قبل بضعة اسابيع ساقتني الاقدار العبثية إلى حضور ندوة في احد قاعات لندن تحاول أن تستقرئ وجهة نظر النخبة العربية في الثورة الليبية، ويبدو ان منظمي الندوة ارادوا ان تكون الندوة محاولة للحصول على دعم من النخبة الثقافية العربية التي تعيش في بريطانيا للثورة الشعبية في ليبيا اسوة بالدعم الذي تلاقيه تونس ومصر واليمن والبحرين وسوريا وغيرها، وذلك بعد ان كثر الجدل اللولبي والنقاش الفكري الحجري حول ما يسمى “اصالة” الثورة الليبية وشرعيتها بعد ان استعانت بالمجتمع الدولي من اجل الحفاظ على ارواح المدنيين أمام ألة الحرب والدمار التي وجهها نظام القذافي نحو الليبيين.
لقد اكدت هذه الندوة الكثير من الملاحظات التي لطالما ناقشتها مع عدد من الاصدقاء، وهي أن الديكتاتورية والاستبداد في العالم العربي هو مشكل ثقافي بالدرجة الاولى، يتحمل فيه المثقفين العرب من جيل معين جزءاَ كبيراً من مسؤولية استمراره وتمكنه من الحكم وممارسة القمع والطغيان بدون رادع أو مسائلة، هذا الجيل الذي عاش طغيان الحركات الفاشية القومية العربية والتي عبثت بدولة المواطنة والقانون في الكثير من البلدان، ومهدت الطريق للعسكر لكي يأتي للحكم تحت مسميات وشعارات قومية وثورية، وتتابع حكمها من خلال شرعية القمع والارهاب، ساهم وما يزال من خلال عقلية انهزامية متخاذلة في زرع الخوف والخنوع والفشل والهزيمة في الاجيال اللاحقة.
كنت انتظر أن اسمع رأي الشباب العربي الذي يصارع في تونس ومصر والبحرين واليمن وسوريا والمغرب ودول عربية اخرى من اجل انتزاع حقوقه المشروعة، من اجل اوطان تحترم ادمية الانسان وكرامته وتمنحه فرصة لأن يحترم هذه المساحات من الارض التي تسمى اوطاناً، شباباً خرجوا إلى الشوارع والميادين ليواجهوا الرصاص والموت من اجل تحقيق وطن من العدالة والديمقراطية والحرية، لكنني لم ارى سوى مومياوات واشباح وجثث محنطة من مخلفات النكبة والنكسة وحروب داحس والغبراء الورقية، ومن المفارقات أن ربيع الثورات العربية الذي اطلقه الشباب، ما يزال فيه الشباب مغيباً من منابر الاعلام والصحافة والندوات الثقافية.
لا اريد ان يفهم كلامي على انني انفي قدرة الاجيال السابقة على تقديم خبراتها ومهاراتها من اجل الاسهام في بناء المرحلة القادمة أو انني انكر على الكثير منهم تاريخه النضالي والمتميز في مواجهة القمع والاستبداد ولكنني اشعر بالكثير من خيبة الامل حين ارى نفس الوجوه القديمة والتي عرف عنها التخاذل والانهزامية تحاول الآن في هذا الزمن أن تمسك بزمام المبادرة وتدعي قدرتها على فهم الامور وتحليل مجريات الاحداث، وهم انفسهم في زمن غير بعيد كانوا يتطلعون للمشاركة في اي نشاط يدعون له من قبل هذه الانظمة المستبدة.
وفي حالتنا الليبية المأزومة يصبح المشهد ساخراً وسوداوياً، كما هو الحال مع كل مشاهد الثورة الشعبية الليبية المأساوية، ليخرج هؤلاء ليسردوا علينا خرافاتهم النضالية البائسة عن زمن يريدوا منا ان نصدق أنه كان رومانسياً وجميلاً، وليمارسوا علينا عنجيتهم العربية التي لطالما ساهمت في تهميش الثقافة الليبية والانسان الليبي، وتعاملت معه وكأنه تلميذ في الابتدائية، غير قادر على فهم الامور ومايزال بريئاً ويسهل خداعه.
