول سيارات الأسعاف… وقتلوا الطبيبة التي تضمد في بيتها بالحي جراحهم الغائرة في اجسادهم القوية

ولم يكفو، يشتعلون كالشموع كل ليلة على إمتداد الشارع، يقاومون بذكاء، يحتمون بأزقتهم المعتمة وبيوتهم المنخفضة، والأهالي…المشرعة أبوابهم، الغاضون لأبصارهم، الكاتمون لأسرار بعضهم البعض.

وبطلوع الصباح تظهر آثار الليلة على طول الشارع الرئيسي، الحجارة و دواليب السيارات المحروقة، وصدى الهتافات التى ماتزال عالقة في الهواء، والكتابات على جدرانه باللون الأحمر…” ليبيا حرة حرة….. الظالم يطلع بره”…..والأهم أنهم يتفقدون معاً خسائرهم من الشهداء والمخطوفين.

هبت الرياح على فشلوم…. لكنها رياح مختلفة هذه المرة، مغلفة برائحة البارود والدم… ضربت كالاعاصير سكانها وشارعها الرئيسي الطويل، إلا أن أزقتها المتربة منها والمعبدة مازالت تنبض كل ليلة…. كل ليلة….
28. 5. 2011

Four Forms Of The Poet (By: Jelani Trebshan)

The late Libyan poet Jelani Trebshan (1944 – 2001), embodied in his works the suffering of many Libyan writers and intellectuals under the Gaddafi regime, he was considered in the early 1970’s one of the most distinguished new voices of a new generation of Libyan poets, but as the Libyan regime persecuted and imprisoned many writers in the late 1970’s, he found himself living as a bohemian homeless writer on the streets of Britain, Ireland, Morocco, and Iraq,  running away from the shadows of death and longing for his homeland, until he came back to Libya in 1988 full of frustrations and wishes.

In this poem (Four Forms Of The Poet) he continues asking the fundamental question of the purpose of his existence as a writer and intellectual in a country ruled by a regime that stripped him and his fellow Libyans of his right to live a decent dignified life, finding himself more of a stranger in his homeland than when he was living outside Libya, it also continues to reflect his sadness and despair, his frustrations and hopes for a new Libya, the main theme of his works until his sudden death in 2001.

It has been ten years since we lost Jelani Trebshan, and as a tribute to him and to the Libya that he longed for as it is embracing freedom, I present this English translation of this poem, and will be working on more translations of the best of his poems.

_____________________________________

(1)

When I came to this country
I didn’t come as a prophet
Nor as an invader, or guardian
I wasn’t rain
I didn’t spread fertility in the dewy fields
I wasn’t an oasis, shading the weak
Or a tent welcoming guests
Lighting fire for the lost ones on the roads of misery
I came as a child; my father didn’t teach me the wisdoms of the cleric
Nor I was tempted by heroism in the cradle
To wear on a dull summer
Rags of wool and claim Sufism
(2)

When I came to this country
I didn’t come as a king!
I came carrying my provisions and doubts and the sorrows of travel
Childhood memories
Receding to a wall in the morning
Throwing the pagan tablets into the waste
(3)

When I came to this country
I went searching for Khan al-Serry
Maybe I find a house I will build
Maybe I have brothers, still holding Bedouin goodness
A heart beat
Morning smiles with dewy roses
Maybe Leila
Maybe Selma
Will ask the wind for me once/ wandering the prairies / poking with sticks
Asking the sands about my Arabian horse?
My Tuareg camel
Searching in the rocks for my Berber foot
…….. 
What did I come carrying with me?
Here I am, still walking in the labyrinth
Only to find adulterated liquors/ hallucinations of usurers
The vehicles of brother enemies
My house/here it is seized by a revolutionary imposter
(4)

When I came back, I didn’t carry to my childhood friends
Neckties or race camels
I came back carrying the memories of long nights/ O, long nights
The travel/the famine/the nights of bitter cries in police dungeons spreading from wound to wound
Give me back Leila
Give me back Selma
And take away all the boredom behind the west and east
In the caves of the heavy nights/the women/the yearning/the erotic gypsy moaning
Take away everything
Take me back to my mother’s grave
Take me back to my house on the mountain
Take me back to my homeland as a poet
Not as an invader or a guardian…

