د. محمد محمد المفتي

أعرب الصحفي في وكالة رويترزللأنباء”دانيال سيروير”عن ذهوله من عودة الأمان وعودة الحياة الطبيعية إلى ليبياعقب حرب التحرير لإنـهــاء أربعة عقود من الديكتاتورية. وقال دانيال إن”ليبيا شهدت أسرعتعاف ما بعد الحرب شاهدته في حياتي، انه أسرع من البوسنة وكوسوفو والعراق أوأفغانستان”. وتساءل ” لماذا هذا الانتعاش السريع ؟

سـماحـة الليــبـيين
وإذا كان مراسل رويترز أول من كتب، إلا أن هذا الانطباعوالدهشة كانت واضحة في أحاديث الصحفيين والدبلوماسيين الذين قدموا إلى بنغازي منذالأسابيع الأولى. في تلك الفترة روج النظام المدحور لفرضية القبيلة .. وهكذا أخذالعالم يتحدث عن القبائل الليبية المتمردة على القذافي. لكنهم فوجـئوا عندما وصلوابنغازي ووجدوا الترحاب والكرم .. وأن بإمكانهم التجول في المدينة إلى ما بعد منتصفالليل .. بل والذهاب إلى الجبهات والإقامة مع الثوار في حميمية لم يعهدوها.

سـرعة الانتعاش والعودة إلى الحياة الطبيعية عائد بالتأكيدإلى موارد ليبيا الحالية والمرتقبة، وما وصلنا من دعم خارجي عربي وعالمي. لكن ماتحقق، وما نشاهد من قـدر عال من  الأمنوالأمان راجـع في اعتقادي إلى طبيعـة شـعبنا السمحة المتسـامحة وروح التكافلالمتأصلة.

والـقـلـق أيـضــا
لكننا نعرف أيضا أن هذه الصورة شبه الطبيعية والمثيرة للإعـجـاب، تخفي وراءهاقدرا من القلق والتوتر، تبدو واضحة في لغة السياسيين المتلهفين وتراشـقهم، وماتنطوي عليه تصريحاتهم من تمجيد وتنـديد أوإدانات وتشكيك.  أما هموم الناس الآن فتتمحور حول الاستقرار وما قد يحملهالمستقبل من مفاجـآت.  الناس تريد أن تعيش،وتبني ويذهب أطفالهم إلى المدارس. وهناك نازحون ومهجرون يريدون العودة إلى بيوتهموقراهم.

ولهذا حيننتحدث عن نتائج ثورة فبراير المجيدة، علينا أن نميز بين ما تحقق وإيجابي ، وبين ماهـو سلبي نتيجة التقاعـس (عدم جمع القمامة) وسوء الآداء ( ارتباك رعاية الجرحي) ،وسوء اختيـار المسئولين واحتجاجات الموظفين ، والعمال المضربين.

الكل يشكو ..من رئيس المجلس الانتقالي إلى رجل الشارع .. لكن الشكوى نزوع طبيعي لدى الإنسان. إنها مؤشـر إلى الفارق بين ما هو مطلوبوبين ما يتحقق فعلا. بل إن غياب النظام اليومي (الروتين) المألوف وسرعة التغييروالتوترات المفاجئة والتوقـع ، كلها تسـبب الإنـهاك النفسي ونضوب الصبر.

والمفارقة أنهذا الاضطراب يبرز بوضوح في الصحافة وأجهزة الإعلام، التي تحظى بقدر هائل منالحرية غير مسبوق في تاريخنا. لكن المثـقـفين أصلا بحكم مشاغلهم وطريقة تفكيرهميرون أن التعقيد هو أصل الأشياء. بينما يستثمر قادة الأحزاب الوليدة كل خبر وكللحظة توقف. في جو الحرية يمسي الجدل والرغبة في الإدهـاش أحيانا هـدفا في حـدذاتـه.

ولنعترف، بلونهنئ أنفسنا، أن هناك الكثير الذي تحقق. لكن الناس وسرعان ما تنسى. ويكفيني مجرداختفاء القذافي وأولاده وجواسيسه ولجانه الثورية، واختفاء الرعب الذي زرعه في كلمكتب ومدرسة وشارع .. واختفاء لغة التمجيد والتملق، وغرائبيات عقل القذافي التيأرهقتنا لمجرد سماعها وقراءتها عدة مرات يوميا على لافتات الشوارع والأوراقالرسمية وإذاعاته .. فضلا عن  أسماء الشهوروالتقويم السنوي، وصفة ” الشـعبية ” التي أقحمت بكل فجاجة وتزوير.  ويفترض أن تختفي الآن ظـواهر الوساطةوالتجاوزات.

بــؤر مـعـتمـة
نعم، بدأتحياتـنا تـعـود إلى طبيـعـتـها .. لكن هناك استـثناءات .. هناك نقاط معتمة بحاجةإلى نقاش ومعالجة.

هناك مناطق بكاملها في الجنوب، في فـزان لم تصلها الثورةبعد، لم ” تتحرر” ، رحلت عنها دولة القذافي، لكن لا وجود لشرطة أو جيشأو أحيانا حتى علم الاسـتقلال، تحت سيطرة مجموعات مسلحة ترعب وتنهب، كما قال ليصديق قادم من هناك. الأمر خطر. كل ما هنالك أن فلول القذافي قد فقدت القدرة والهدفوخارت وتحللت أوصالها.