لم استطع اكمال الندوة حتى نهايتها حين بدا واضحاً أنها اصبحت مكاناً للتفاخر بالانجازات القروسطية السحيقة، وحين اعتقد البعض اننا في مسابقة من يستطيع أن يثبت ان ثورته اكثر اصالة ونقاءً من الاخرى، أو ان رئيسه اكثر قمعاً واستبداداً من الآخر. وبينما ما تزال عائلات باسرها تباد وشباب يقتلون بأسلحة محرمة دولياً من مخلفات الحرب الباردة، ما تزال الديناصورات تظهر عبر الشاشات العربية بشعرها المصبوغ وكروشها الممتلئة زقوماً، وألسنتها الافعوانية تلقي علينا محاضرات في الوطنية والقومية والاصالة الثورية.
ألا سحقاً لرفاهيتكم الثورية.
حين تموت الآلهة
في هذه الصحراء يموت كل شيء، ولا امل في الخروج من هذا الجحيم الرملي والصخري إلا بالعبور من خلال طرق صعبة اختارتها الآلهة بعناية قد تؤدي إلى المزيد من الهلاك. الموت في الصحراء ليس سهلاً وليس رومانسياً كما يعتقده البعض، فهذه الاميال من الجدب والهلاك ليست مرتعاً سوى للاوهام والسراب والقليل من المياه المالحة التي تظهر في مواسم لا يمكن التنبوء بها.
على حافة البحر ترى الصحراء تخترق المياه، ليختلط الجدب بالملوحة وتزداد احتمالية الموت بالجفاف امام بحر لم ينتهي بعد من ابتلاع الهاربين من الموت الذي يخترق الاجساد كل لحظة. زرقة البحر المختلطة بزرقة السماء هي ايضاً خدعة اخرى، وهماً آخر تصنعه المخيلة في محاولتها اقتفاء اثراً للالهة التي رحلت بعد معركتها الأخيرة من اجل السيطرة على الموت الذي ينخر الاجساد الغضة.
اعتقدت الآلهة أنه من المجدي استعادة هذه الارض والتمكن من العيش بين ثناياها معاركة الحياة الظالمة التي تختبيء في اركانها، حتى أن بعضها ظن أنه بإمكانه نقل الحكمة الازلية التي تتصف بها إليها، فتمازجت معها بطرق شتى بل هناك من الآلهة من قرر العيش على هذه الارض والتخلص من العيش في سماء مملة لا تعرف تغيراً.
يصعب تحديداً معرفة ما حدث، وكيف انتهى، البعض يردد القليل من الحكايات التي تناقلتها الأجيال، والبعض الآخر نقل ما حدث عبر كتب الاساطير والاسفار المقدسة، لكن المؤكد أن الآلهة وبعد سنوات من المحاولة والفشل، اختفت ولم يعد لها وجود، هناك من يدعي أنها اصيبت بالملل مجدداً وقررت الهجرة لبدء عالم آخر، والبعض يؤكد أنه مازال يراها في منامه وحين يهيم في الصحراء بلا هدف.
قد تموت الآلهة حيناً، وقد تصاب بالجفاف وتقرر الرحيل إلى نهاية الكون، لكنك إن انتظرت بعض الوقت، إن تمتعت ببعض الصبر والقليل من التهور والجرأة قد تلمحها تمر بجانبك، قد لا تتعرف عليها وقد لا تجد فرصة لمعرفة اسمها ولكنها حتماً ستلامس قلبك وتحيل الجدب واليأس الساكن عميقاً بداخلك إلى حياة وأمل. قد يحدث أن تراها وهي وتصنع وطناً في صحراء لا تعرف إلا الموت، أو وهي تبني من اجسادها البريئة درباً للخلاص.
حين تموت الآلهة، تولد من جديد من رحم هذه الارض التي هجرتها في زمن سحيق، لتعود إليها مخضبة بدماء الخصوبة، مشربة باحمرار الشمس، مشيرة باصابع النصر إلى الزرقة في المدى مستبشرة بوطن ضاع منا في زنازين العذاب. وطن يجب أن يموت لكي يولد بريئاً بلا آلهة.