محمد الأصفر: الحبيب الأمين .. جسد أسير وأشعار طليقة*

مقال: محمد الأصفر


الحبيب الأمين شاعر وكاتب من مدينة مصراتة بليبيا، يعيش في بنغازي متخصص في الآثار والتاريخ، تم القبض عليه في الأيام الأولى من الثورة الليبية في مدينة مصراتة صحبة أخيه الفنان التشكيلي محمد الأمين، حدث القبض قبل قليل من إدلائه بتصريح لقناة الجزيرة القطرية حول انتفاضة الشباب الليبي أو ثورة 17 فبراير والتي بدأت ليل 15 فبراير استباقا لترتيبات البوليس والمخابرات الليبية وإرباكا لهما.

منذ بداية الثورة وهذا الصديق والشاعر في الأسر حتى الآن، لا نعلم عنه شيئا، وليس لنا إلا الصبر والمطالبة عبر كل المنظمات الدولية بإطلاق سراحه والدعاء له بأن يكون وكل الأخوة الأسرى من مثقفين أو من مواطنين ليبيين وعرب عاديين.

الحبيب الأمين شاعر كبير، صاحب كلمات نابعة من الأعماق. أشعاره قريبة من أشعار الحداثة وخاصة أدونيس. لكنها ذات لكنة ونكهة تاريخية ليبية أصيلة. يقوم بتجريد الكلمات إلى أبعد حد ممكن كما يفعل في حياته عندما يجرد الظلم والقهر والخوف من ظلامه ليجعله مفضوحا ومرئيا للرأي العالم.

نلتقيه كثيرا في مقاهي بنغازي بنفس نظرته الآسية وملامحه المعبرة عن ألم دفين لا يحسه إلا المبدعون الكبار، يشارك معنا وربما يكون هو الأجرأ في النشر بالنت وانتقاد ما يمكن انتقاده من تصرفات وممارسات النظام الديكتاتوري، شارك أيضا بفاعلية في ثورة تونس وثورة مصر حيث واكبهما لحظة بلحظة عبر الفيس بوك والتويتر ومدونته سعفات آمنت والهاتف أيضا.

في مقاهي بنغازي بشارع عمرو بن العاص وجمال عبدالناصر نلتقي دائما: محمد سحيم، زياد العيساوي، عاطف الأطرش، وغيرهم. أحيانا يأخذنا الصديق عاطف الأطرش بدعوة من زياد إلى مطعم شهير بالصابري نشترى منه سندوتشات كباب نجلس بها على كورنيش بنغازي حيث ساحة الاعتصام، نتناولها ثم نواصل سهرتنا في المقهى. نقاش حاد دائما يدور. تختلف وجهات النظر إلى حد الخصومة المؤقتة، لكن بعد حين، أي أيام، تعود المياه إلى مجاريها. انطلاقا من مبدأ أن عدونا واحد. كان الأمين الحبيب هو الأكثر حكمة وهدوءا وصوتا منخفضا، وكان الجميع يحترم وجهة نظره ويقدره. كثيرا ما استشيره عندما أبدأ في كتابة رواية جديدة. وأستعين به في الحصول على بعض المعلومات التاريخية المهمة خاصة القديمة والمتعلقة بالميثولوجيا اليونانية.

قبل أيام من الانتفاضة كنت جالسا في مقهى “عين الغزالة” بميدان الشجرة. يمر من أمامي الحبيب الأمين وزياد العيساوي. نتصافح ونجلس. يقول لي أنا على عجل الآن، لكن لا تقفل هاتفك كالعادة توقع أن أتصل بك قريبا.

ذات صيف أخذنا وعدة أصدقاء إلى مهرجان العرعار السياحي بمدينة مصراتة والذي حاول الحبيب أن يضيف إليه نكهة ثقافية بتضمين برنامجه عدة أمسيات شعرية وقصصية وكانت الأجواء في مصراتة جميلة. وبعد المهرجان ارتأت زوجتي أن نبقى أياما أخرى في مصراتة للهدرزة كثيرا مع خالتها في منطقة الجهانات فاستأجرت غرفة في الفندق السياحي بشارع طرابلس بوسط المدينة وقضينا أسبوعا جميلا، تجولت في مصراتة والتقيت كثيرا من الفعاليات الثقافية والأصدقاء منهم: عبدالله الكبير، وعادل الفورتية، ومصباح الكبير، وعدنان معيتيق، وعلى عوين، وبالطبع محمد الأمين الذي استضافنا في مرسمه الذي اسمه “السقيفة” وأهدانا لوحة ما زلنا نعتز بها ونعلقها في غرفة الأطفال حتى الآن.

