تاجوراء….. تنام كل ليلة على هدير أمواج البحر… وتصحو بسكونه….

تمتد مع امتداد البحر الذي يداعب بِدِعة شواطئها ليل نهار… ورغم أنها لصيقة بــ”طرابلس” إلا أن شعورا يستيقظ فيك ينبهك وأنت تحاذي ساحلها أنك دخلت “تاجوراء”، بينما البحر ذاته والساحل هو هو….

كانت السيارة تنهب الطريق الساحلي… يتجه نظرنا إلى اليسار صوب البحر، وعلى امتداد البصر..نتفرج بإستمتاع على مشهد من تدرج الالوان… الازوردي، الازرق القاتم، رتوش خضراء فاتحة..رغاوى بيضاء، ثم اللون السماوي المسطح يتوازي معها حتى تلتقي في نقطة الافق… كان البحر يبدو لنا ساكنا في الصيف…. يغمرنا الفرح..ونصرخ..
“البحر… زويتة”…

تنحدر السيارة فجأة إلى اليسار، تنغرس عجلاتها في الرمال البيضاء الناعمة ثم تتملص منها بقوة، ترتفع وتنخفض بين التلال كالسلحفاة وهي تمد رأسها….ثم تتوقف عند حافة المنحدر.

ننزل.. نخلع نعالنا…ندفن اقدامنا الصغيرة في الرمال الناعمة… الحارة.. تغزو حرارتها كالنمل عروقنا وتسري في دمائنا…

نحمل اغراضنا، وننزل ممرات رملية حتى نصل إلى الشاطئ… يكون في انتظارنا الرايس “علي” الصياد المحترف بقامته الفارعة ومنكبيه العريضين وابتسامته الخجولة، يقف أمام “كابينته” البيضاء المتحركة. اعتادت أبصارنا على امتداد شواطئ تاجوراء بلا نهاية.

يدفع عمي “علي” مركبه الخشبي بساعديه القويين حتى ينزلق في المياه، وتغمره لحد منتصفه، نتسلق المركب أو يحملنا والدي أو عمي “علي” اليه…. يضعان عدة الصيد من “شليف” و”صنارات” و”طعوم” السردين المكدس في احواض بلاستيكية زرقاء، نتخذ اماكن متباعدة ويكتسينا شعور بالفرح وتدغدغنا الرغبة في الضحك….يجلس عمي “علي” إلى جوار “الموتور” يجذب الخيط بقوة، فيهدر…. وينطلق المركب نحو الشمال…رافعا مقدمته. نتمسك بحافة المركب….نبتعد عن الشاطئ شيئا فشيئا حتى تصغر “الكابينة” البيضاء وتتحول إلى نقطة صغيرة، ثم تغيب، يتحول الشاطئ بعدها إلى خط أزرق لا يختلف عما يحيط بنا. يهاجمني خوف لا استطيع دفعه… وتتلوى معدتي كالرقطاء، اتخذ مكانا قصيا في المركب، أطرق برأسي خارجه وأفرغ مافي جوفي دون أن يشعر بي أحد…

يعلو المركب ويهبط بقوة… وهو يهاجم الأمواج ويكسرها فتتناثر حباتها كقطع الكريستال البوهيمي. نتوق أن نصل في كل مرة إلى الأفق… وننتظر.. ولا نصله.

وحين تصبح المياه زرقاء تميل إلى اللون الفستقي… بعد اجتياز بقع من المياه الداكنة التي تغطي الصخور او حشائش البحر السوداء الطويلة اللزجة، ويتبين لنا أعماق البحر ورماله البيضاء، نصرخ “بياضة… بياضة”.  يطفئ عمي “علي” “الموتور” ويأمرنا والدي بالقفز في المياه الباردة… نقفز كالحيتان الصغيرة التي لا تساعدها خياشيمها على البقاء سوى ثوان تحت الماء. نحاول اللحاق بالمركب المستسلم لحركة المياه التي خلفها، فلا نستطيع، ويبدو لنا المركب عاليا وواسعا، طافيا ومسترخيا لمداعبة الموج. يقفز أحد ابناء عمي “علي” وينتشلنا الواحد تلو الآخر، يشبك يديه لنقف عليهما ويدفعنا بهما إلى سطح المركب كـالفراريج.

يصطاد الرايس “علي” بطريقة “السرتمة” وهي الرمي بخيوط “الشليف” البلاستيكية المتينة المثبت فيها طعوم السردين بينما المركب يتحرك ويتخاتل في خط مستقيم ببطء، أو بطريقة تغطيس “الشليف” بينما المركب في حالة سكون يهدهده الموج كما تهدهد الأم صغيرها المستلقي على مخدة فوق قدميها. نعود إلى الشاطئ بـ “الشولة” و”البريمة” و”الرزام”، أو “المرجان” و”الباقرو” تتخبط على سطح المركب أو تتحرك وسط الدلو البلاستيكي.. تنتابنا رعشة الخوف كلما انتفضت أحداها أو اقتربت منا رغم علمنا بأنها في طريقها إلى الموت.