أحمد الرحال: هي ذي حياتي
"Blood of The Martyrs Won’t Go in Vain"
يادج* (قصة: عزة المقهور)
قصة: عزة كامل المقهور
لم يغمض لها جفن تلك الليلة…….
سهدت مع النسوة والصغار في قاع “الداموس″، وهو مسكن قديم محفور في صخور الجبل، له فناء دائري فاغر فاهه للسماء، تحيط به الغرف من كل الجهات تقريبا بما في ذلك المطبخ، ولها شكل الكهوف، مطليه بالجير وأبوابها مقوسة مصنوعة من اعجاز النخيل ومثبتة بمسامير خشبية من جذوع أشجار الزيتون.
هجر سكان الجبل “دواميسهم” وكهوفهم الحصينة، وبنوا الدور المتناثرة بفوضى على سفوح الجبل أو السهول والأودية بل حتى على المنحدرات، تبزغ من أعالي اسطحها الأطباق الهوائية كعيون تلتقط ما حولها.
عدا القصر، وهو مبني صخري كالقلعة، ظل شامخا وسط كل شيء، يحتفظ في حفر خزائنه بذاكرة الجبل كله، شاهدا على ثقافة وحضارة بقدم الجبل ذاته.
تنبت على سفوح الجبل وفي أوديته أشجار التين والزيتون والكروم والنخيل، “يزبرونها” في مواسمها، و”يّذَّكرون” النخيل، يعرفونها ويتوارثونها شجرة….. شجرة. كما تنبت بعض من أشجار الصنوبر في ثنايا الجبل على مقربة من الطرقات خلفها الأيطاليون ورائهم ورحلوا.
يعتمدون على الأمطار الشحيحة شرابا وسقاية، بنوا الخزانات و”المواجن” يجمعون فيها مياه الأمطار قطرة… قطرة ،”كجرامات” الذهب.
يهبطون الجبل إلى “طرابلس″ في المناسبات السعيدة والمّرة أو لمعاملات إدارية، وسرعان ما “يرقوا” إلى الجبل في ذات اليوم أحيانا.
تعلم ابناؤهم، ورحلوا….إلا أنهم يبنون بيوتا في أراضيهم التي يتوارثونها ولا يبيعونها، يقيمون فيها بين الفينة والأخري على أمل العودة اليها والاستقرار فيها حين يغزو الشيب رؤوسهم ويتقاعدون، حينها يرتدون البدلة العربية و يضعون على رؤوسهم “المعرقة” أو “الكبوس″، ويتدثرون بجرودهم الراقية المميزة بعقدة “للتكامية” عند الصدر تحوكه نساؤهم، يغطون رؤوسهم بطرفه، يسحبونه إلى الأمام كلما إنزلق عنها… يعيشون في هدوء وتناغم مع الطبيعة الصخرية من حولهم، ألفوها وألفتهم حتى أصبحوا جزءأ منها، يعتاشون من الجبل ويعيش بهم ولهم.
ولم يغمض لها جفن تلك الليلة…….
تقلب عينيها في ظلام “الداموس″ وتتناهى اليها ومن معها صفير الصواريخ وانفجارها تحتدم بين جدران الجبل، يرتد صداها ويهز أركان الغرف التي يختبؤن بها… يتوقعون في كل مرة سقوطها وسط الفناء وانفجارها فيه وتبعثر شظاياها إلى الداخل حيث هم. يصرخ الصغار ويختبئون في الأركان كالأرانب البرية… بينما تلهج النسوة بالدعاء.
كانت في الداموس بينما ابنها “عماد” في الجبهة….
وفي الصباح عادت الي بيتها تتفقده، وجدته قائما وقد لف الغبار حجراته.
وبينما كانت تتحرك بخفة في مطبخها وبين أوانيها، دخل عليها الحاج “أحمد” مسرعا التفتت نحوه فرأت لحيته البيضاء مبللة، رفعت رأسها، وما أن وصلت إلى عينيه حتى اسدل جفنيه وأطرق برأسه… لم تتمكن من معرفة منبع البلل.
أنزلت رأسها وأقتربت منه، أدار وجهه للناحية الأخرى وهو يتمتم ” اشهد أن لا إله إلا الله” “إنا لله وإنا اليه راجعون”… وبلهجة “جبالية” لا تخطئها الأذن ” ربي وخدي أمانته ياحاجة“.