للأسف من هذا المرسم المسالم الجميل تم القبض على الحبيب الأمين وأخيه محمد. لقد لوث البوليس الأرعن الفن وأهان الحب والسلام والجمال على الرغم عمليا من أن الحبيب الأمين وأخيه بريئان. فالحديث إلى “الجزيرة” لم يتم بعد.

والشاعر الحبيب الأمين شبه مقاطع للوسط الثقافي الرسمي الليبي في النظام الديكتاتوري فلا ينشر أعماله في صحفه أو مجلاته، ويفضل دائما النشر في مدونته أو مواقع النت في خارج ليبيا، ومن خلال قراءتي لنصوصه الكثيرة التي يرسلها لي دائما حتى قبل النشر على الإيميل سواء كانت النثرية أو الشعرية أو البحثية المتناولة لمواضيع الآثار والتاريخ والمربوطة رمزيا بصورة فنية ماكرة بحاضر الوطن العربي والعالم وجدتني أمام شاعر مبدع، وفي الوقت نفسه أمام معلم فاضل تحيلنا قصائده وكتاباته بصفة عامة إلى مواضيع فلسفية قديمة إغريقية ورومانية وبوذية وإسلامية وهندية وفارسية وغيرها حاضرة بقوة في زمننا الراهن ومؤثرة فيه، ولكي يتذوق القارئ القصيدة جيدا عليه أن يكون ملما ولو بشكل يسير بتلك الموضوعات القيمة التي أنتجتها عبقرية الإنسان قديما في مجالات الفلسفة والانتربولوجيا والميثولوجيا القديمة التي لليبيا وإن لم تكتشف كلها حتى الآن نصيب الأسد، وإن لم يكن القارئ ملما بتلك العلوم والمعارف الإنسانية ما عليه إلا أن يتوقف قليلا عن قراءة النص ويفتح إحدى الموسوعات أو صفحات النت ليعرف نبذة مختصرة عن الفيلسوف أو العالم أو الشاعر القديم الذي احتفت به القصيدة كي يتلقى النص بصورة أفضل وأبهر نورا وكي يبحر في يمّه الشاسع إلى فضاءات جديدة لم تألفها نفسه.


ستظل الدراسات التاريخية قاصرة وعاجزة عن الوصول إلى القلوب إن لم تدن بأسلوب شعري أدبي يزيل عنها غبار الزمن وجفافه ويجعلها طازجة وكأنها وليدة اللحظة، وهذا الأمر هو ما نجح فيه الأديب الحبيب الأمين، الذي حول قدم التاريخ إلى حداثة بواسطة تطعيمه بأحداث حديثة من مآسي ومعاناة وأفراح وأحلام وغربة يعيشها الإنسان في الوقت الحالي وقد عاشها من قبله الإنسان قديما معتبرا أن هذه الأحاسيس واحدة ممتدة عبر الزمن، والظلم الذي كان يمارس قديما عبر الرق والعبودية والدكتاتوريات التي يمارسها الأباطرة والسلاطين والملوك هو بعينه نعيشه في هذا الزمن الذي نسميه العصر الحديث وإن اختلفت الصورة قليلا، فالعبودية آنذاك كانت تمارس على فرد واحد، عبد يتم بيعه أما في هذا الزمن فالعالم تحول إلى عبودية دولية، فالرق والإرهاب الدولي يمارس بين الدول الكبرى والصغرى وهناك دول تباع ودول أخرى تشتري.