نسمع عن “البراريم” أو “البلاعات” في بحر تاجوراء التي تبتلع الناس في جوفها ثم تلفظهم في آخر النهار وتدفعهم بأمواجها نحو الشاطئ وقد انتفخت جثثهم وشوهت ملامحهم ولم نرها أبدا، إلا أننا سمعنا عن قناديل البحر الشفافة وشعرنا بلسعتها الكهربائية ورأينا الطفح الجلدي الذي تطبعه على اجسادنا وتخلف شعور بالحرقان ورغبة في الحك…

تفتح تاجوراء ذراعيها للجميع كل صيف ولا تضيق بأحد، ولا ترى أهلها على الشواطئ التي يغزوها سكان العاصمة نصف العام، يمارسون التجارة الصيفية، ويفضلون البقاء في سوانيهم ومساكنهم التي تمتد إلى الجنوب منها، تقطع أوصالها طرق ضيقة وسط السواني و تتميز بجوامعها المبنية في الأزقة، محافظون حتى النخاع، يفضلون الإنخراط في سلك القضاء، والتبحر في علوم الدين، يقسمون سوانيهم ويبنون فيها مساكنهم ولا يفارقون أرضهم، ويدفنون في مقابرهم. لم تستطع “طرابلس” التي تمددت في كل الاتجاهات أن تتجاوز “القاعدة”، ورغم الطريق الواسع الرابط بينهما ووحدة البحر والساحل، تمسكت تاجوراء بملامحها الصارمة، تشتم رائحة البحر النفاذة ما أن تصل إلى حدودها اللامرئية ويتغير مشهد البحر بألوانه المتدرجة والتلال البيضاء والشجيرات التي تنبت عليها. 

إلا أن مساحات شاسعة من أراضي تاجوراء المواجهة للبحر تحولت إلى معسكرات، والتهمت بعضها شواطئ البحر وفصلتها بأسوار عالية، والتفت على سطحها الاسلاك الشائكة، ووضعت على مداخلها البوابات الحديدية الملونة بالأبيض والأحمر، يقف امامها جنود يضعون على رؤوسهم قبعات حمراء مائلة.

تاجوراء الوادعة، المستسلمة للبحر يداعبها على مدار العام… تاجوراء التي تمتص رمالها غضب بحرها ولا تتجاوز عربدته التلال التي تحتجزه عن مساكن أهلها… تاجوراء التي يعمل سكانها في القضاء والفقه والتجارة…. تاجوراء التي اثقلت كاهلها المعسكرات وابتلعت اراضيها وشواطئها… وتفجر في بحرها الديناميت…يقضي على الأسماك وبيضها… تاجوراء….خرج رجالها من الأزقة الضيقة، من السواني والجوامع، من ميادينها المتناثرة بدون تخطيط، خرج رجالها المحافظون كيفما كانوا بحواليهم وملابسهم الاعتيادية بنعالهم واحذيتهم الرياضية إلى الطريق الساحلي المحاذي لبحرها. خرجوا كقناديل البحر، يتحركون في ذات الاتجاه غربا، يلوحون بأياديهم في الهواء، ويهتفون “صبرك صبرك… في تاجوراء نحفر قبرك”، ساروا ببطء وثقة متراصين إلى جوار بعضهم البعض، يحفون طريق البحر إلى يمينهم… تدفعهم وقع أمواجه دفعا، حتى وصلوا إلى مشارف “سوق الجمعة” والتحموا بأهله…

خرجت عليهم أفواج من الجنود المعتمرين قبعات حمر صوفية مائلة، والزي العسكري الأخضر، رفعوا الرايات البيضاء وزعموا أنهم منشقون يرغبون في الإنضمام اليهم، تغلغلوا فيما بينهم، مدوا اذرعهم كالأخطبوط واحاطوا بهم، ثم نفثوا حبرهم الاسود، وسحبوا الأقسام وأطلقوا النيران عليهم عن قرب….. انطلقت الرصاصات وثقبت اجساد القناديل الطرية وهي تسبح في بحرها الهادئ لا تنشد سوى الحرية، سالت دماء “التواجير” سخية ، فائرة، حارة، حامية، على اسفلت الشارع الساحلي المحاذي للبحر.

كان يقال لنا ونحن صغار أن قناديل البحر لا تهاجم ولا تقتل لكنها في طريقها تلدغ وتخلف طفحا جلديا، بينما الأخطبوط يهجم و يخنق السباح بسوالفه ويجذبه نحو الأسفل حتى يغرق. وحين كبرنا علمنا أن قناديل البحر تعيش قرب سطحه، تهاجم من يحوم في بحرها، تلدغه وتبعده عن مرابطها، بينما الأخطبوط جبان… يسكن القاع ويفضل الظلام، يهرب ما أن يقترب منه السباح و يطلق حبره الاسود ،ويختبئ في حفر الصخور، يصطادونه بوخزه بسيخ حديدي حتى ينهك أو يموت.
15. 7. 2011