لم تستوعب ما قاله الحاج أحمد، فأقتربت منه أكثر فأكثر، ولم يكن هناك مفر من المواجهة، التقت أعينهما كما لم تلتق أبدا، فرأت منبع السيل من عينيه الضيقتين وهو يسري على خديه، يتغلغل بين شعيرات ذقنه، ثم يتحول إلى قطرات تبلل “سوريته العربية“.
- عماد ياحاج… وليدي؟
ارتفع صدره وانخفض بقوة وهو يغالب دموعه.. ويهز رأسه
- واي*
ركضت نحو الحجرة، نفضت “فراشيتها” البيضاء، التحفت بها على قفطانها دونما عناية وخرجت اليه، كان مايزال في مكانه يستند على حاشية “الرخامة” في المطبخ، يهتز جسده بتقطع دونما توقف…
استدار …وجدها أمامه تقف على مقربة منه، تمسك بحاشية فراشيتها التي استدارت حول وجهها المدور بيد واحدة، وقد بدت وجنتاها اشد احمرارا وعيناها اكثر اتساعا وهي تواجهه..
- أرفعني لوليدي… أرفعني ليّه…
ثم التفتت واتجهت نحو الباب، وضعت نعليها، وخرجت.. كانت جارتها قد تلقت النبأ… تركت بيتها وفزعت اليها.. التقيتا أمام الباب، ملتحفتان، متأهبتان…
- يصبرني ربي..
- يصبرنا كلنا… يا أم الشهيد…
لم تشعر بأحد ممن حولها… وإن كانت قد شعرت بأن الطريق طويل، ولم تعرف إلى أين يقود الحاج السيارة سوى أنها ذاهبة كي تراه…
كانت تتمتم وتكلم نفسها، كأنها إمرأة أخرى تسديها النصائح وتمنيها بالصبر….
- واي*… أنا وليدي شهيد… ما يبكوش عليه.
ما أن توقفت السيارة أمام “السبيتار” حتى انزلت قدميها معا… ووقفت، خطت بخطواتها القصيرة تتهادى يمنة ويسرة…
دخلت تتبع الحاج الذي ازداد جسده اهتزازا وهو يحرك رأسه باحثا.
وقعت عيناها عليه….رأته، هو عماد… ممددا على السرير، مغلفا رأسه بشرشاف أبيض، وعلى الجرد الملفوف به جسده بقع دمه التي طالما تحسستها براحة يديها ومسحتها وهو صغير يأتي إلى أحضانها باكيا عند رؤية الدم….كانت تضحك وهي تعنفه بدلال…… ” آعماد إيّادا* إيّادا …. الرجالة ما يبكوش ياوليدي“.
كانت بقع الدم مختلفة هذه المرة، لونها باهت كلون الحناء في طريقها إلى الزوال، وكان عماد باسما… ما أن رأت شفتيه، حتى انطلقت حنجرتها بالزغاريد… الواحدة تلو الأخري…. تنكسر تلك فتصدح هذه كأنها طلق الولادة في أوانه الأخير ….لتعاود من جديد….
أطرق الرجال رؤوسهم، ولم تعبأ بهم… اقتربت من رأسه، أمطرته بالقبلات وهي تمسك ذقنه براحة يدها ، تضغط على وجنته بأصابعها ثم تطبق عليها، ترفعها إلى فمها وتقبلها….تذكرت أنها لم تقبله منذ أن شب عن الطوق وإنه من كان يقّبل رأسها بين الفينة والأخرى وحين يداعبها…
جاءها بيده بندقية وهو يبتسم… “تعلمت من الشباب… بندافعو ع البلاد…”. لم تخف عليه …بقدر ما كانت تخاف الصواريخ التي تتساقط على بيوتهم من كل صوب… تهرع النساء وصغارهن إلى “الدواميس″ ثم تطفقن عائدات إلى بيوتهن كحمائم الــ”أيدبيرن”*، وعماد ورفاقه بين حجر الصوان وأشجار الزيتون والتين والنخيل يحمون بلدتهم المحاصرة، يطلقون رصاصاتهم في مواجهة الصواريخ والراجمات ومضادات الطائرات الآتية من أماكن بعيدة، وهم يحتمون بنتوأت أرضهم وحجارتها وصخورها، أو جذوع أشجارهم…
لم تعبأ بأحد…. خرجت خلفه محمولا على الأكتاف تودعه… إلى حيث الأرض التي دافع عنها “شهيدها” وهو يطلق رصاصاته… و تقول بصوت متهدج:
- ياوليدي ياشهيدي….. ياشهيدي….ما نبكوش عليك.