في قصائد الحبيب الأمين نجد الشعراء والفلاسفة هوميروس وبينداروس وكاليماخوس وثيوقريتوس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وابن رشد وأبو التاريخ هيرودوت، نجد الكثير من الأعلام والأماكن، التفاحات الذهبية، السلفيوم، هرقل، قرطاجنة، باتوس، قورينا، لبدة، صبراتة، أكاكوس، جرمة، مرزق، جالو، غدامس، مصراتة العرعار، سرت، بنغازي، نجد الكثير من الأحداث القديمة التي تبلور تاريخ ليبيا والعالم في قطرة مطر تهطل من مقلة الشاعر دافئة مالحة لتسطر لنا أعمق الأحاسيس وأرق المشاعر الداعية للحب والسلام والسعادة والتائقة إلى حياة أفضل يراها الشعراء قريبة جدا ويراها غير المؤمنين بجدوى الكلمة بعيدة المنال.

في كل نصوص الأديب الحبيب الأمين نلاحظ استفادته الجمّة من مجال دراسته وهو التاريخ والآثار، فكل كلمة يسطرها هي عبارة عن أحفورة ينشد منها اكتشافا جديدا يزيل الظلام عن الكثير من الحقائق الخافية، هو لا يكتب أحفورته بالقلم أو الإزميل إنما يحفرها بأظافره معتبرا أن أوراقه وشاشة حاسوبه كتلة من الطين والصخر والطفلة عليه أن يواصل خبشها وحتحتتها حتى يصل إلى ماء الكلمة الراوى لكل العطاشى على مر التاريخ، شاعر يكتب قصيدته غير متنكرا لتاريخ بلاده وذاته هي ليبيا نفسها، فالمرأة لديه هي العالم وابنتها هي ليبيا التي تتوسطه، لم يلوِ وجهه عن هموم وطنه وما يعانيه، إنما تجد وجهه مرآة لكل مشاكلنا الحاضرة، يجول في طرابلس وبنغازي ومصراتة وإيطاليا باحثا عن معنى لهذه الحياة التي نعيشها ومبتسما في وجه الظلام بمزيدا من أسارير الأمل.

من قصائده:

.. كنت في قبضة السكون, نادني رمل وماء ..

عدت لشط الملح وشمس الرغيف .. كنت في زنزانة البحر,

أخربش على حوائط الموج, أسائل كتابا معصوما باللاغرق,

عن صبوات الصواري ونزق المراكب ,,

أفكك أصدافي المرة المخبلة بشباك الريح ..

من صمت البر الطليق أغسل لساني..

ها أنذا أعود..

لميدان الحوت بفناجين الأعماق “وللكاتب د محمد المفتي بشيوخ البحر” ..

بميدان الشجرة لا قشة تقصم ظهر القطران ..

الشوكات يخاصرها الملل

وتكويها أعقاب السجائر المحلية وعيون البطالة ..

المارة يدحرجون خطاهم

العربات تزفر الدخان على مؤخرات الوحل ,,

لا خضرة .. لا ماء ..

النافورة ناشفة لم تستحم منذ ولادتها ..

فقط وجوه الراجلة بالهراوات

وذوي القبعات الصفر.
____
* الحبيب الامين شاعر وباحث ليبي اعتقل رفقة اخيه الفنان التشكيلي محمد الامين بمدينة مصراتة ليلة اندلاع انتفاضة 17 فبراير الشعبية في ليبيا.

رسالة من لندن.. مع جمعة بوكليب (الحلقة الثالثة والثلاثون)


في هذه الحلقة من (رسالة من لندن): عودة جديدة وحرة، اقتراب من الوطن الذي ضاع لاربعة عقود، تنفس للحرية التي حرمت منها ليبيا وعن بر الزهر والحنة الذي بدأنا نستعيد تفاصيله المشرقة.