مقـتـضـــياتالإعـمـــار
 ثرنا من أجل الحرية والعدالة ودولة القانون.وحتى وإن اختلفنا في تفسير هذه المصطلحات، فإنـها تشترك في كونـها مطالب معنوية.وقد تحقق وسيتحقق قـدر كبير منها، لأنـها ضرورية أصلا لاسـتقرار المجتمع وازدهاره.

ونحن بحاجـة إلى إعادة إعـمار، وتنفيذ برنامج واسع للتنميةأولا لمواجـهـة البطالة العالية بين الشباب التي ورثناها عن جماهيرية معمر، وثانيالتعويض كثير من المدن والمناطق التي أهملها نظامـه الأرعن وعـقـوباته الجماعية.والاعـمار قادم بفضل الدخل النفطي، وحاجة العالم للاستثمار لدينا. ومن هنا الحاجـةإلى إعادة بناء إدارات الدولة لتكون في مستوى المهام القادمة، سـواء من باب حسنالآداء أو الشفافية وطمس الفسـاد.

نتــائج حـربالتحـرير
حرب التحرير بقدرما سطرت لليبيين أمجادا من البطولات والتضحيات، تركت وراءها عشرات الألاف من أسرالشهداء، والجرحى. وتركت التشكيلات المسلحة. وهذه كلها مشاكل حقيقية ومعـقـدة ، بلوبمثابة قنابل موقوتـه، قـد تفجر البنـاء السياسي مرة واحـدة وتـلقي بنا إلىهـاوية الفوضى والدمار. وللأسـف لم تظهر بـعـد أي معالجـة جــادة لها. مجرد وعـودوحلول مؤقتة وجزئية مبعثرة. فلا الأموال المطلوبة خصصت ولا إدارة مستقلة وموحـدةأنشئت.

بل إن موضوع الثوار وانتشار السلاح عولج حتى الآن بشئ منالفجـاجة، كقول مسئول مثلا أن على الثوار أن يغادروا طرابلس إلى مدنهم، كما لوكانوا مرتزقة، حاشى الله. ناهيك عن حملة التشويه المشبوهة التي لم يتصدى لتفنيدهاالإعلام ولا المسئولين. وقد طالبت مرارا في أكثر من مقال، بضرورة إشـراك الثـوارفي السلطة وتسليمهم حقائب وزارية الآن. وقـد سـبق أن قدمت للأسـتاذ مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقاليبرنامجا متكاملا باسم ” مشروع الوفاء والعرفان” لإعـادة اسـتيعاب وتأهيلالثوار، بالمكافآت المالية والأوسـمة، والمرتبات والتدريب المهني أو العسكريوالبعثات الدراسية، ومنحهم قطع أراضي سكنية ومعها منح لبنائها، بل وامتيازاتمعنوية وصولا إلى تخصيص شباك في كل مصرف لخدمتهم.  
شـكل الدولـةالمطـلــوب
دولة القذافياتسمت بالفوضى لخلخلة المؤسـسـات وإشـاعة الفسـاد عن قصـد. بينما أقام الطاغيةدولتـه الموازية المعتمدة على أجهزة المخابرات واللجان الثورية. وكما يبدو لنااليوم، فإن الرجل الذي كان مسكونا بشتى المخاوف، كان همه تكديس السلاح في أرجاءالصحراء عسى أن يحميه ذات يوم. أما الدولة فابتكر لـها شتى الأشكال من مؤتمراتولجان وفعاليات وتصعيد، كلها من باب التمويه في ضوء ما تكشف اليوم. ومن باب إحكامالسيطرة تحولت الحكومة تدريجيا إلى سلطة مركزية يديرها أحد أزلامه، وحملت طرابلسوزر ما حدث.

إن بلادنا بحكمتكوينها الجغرافي الشاسع وبعد المسافات بين مدنها وقراها، لا تمكن إدارتـها إلابشكل من أشـكال اللامركزية .. وقد طالبت مرارا بإعادة إحياء نظام المحافظات الذيأنشئ عام 1963، بعد تعديله ليتواءم مع التكاثر السكاني خلال نصف القرن الماضي.ونظام المحافظات من شـأنه أن ييسر على المواطن، ويسـمح بتوزيع عادل لحق كل منطقةفي دخل النفط وبرامج التنمية.
وأخــيـــــــرًا
لقد كانتالحياة في ظل الطغيان مرعبة وبشـعة ومدمرة ومهينة. وكانت الإدارة فاســدة ومهلهلةومتدنية الكـفــاءة. ونحن اليوم في مواجـهة تحديات هائلة وخطرة. وعلينا أننعالجـها بحكمة ، وإلا سـندفع الثمن أضـعافا مضاعفة. والثورات، مثل الحـروب،تـقـود إلى نتائج تتجـاوز خيالات من حلموا بها أصـلا ودعـوا إليها. فلنحتفظبتوازنـنا، ونبقى بصرنا مركزا على المشاكل الحـقـيـقـية، بعيدا عن الصخب الإعلاميوتنافس النخب السابق لأوانـه. ذلك أن مهام هذه المرحلة الأسـاسية هي تحقيقالاســتـقـرار والمحافظـة على وحـدتنا الوطنية. وعسى أن يحمي الله ليبيا من شططبعض أبنائها.
بنغـازي 11 /11 / 2011