9. 6. 2011
____________
*يادج: الأم باللغة الأمازيغية.
* واي: نعم باللغة الأمازيغية.
* إيادا: تعالى باللغة الأمازيغية.
* ايدبيرن: الحمام البري في جبل نفوسة.
رسالة من لندن.. مع جمعة بوكليب (الحلقة السادسة والثلاثون)
في هذه الحلقة من (رسالة من لندن): “لا يحدف ولا يجيب رشاد”، عن الحالة اليويوية واللاجدوى التي نعيشها والبحث عن وسائل لتقديم العون والدعم للثورة الشعبية في ليبيا. وناظم حكمت يقول “لأجمل الايام ما لم نعشها بعد”
لتحميل الحلقة اضغط هنــــــــــــــــــــــــــــا
ربيع البلاد
إلى ربيع شرير.. حراً أينما كنت
يختبئ النوم عند الفجر، لا اجد وقتاً لعقد صفقة معه هذه الساعة. أغرق تحت اللحاف في محاولة لتجنب خيوط الشمس التي تهاجمني، اتذكر قوله والشمس تخترق رؤوسنا ونحن نتجه غرباً. احس باختراق الرصاص في لحظة من حلم. المنبه يعلو صوته صادراً من هاتفي النقال، اضغط على الزر وامنع نفسي من تصفح اخر الاخبار القادمة عبر تويتر. القي بالجهاز جانباً واعبر المسافة بين السرير والحمام مترنحاً، مستنداً بالحائط. أقف امامي مواجهاً صورة الكوابيس في المرآة، يتدفق الماء في الحوض، بارداً ما يلبث أن يفتر. يقول لي أنهم باتوا يشربون مياهاً مالحة واخرى مختلطة بالطين. ألقي برأسي تحت المياه واحاول الوصول إلى صورة اخرى للمدينة ولكنها ما تلبث أن تختفي عندما تعلو اصوات المحتجين. اسقط بالقرب منه وهو يرفع شارة النصر.
**
كيف أنت يا صديقي. هل مازلت تقف في الميدان، في الساحة القريبة، تلتحف الاحلام وتعدنا بزاوية جديدة تعلن الفرح. كم تمنيت أن ابوح لك بالكثير لكنني اسمع صوتك عبر الجهاز وفي المقاطع القصيرة، تعدنا بربيع متجدد على هذه الارض. لم يعد للخوف مكان في حياتنا والقاتل ستلاحقه اشباح الموتى. كيف هو ألمك يا رفيقي، أعلم أنه لن يزول حتى بعد سقوطه، واعلم أنك ستحاول رسم ابتسامتك الدافئة وتقرأ علينا قصيدة جديدة بصوتك الرائق، تعدنا بربيع البلاد.
**
ما هو الامل؟
هل هو العيش في اضيق السبل والتطلع إلى سماء الظلام بحثاً عن نجم المساء، الابتعاد عن الحلم مخافة ضياع لحظة الترقب. أم أنه السير في الصحراء انتظاراً للمطر، أو انشقاق الارض بالماء.
تنحدر الطريق امامك. تقترب من بوابة السقوط، تحاذر ملامسة وجهك الذي اراق دمه. تلقي تعاويذه في نار الظهيرة وتهجر اليقين مستعيناً برغبة تدفعك للبقاء مهما كلف الوقت.
الوقت صنو الالم في هذا الطريق الممتد من مدينة تتاخم البحر وتغويه واخرى تبتعد عنه وتجافيه.