للاشتراك في البرنامج 
  


Leave (By: Giuma Bukleb)

By: Giuma Bukleb*
 
Leave
So that the warmth of the morning sun can wander
In our fig and olive trees and in this country that
Knew peace before you occupied it
To savor, without fear, the taste of bread and oil
And restore, with hope, what you crushed of our dreams
Leave
So that our fear can rest for a moment
And our grass sleeps, for one night, without nightmares
And our palm trees extend its fronds’ shade without dread
And our skies breathe peacefully
And our sea wakes up from its nap to watch us standing, without you,
On the threshold of the morning
Waiting for it
Leave
May the nights bereave you
And take with you:
All what your cases gathered of our mothers’ tears
And the hatred you sowed in us
The remains of your ancestors
The scoundrels of your sons
The pegs of your tents
The woods of your gallows
The towers of your prisons
The barking of your dogs
The silk in you dresses
The glare of your cloaks
The majesty of your crowns
The milk of your camels
The atoms of air contaminated with your breath
Your images
The carnage of your heroisms and delusions
The corpses of the mercenaries that you hired with our own money, from every country, to kill us
The termites gnawing the wood of your speeches
Even the ululations, if they exist, that heralded you birth
Take it all with you and leave,
And let us…
______
* To read the original poem in Arabic click here.
 

مائدة المعنى (شعر: ربيع شرير)


اهيأ الصدر
احيله ندباً عارية
واطلق جراء الدم غير عابء بالملح
انثر الدموع على بهجة العابرين
اهيأه لشغف الاظافر
وعلى نار الألسن انشر لغة العويل
ايتها السماء الجروة
المهووسة برائحة الدم
يا ربة المتعبين
اكاد انفق
كلما تلاشى احتمال يدك
عادت الشهقات إلى اوكارها
ودست العجائز قبضة من ريح الادعية
اهيأ الصدر مثقلاً بالعذابات العارية
فهلاّ اتيت
ايتها السماء المكللة بالشواهد يا ربة المتعبين
ثمة شيء يليق بك هنا
ثمة  روح باسلة
وجثة من اللحم المقدد
ثمة وجوه شوؤمة
وتوأم الريح والعاصفة
سنجعلها حرباً لا خسارة.. بالنسبة لك طبعاً
وكما هي دائماً سنهيأ لك الوقت
ونزين وجه الضوء بالمساحيق المعتمة
اتقيأ جثتي كما ينبغي
واتقلب على جمر الدهشة
لربما ابكيت الآلهة
سأعري الروح من المعنى
المعنى أيتها الجروة
كلما تحسست نبضه
أستأنس حليب يديك
____________
* هذه القصيدة سجلتها للشاعر ربيع شرير قبل بضعة سنوات وهي تحمل الكثير من المعاني التي تتوافق مع المحنة التي يمر بها ربيع الذي نتطلع أن يتنفس الحرية قريباً..

"من هم المتمردون؟!"

سؤال لطالما سمعته وقرأته منذ ان انطلقت الثورة الشعبية الليبية قبل ثلاث اشهر. كثيراً ما كان الجدل يدور حول اختيار وسائل الاعلام العالمية تسمية “المتمردون” لوصف المنادين بالحرية والديمقراطية وانهاء حكم نظام القذافي في ليبيا، وقد عبر الكثير من الناشطين الليبيين عن عدم رضاهم بهذه التسمية التي قد تختزل تطلعهم للحرية في بلد لم يعرف شيئاً منها لأكثر من اربع عقود. وبعيداً عن جدلية التسمية التي قد تتغير في المستقبل والتي تعددت من “الثوار” إلى “المتظاهرين” إلى “المعارضة” و”المقاتلون الاحرار”، فإن السؤال الذي مازال يتردد “من هم المتمردون؟”.

السؤال قد ينطوي على معنيين احدهما يبحث بشكل عفوي وبرئ عن التركيبة الاجتماعية والثقافية للمجتمع الليبي الذي اطلق وساند ويواصل مسيرة النضال من أجل الحرية في ليبيا، وهو أيضاً يؤكد حالة التهميش التي عاشها الليبي في بلده وخارجها واختزاله في صورة الديكتاتورية التي حكمت البلاد لعدة اجيال، حتى اصبح الليبي مجرد انعكاس لهذه الحالة المشهوة لتاريخ وثقافة البلاد، إلى أن اصبح من الصعب على الآخر (الاجنبي) فهم الحالة الليبية واستيعاب الانسان الليبي في صورة مغايرة لصورة القمع والارهاب وجنون الحكم المطلق.

