قبل بضعة اسابيع ساقتني الاقدار العبثية إلى حضور ندوة في احد قاعات لندن تحاول أن تستقرئ وجهة نظر النخبة العربية في الثورة الليبية، ويبدو ان منظمي الندوة ارادوا ان تكون الندوة محاولة للحصول على دعم من النخبة الثقافية العربية التي تعيش في بريطانيا للثورة الشعبية في ليبيا اسوة بالدعم الذي تلاقيه تونس ومصر واليمن والبحرين وسوريا وغيرها، وذلك بعد ان كثر الجدل اللولبي والنقاش الفكري الحجري حول ما يسمى “اصالة” الثورة الليبية وشرعيتها بعد ان استعانت بالمجتمع الدولي من اجل الحفاظ على ارواح المدنيين أمام ألة الحرب والدمار التي وجهها نظام القذافي نحو الليبيين.
لقد اكدت هذه الندوة الكثير من الملاحظات التي لطالما ناقشتها مع عدد من الاصدقاء، وهي أن الديكتاتورية والاستبداد في العالم العربي هو مشكل ثقافي بالدرجة الاولى، يتحمل فيه المثقفين العرب من جيل معين جزءاَ كبيراً من مسؤولية استمراره وتمكنه من الحكم وممارسة القمع والطغيان بدون رادع أو مسائلة، هذا الجيل الذي عاش طغيان الحركات الفاشية القومية العربية والتي عبثت بدولة المواطنة والقانون في الكثير من البلدان، ومهدت الطريق للعسكر لكي يأتي للحكم تحت مسميات وشعارات قومية وثورية، وتتابع حكمها من خلال شرعية القمع والارهاب، ساهم وما يزال من خلال عقلية انهزامية متخاذلة في زرع الخوف والخنوع والفشل والهزيمة في الاجيال اللاحقة.
كنت انتظر أن اسمع رأي الشباب العربي الذي يصارع في تونس ومصر والبحرين واليمن وسوريا والمغرب ودول عربية اخرى من اجل انتزاع حقوقه المشروعة، من اجل اوطان تحترم ادمية الانسان وكرامته وتمنحه فرصة لأن يحترم هذه المساحات من الارض التي تسمى اوطاناً، شباباً خرجوا إلى الشوارع والميادين ليواجهوا الرصاص والموت من اجل تحقيق وطن من العدالة والديمقراطية والحرية، لكنني لم ارى سوى مومياوات واشباح وجثث محنطة من مخلفات النكبة والنكسة وحروب داحس والغبراء الورقية، ومن المفارقات أن ربيع الثورات العربية الذي اطلقه الشباب، ما يزال فيه الشباب مغيباً من منابر الاعلام والصحافة والندوات الثقافية.
لا اريد ان يفهم كلامي على انني انفي قدرة الاجيال السابقة على تقديم خبراتها ومهاراتها من اجل الاسهام في بناء المرحلة القادمة أو انني انكر على الكثير منهم تاريخه النضالي والمتميز في مواجهة القمع والاستبداد ولكنني اشعر بالكثير من خيبة الامل حين ارى نفس الوجوه القديمة والتي عرف عنها التخاذل والانهزامية تحاول الآن في هذا الزمن أن تمسك بزمام المبادرة وتدعي قدرتها على فهم الامور وتحليل مجريات الاحداث، وهم انفسهم في زمن غير بعيد كانوا يتطلعون للمشاركة في اي نشاط يدعون له من قبل هذه الانظمة المستبدة.
وفي حالتنا الليبية المأزومة يصبح المشهد ساخراً وسوداوياً، كما هو الحال مع كل مشاهد الثورة الشعبية الليبية المأساوية، ليخرج هؤلاء ليسردوا علينا خرافاتهم النضالية البائسة عن زمن يريدوا منا ان نصدق أنه كان رومانسياً وجميلاً، وليمارسوا علينا عنجيتهم العربية التي لطالما ساهمت في تهميش الثقافة الليبية والانسان الليبي، وتعاملت معه وكأنه تلميذ في الابتدائية، غير قادر على فهم الامور ومايزال بريئاً ويسهل خداعه.
لم استطع اكمال الندوة حتى نهايتها حين بدا واضحاً أنها اصبحت مكاناً للتفاخر بالانجازات القروسطية السحيقة، وحين اعتقد البعض اننا في مسابقة من يستطيع أن يثبت ان ثورته اكثر اصالة ونقاءً من الاخرى، أو ان رئيسه اكثر قمعاً واستبداداً من الآخر. وبينما ما تزال عائلات باسرها تباد وشباب يقتلون بأسلحة محرمة دولياً من مخلفات الحرب الباردة، ما تزال الديناصورات تظهر عبر الشاشات العربية بشعرها المصبوغ وكروشها الممتلئة زقوماً، وألسنتها الافعوانية تلقي علينا محاضرات في الوطنية والقومية والاصالة الثورية.
ألا سحقاً لرفاهيتكم الثورية.