ما هو الربيع؟
أهو اخضرار الارض بالبشارة، قطرات الفجر وهي تغازل ازهار اللوز واصفرار الاقحوان مختلطاً باحمرار النعيم، أم انه صراخ المتعبين في ميادين الفرح، وقوفوهم تحت رايات الامل، رفعم لاصابع النصر. هل الوقت هو الموت؟!
يصفعهم كبرياؤك يا صاحبي، يلقي بهم عند حافة العدم ويبقي صوتك هو هو، مثخناً بالعذابات المرهقة، متوحشاً عند الضرورة ومبشراً بولادة درويش الزاوية الكبرى وهو يذوب في الوجد وليالي التوحد.
كم من الاصابع عليهم أن يكسروا؟! كم من الاعين عليهم أن يسملوا؟ كم ستكون قبورهم عابسة متجهمة تنضح بالفراغ. وتلك المعذبة بين سماء ورمال وبحر، ذلك الاتساع المرهق، والامتداد بلا نهاية. وبين امل يولد شرقاً وآخر يحترق غرباَ، تبقى صورتك تلتحف سماءنا، تعدنا بآخرة والقليل من ماء الامل.
**
عندما كتبت عن حلمي الوردي، حاولت أن اتلمس سخرية المشهد الذي نعيش. اربعون عاماً وبضعة سنين اخترقت اجسادنا، كنا كمن يقف في انتظار مجئ القطار على الرصيف. الوقوف كان مصيرنا الذي حملناه كزهرة صبار على صدورنا. وقفنا بالساحات ونحن نجبر على تلاوة شعارات الثورة الكالحة، وقفنا في طوابير الصباح والبرد يأكل اطرافنا لنسبح بملكوت الآله الآفل، أو ونحن نردد “نداء الراية الخضراء” والذي ما يزال يتردد في داخلي بكل سخافته.
قلت لك أنني أحلم أن ارى البلاد وهي تتشح بالوردي، ولكنك كنت اكثر جرأة ووعدتني بالبرتقال. تتردد في البوح بألمك وتجبر الكلمات ويتساقط البرتقالي من بين الاحرف التي تنهمر من حنجرتك.
جديرة بالمحبة
يوم يزهر البرتقال
جديرة بالمحبة
يوم يذبل البرتقال
تبقى صورة العسكري وهو يضربنا بعصاه الغليظة وأحياناً بسلك الكهرباء على اجسادنا، تغريهم مؤخراتنا اكثر، ويأمرنا بتحطيم ما تبقى من كرامة فطمنا عليها، والشمس تتأمر لتعذيبنا اكثر. نمضي في المسير نحو نهاية الساحة بينما ارى اخرين “يذنبون”، بين “بروك” و”قرفصاء” و”دحرجة” يصبح المشهد اكثر سخرية وقتامة، ولا يكتمل إلا بصورة جسد نحيل تنز من ركبتيه الدماء بعد مسير على الاسفلت. يتدحرج البرتقال من صوتك وانت تذكرني بأنها ما تزال جديرة:
جديرة بالمحبة
يوم يقطف البرتقال
جديرة بالمحبة
يوم يؤكل البرتقال
نقف أمام البوابة في منتصف الليل نتطلع للشارع الفارغ من المارة. بعد قليل تمر سيارة كادحة تتبعها اخرى تدل على الترف. يصفعنا سور المقبرة ونلمح في البعد ضوءاً باهتاً لا نعرف كنهه. في الليل تخرج اشباح “الثكنة” كما شأوا تسميتها ونستمتع بالمزيد من الارهاب وكأنه ينقصنا بعض الرعب لكي نصبح مواطنين لا نعرف للعصيان معنى. اتحسس البندقية الصدأة التي منحونا من بقايا مخلفات حروب خاسرة سابقة. استطيع ترديد اجزائها غيباً، لكنني لن اجرؤ على استعمالها. أكره أن اراك تصرخ في الظلام، اكره تلك المخلوقات القاتمة وهي تمعن في تعذيبك، تعود إلى تذكيري ببرتقال سيتساقط فوق ربيع محبتنا.