إلا أن المعنى الثاني والذي يصبح اكثر حضوراً مع تكرار طرح مثل هذا السؤال حتى بعد مرور عدة اسابيع من انطلاق الانتفاضة الشعبية في ليبيا، وتكوين كيانات سياسية وادارية جديدة للبلاد واللقاءات العديدة التي قام بها اعضاء الادارة الليبية الجديدة مع الحكومات ووسائل الاعلام الدولية، ينطوي على محاولة لقولبة وتنميط الثوار في القوالب الجاهزة من خلال ازمات دولية سابقة، والسؤال قد ينطوي أيضاً على سخرية من قدرة الليبيين بعد عقود من القمع والاستبداد من اقامة دولة مدنية ديمقراطية حديثة، وهو ايضاً، وفي مفارقة ساخرة سمجة، يعكس السؤال الارهابي الهستيري الذي وجهه رأس النظام “من انتم، من أنتم؟!”.

كما أن السؤال قد يرمي إلى ممارسة المزيد من الضغط والابتزاز من قبل دول ومنظمات عالمية لتقديم المزيد من الضمانات وربما التنازلات فيما يخص شكل الحكم وطريقة ادارة البلاد في المستقبل، وهو ما يعكس حالة التردد التي نراها من قبل العديد من الدول الرئيسية في الاعتراف بالادارة  الليبية الجديدة كممثل شرعي للشعب الليبي.

يمكنني القول أن الليبيين وفي فترة قياسية اثبتوا قدرتهم على اقامة دولة مدنية حديثة، تسعى إلى أن تكون نموذجاً للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في منطقة تشهد تحولات تاريخية غير مسبوقة، واعتقد أن حالة الجدب التام التي عانت منها ليبيا بالمقارنة مع دول الجوار يجعل منها الاكثر تعطشاً وتطلعاً واصراراً على تحقيق دولة المواطنة الحرة والعادلة في فترة قياسية، وربما هذا التفاؤل يعكس الحماس الذي يطبع جيل الشباب في ليبيا، الذي كان وسيظل المحرك الاساسي لتحقيق هذه التطلعات.

وإذا كان الاخر قد اختار تسميتنا “المتمردون” في محاولة لاختزالنا، فإنني لا ارى حرجاً في تبنيها واستعمالها بحسب المعنى الراسخ فينا، ويكفي فخراً أن من بين هؤلاء “المتمردون” كفاءات عالية في جميع المجالات استطاعوا في فترة قصيرة التواصل مع الداخل والخارج لتقديم الصورة الحقيقية للانسان الليبي، وللثقافة والهوية الليبية التي يسعى الجميع في ليبيا لاستعادتها بعد عقود من التدمير والتخريب المتعمد.

المتمردون هم مناضلون قدموا حياتهم من أجل تقديم الحقيقة للعالم عندما كانت وسائل الاعلام العالمية غائبة عن ليبيا بالكامل، مثل (محمد نبوس) الذي كان صوته وصورته القادمة من ليبيا عبر الانترنت ووسائل الاعلام الدولية الاولى التي قدمت للعالم معنى الثورة الليبية.

ومثل صديقي (ربيع شرير) الذي قدم عبر وسائل الاعلام شهادة حية لايام الثورة في مدينة الزاوية قبل أن تقمعها بعنف آلة القتل الارهابية، ربيع الذي اعتقل وعذب من اجل ايصال صوت الحقيقة ومازلنا نسعى إلى أن يطلق سراحه قريباً ليواصل نضاله من اجل ليبيا حرة وعادلة وديمقراطية. ومثل صرخة (ايمان العبيدي) في وجه جلاديها وشجاعتها في مواجهة قمع وتعذيب النظام لفضحه وتقديم صورته البشعة للعالم.

هؤلاء وغيرهم كثر هم الوجه الحقيقي للثورة الشعبية الليبية، هؤلاء وغيرهم من الذي يعملون من خلال مؤسسات المجتمع المدني الذي يشهد تنامياً غير مسبوق في ليبيا، ومن خلال وسائل الاعلام المطبوعة والمسموعة والمرئية باللغات العربية والانجليزية والامازيغية والتي لم نرى مثيلاً لها في ليبيا، هؤلاء هم المتمردون، الذين ستقع عليهم مسؤولية الحفاظ على مكاسب الثورة الحقيقية، وحماية الفرد والمجتمع الليبي من المتربصين به والذين يريدون لليبيا وللانسان الليبي أن يتوافق مع نمطيتهم وصورتهم المشوهة لنا، واؤلئك الذين يريدون أن نبقى انعكاساً للقمع والاستبداد والارهاب والتخلف.

لذا فيكفينا فخراً أننا متمردون.

فاطمـــــة

قصة: عزة كامل المقهور
كلما حل الربيع، تخرج فاطمة مع والدها إلى السواني القريبة، يستقلان السيارة الهيونداي البيضاء… تجلس فاطمة في المقعد الأمامي إلا إذا خرجت أمها معهما، فإنها تغطس في المقعد الخلفي إلى جوار الباب، لا يتجاوز رأسها الحافة السفلية للنافذة، وبالكاد تتجاوز قدماها الصغيرتان الممتدتان حاشية المقعد البارزة.

 ما أن تقترب السيارة من السواني، حتى تنهض فاطمة….تثني ساقيها وتطل برأسها من النافذة ، و كلما ازدادت السيارة قربا، كلما تزاحمت سيقان النخيل وبدت كأنها تجمعات من البشر تتظاهر. وعلى إمتداد الأرض المكسوة بالعشب، يتناثر نوار “البقرعون” الأحمر القاني ذو السيقان الرفيعة، وتطل برؤوسها وريدات الأقحوان الصفراء منها، والبيضاء ذات القلب القطيفي الأصفر البارز، تعبث بها فاطمة بأصابعها الصغيرة المنتفخة حتى تتلون راحتها بالأصفر، وتبزغ شجيرات الزريقة بزهراتها البنفسجية المائلة إلى الزرقة.

تفتح فاطمة باب السيارة قبل أن تتوقف نهائيا، ينهرها والدها في كل مرة، تطأطأ رأسها قليلا، ثم تقفز بقدميها الصغيرتين على العشب المخلوط بأوراق “البليبشة” و”الخبيزة” شديدة الخضار، تتفادى وريقات “الحريَق” المسننة التي تلسع ما ظهر من ساقيها فتهيج طفحا أحمر عليهما وتنتابها الرغبة في هرشها.  تجري وسط الحقول، يطير شعرها الأسود في الهواء خلفها.. يتبعها، تمضي الوقت تبحث بعينيها الواسعتين عن نباتات الهندباء البرية ذات كريات الريش النجمية البيضاء المنفوشة على قمتها، تنفخها فتتناثر في الهواء كريش الحمام المتطاير عندما تجري فاطمة خلفة وهي تصرخ لإخافته.

هذا الربيع لم تخرج فاطمة إلى السواني، لم تتجاوز قدماها الصغيرتان عتبة البيت، تبكي أمها طوال اليوم، حتى عندما لا تسقط القذائف من حولهم. امتلأ بيتهم بالأقارب الفارين من السواني للإقامة والمبيت عندهم، وفتحت دوائر في اسوار البيوت المتجاورة ينتقل الجيران من خلالها هربا من قنصهم في الشوارع، وانحشر الرجال في المربوعة الملحق بها حمام، بينما ترك بقية البيت للنساء والأطفال…. ولم تكف أمها عن البكاء… بكاؤها يعلو كلما تناهت اليهم اصوات القذائف في طريقها إلى السقوط، فتغمض النسوة عيونهن وتسد آذانهن وتضغط برؤوسهن فيما بين أكتافهن في انتظار لحظة الإنفجار…. تقلد فاطمة النسوة فيما يفعلنه، وإذا ما نسيت إحدى الحركتين،  تغمض أمها لها عينيها أو تسد لها أذنيها بقوة وتخفي رأسها في جسد فاطمة الصغير وتبكي وتلهج بالدعاء…”ياربي ياربي سلمنا”.