جديرة بالمحبة
يوم يزرع البرتقال
يوم يقتل البرتقال
ثمة فتاة تبكي
في الركن اليابس من الحقل
دموعها البرتقال*
**
يهجرني النوم لليلة أخرى، وارحل من تخوم طرابلس إلى مشارف الزاوية، راجلاً، مقترباً من المدينة مروراً بصنوبر جوددائم المنتهكة، مازلت اراني اسير من غرب إلى غرب. تستقبلني عند الساحة اشباح الاشجار المحترقة، تلتف الخرق الخضراء بالمباني المحترقة في محاولة لمنعنا من رؤية البشاعة التي تسبقهم دائماً.
هنا كانت مثواهم الاخير، يحتضنون الارض التي من أجلها وقفوا حتى النهاية، وغير بعيد بقية ركام المسجد الذي كان يعدهم بآخرة أفضل، بعيداً عن الاحذية الثقيلة والرصاص المختلف الاحجام والقذائف التي لا تميز في اندفاعها المجنون قلب من ستخترق.
أراه مزهراً، متفتحاً، بين الركام والألم. ارى ربيع البلاد صارخاً فوق صوت المدافع، عابقاً بالحرية متحدياً رائحة الموت الذليلة.
10/06/2011
______
* نص للشاعر ربيع شرير بعنوان (البرتقال)
Gold as Tibra.. for Hannu
Tibra, is a woman’s name in Libya, that means gold nugget. Hana Naas, is a Libyan woman that embodied the essence and role of Libyan women in preserving and protecting the cultures and traditions of Libya, and passing them to a new generation of Libyan girls and women that were living or born and raised outside Libya.
Through her dedication and activism to empower Libyan women she was seeking to prevent Libyan culture of being lost forever after decades of degradation and destruction by a totalitarian regime, which caused a whole society to fall backwards and marginalise the role of women in Libya.
Hannu, as we she likes to be called, is a true champion of Libyan women’s rights and an activist towards empowering Libyan girls and women, through her projects, mainly, Tibra Foundation, which is dedicated to enrich the lives of women and girls of the Libyan community worldwide, through many activities, among them, establishing the Tibra Awards. A program to highlight the success of Libyan young women, to recognize their excellence, and to help them grow as contributors and future leaders of Libyan community.
Hannu is a dear friend to many, she transformed the lives of many people around her, and as she is taking her first steps towards immortality, in the hearts of those who love her, she will always be remembered as a beautiful soul from a Libya that we all love and long to see again.
Hannu’s glowing smile, touched everything around her and made it glow, even when she was fighting her long and brave battle with cancer, she kept planning for new projects for Libya, and she kept that shining smile, reminding us that she will never wither or surrender.
Hannu… Live forever and smile…
رسالة من لندن.. مع جمعة بوكليب (الحلقة الخامسة والثلاثون)
في هذه الحلقة من (رسالة من لندن): جمعة يعمل براحاً (منادياً) ويعلم الجميع “الحاضر يعلم الغايب، ويا ماشي قول للجاي، بن علي هرّب، ومبارك تنحى، وصالح يشرب كأس الألم، والقذافي يتفوق على الارانب في سرعة حفر الانفاق تحت الارض”
لتحميل الحلقة اضغط هنــــــــــــــــــــــــــــا
Defected Dream
Remember the blood soaked dreams you promised.
Remember the skies that used to be full of the faces of the children to be.
The pain, the horror, the more pain and terror.
Away with your ugly words,
The image you tried to engrave in the face of our moon.
Away with all the days, months, years, and decades you enslaved.
Fearful the night of the free.
Full of forsaken loss and ungrateful tomorrows.
They shall never surrender, nor let go of their only scream.
A smile of the beloved,
A kiss on the lips of pain,
Gushing with the last gasps of life.
A mole creeps from a hole,
Blind by the sun, deaf by the cries,
Counting last mad days down the labyrinth.
Defected, dejected, rejected.
A king of misery,
A soul tormented with the thousands of immortals, beautiful, blissful air.
“Who are you?!”
A bitter nightmare, an endless hate,
A lost seeker in the desert of torment quenching thirst with the sea,
“Who are you?!”
Tight is his fist on the sand,
Writing their names in wounded red,
Soaking in blood the dreams of a promised land.