كان الرجال في حركة دائمة يخرجون ويدخلون “المربوعة”، ويسمح لفاطمة لصغر سنها بالدخول اليها، بعضهم يعلق بندقية على كتفه يكثر من عدلها ورفعها نحو رقبته، يغطي بعضهم رأسه بكوفية حمراء تتدلى منها كريات وشراشيب، تتمنى فاطمة فيما لو تمسك وتلعب بها. دخولهم إلى المربوعة كما خروجهم في عجلة دائمة، يشربون “طاسة الشاهي” دفعة واحدة، يرددون “الله أكبر” وهم ينصرفون رافعين بنادقهم على اكتافهم.  طرقت اذنيها كلمات لم تفهمها في البداية “الغراد”… “الهاون”… ” السكود”، إلا أن كلمة واحدة سرعان ما فهمتها “شهيد” حين قال أحدهم أن قريب لهم تعرفه فاطمة جيدا خر صريعا برصاص قناص من “عمارة التأمين” ترددت الكلمة كل يوم “شهيد”… “شهيد”… شهيد”، ثم تكدست الجثث فبات الحديث عن “الشهداء”. ولأن فاطمة رأت هؤلاء مسجية أجسادهم على قطع القماش أو محملة على الأكتاف أو مرفوعة بأيادي الرجال وهم يسارعون الخطى كأنهم يسابقون شيئا ما يحوم حولهم، عرفت أن الشهيد هو من لا يقع على ركبتيه لكنه يسقط بكامل جسده مرة واحدة و يرحل فجأة إلى الأبد. أما بقية الكلمات فعرفتها بأصواتها المفزعة، ولهيبها المستعر، ودخانها الأسود الذي يستحيل إلى رمادي عند صعوده صوب السماء، عرفته بالغبار الذي ينهال على الرؤوس ويتسلل من شقوق النوافذ والابواب وينسل إلى الأنوف يغم الصدور وكأنه غمامة سوداء، ثم يغطي كل شئ.

لكن معرفتها بمفردات الإنفجار بدأت تتوثق سريعا، تغير التعامل معه، ما أن يصرخ الرجال “جراد” … “جراد”.. حتى تنبطح النسوة والأطفال في وسط الصالة بعيدا عن النوافذ والأبواب.. تغطي بعضهن رؤوسهن بغطاء ارديتهن. لم يعد الرماد الخانق يتسلل، باتت الشظايا تخترق الأسمنت، وتهجم عليهم في الداخل وتخترق أجسادهم كالنصال المسنونة الحامية، تفلق لحمهم وتحرقه وتذيب اطرافهم، أصبح الرماد بقايا ركام البيت ومحتوياته وهي تتحطم فوق رؤوسهم.  تحول كثير منهم إلى شهداء في برهة، يتساقطون فجأة، بينما هم يتحدثون أو يصَلون أو صامتون أو حتى يحلمون في بيوتهم، هكذا هم الشهداء ينفصلون عن من حولهم و يرحلون في لحظة.

لم ترغب فاطمة أن تصبح شهيدة… أن ترحل عن والديها وأخوتها والاقارب والجيران الذين يعج بهم البيت والرجال المتأهبون في المربوعة… لم ترغب رغم كل ما سمعته عن الجنة، والملائكة، وحور العين، والأنهار التي لم تراها قط، كانت ترغب فقط في أن تجلس إلى جوار والدها أو في المقعد الخلفي للسيارة الهيونداي البيضاء وتشق خضار السواني وورودها.

 حل الربيع ولم تذهب فاطمة إلى السواني المجاورة تلتقط مع امها أعشاب “المردقوشا” لخلطها بحبوب “الشاهي” الأحمر، وتقتطف نوار “البقرعون” فتتساقط وريقاته الرهيفة وتتبعثر حبيبياته السوداء المخفية وسطها، تعفس بقدميها الصغيرتين على “الديس″ لتمسع هسهسته، وتداعب حوافه ساقيها.

تجلس فاطمة هذا الربيع على طاولة في المستشفى، تمد قدمها إلى الطبيب تخضع لعملية جراحية دون تخدير، بعد أن انغرست شظية في بطن قدمها اليمنى. كانت تصرخ من ألم الحرق الذي كان أقوى بكثير من نبات “الحريَق”، وقد تدفق الدم بلون أشد قتامة من حمرة نوار “البقرعون”… تجلس فاطمة تجاهد عدم الحركة بينما يحتضنها والدها من الخلف… تردد خلفه ما تحفظه من قصار السور.

عاشت فاطمة، وأقتُلعت الشظية من قدمها البضة الصغيرة، قبضت بيدها عليها، اتكأت على يد والدها وبدأت السير….