قصة: عزة كامل المقهور


لم يغمض لها جفن تلك الليلة…….

سهدت مع النسوة والصغار في قاع “الداموس”، وهو مسكن قديم محفور في صخور الجبل، له فناء دائري فاغر فاهه للسماء، تحيط به الغرف من كل الجهات تقريبا بما في ذلك المطبخ، ولها شكل الكهوف، مطليه بالجير وأبوابها مقوسة مصنوعة من اعجاز النخيل ومثبتة بمسامير خشبية من جذوع أشجار الزيتون.

 هجر سكان الجبل “دواميسهم” وكهوفهم الحصينة، وبنوا الدور المتناثرة بفوضى على سفوح الجبل أو السهول والأودية بل حتى على المنحدرات، تبزغ من أعالي اسطحها الأطباق الهوائية كعيون تلتقط ما حولها.

عدا القصر، وهو مبني صخري كالقلعة، ظل شامخا وسط كل شيء، يحتفظ في حفر خزائنه بذاكرة الجبل كله، شاهدا على ثقافة وحضارة بقدم الجبل ذاته.

تنبت على سفوح الجبل وفي أوديته أشجار التين والزيتون والكروم والنخيل، “يزبرونها” في مواسمها، و”يّذَّكرون” النخيل، يعرفونها ويتوارثونها شجرة….. شجرة. كما تنبت بعض من أشجار الصنوبر في ثنايا الجبل على مقربة من الطرقات خلفها الأيطاليون ورائهم ورحلوا.

يعتمدون على الأمطار الشحيحة شرابا وسقاية، بنوا الخزانات و”المواجن” يجمعون فيها مياه الأمطار قطرة… قطرة ،”كجرامات” الذهب.

يهبطون الجبل إلى “طرابلس” في المناسبات السعيدة والمّرة أو لمعاملات إدارية، وسرعان ما “يرقوا” إلى الجبل في ذات اليوم أحيانا.

تعلم ابناؤهم، ورحلوا….إلا أنهم يبنون بيوتا في أراضيهم التي يتوارثونها ولا يبيعونها، يقيمون فيها بين الفينة والأخري على أمل العودة اليها والاستقرار فيها حين يغزو الشيب رؤوسهم ويتقاعدون، حينها يرتدون البدلة العربية و يضعون على رؤوسهم “المعرقة” أو “الكبوس”، ويتدثرون بجرودهم الراقية المميزة بعقدة “للتكامية” عند الصدر تحوكه نساؤهم، يغطون رؤوسهم بطرفه، يسحبونه إلى الأمام كلما إنزلق عنها… يعيشون في هدوء وتناغم مع الطبيعة الصخرية من حولهم، ألفوها وألفتهم حتى أصبحوا جزءأ منها، يعتاشون من الجبل ويعيش بهم ولهم.

ولم يغمض لها جفن تلك الليلة…….

تقلب عينيها في ظلام “الداموس” وتتناهى اليها ومن معها صفير الصواريخ وانفجارها تحتدم بين جدران الجبل، يرتد صداها ويهز أركان الغرف التي يختبؤن بها… يتوقعون في كل مرة سقوطها وسط الفناء وانفجارها فيه وتبعثر شظاياها إلى الداخل حيث هم. يصرخ الصغار ويختبئون في الأركان كالأرانب البرية… بينما تلهج النسوة بالدعاء.

كانت في الداموس بينما ابنها “عماد” في الجبهة….

وفي الصباح عادت الي بيتها تتفقده، وجدته قائما وقد لف الغبار حجراته.

وبينما كانت تتحرك بخفة في مطبخها وبين أوانيها، دخل عليها الحاج “أحمد” مسرعا التفتت نحوه فرأت لحيته البيضاء مبللة، رفعت رأسها، وما أن وصلت إلى عينيه حتى اسدل جفنيه وأطرق برأسه… لم تتمكن من معرفة منبع البلل.

أنزلت رأسها وأقتربت منه، أدار وجهه للناحية الأخرى وهو يتمتم ” اشهد أن لا إله إلا الله”  “إنا لله وإنا اليه راجعون”… وبلهجة “جبالية” لا تخطئها الأذن ” ربي وخدي أمانته ياحاجة“.

لم تستوعب ما قاله الحاج أحمد، فأقتربت منه أكثر فأكثر، ولم يكن هناك مفر من المواجهة، التقت أعينهما كما لم تلتق أبدا، فرأت منبع السيل من عينيه الضيقتين وهو يسري على خديه، يتغلغل بين شعيرات ذقنه، ثم يتحول إلى قطرات تبلل “سوريته العربية“.

–           عماد ياحاج… وليدي؟

ارتفع صدره وانخفض بقوة وهو يغالب دموعه.. ويهز رأسه

–           واي*

ركضت نحو الحجرة، نفضت “فراشيتها” البيضاء، التحفت بها على قفطانها دونما عناية وخرجت اليه، كان مايزال في مكانه يستند على حاشية “الرخامة” في المطبخ، يهتز جسده بتقطع دونما توقف

استدار …وجدها أمامه تقف على مقربة منه، تمسك بحاشية فراشيتها التي استدارت حول وجهها المدور بيد واحدة، وقد بدت وجنتاها اشد احمرارا وعيناها اكثر اتساعا وهي تواجهه..

–           أرفعني لوليدي… أرفعني ليّه

ثم التفتت واتجهت نحو الباب، وضعت نعليها، وخرجت.. كانت جارتها قد تلقت النبأ… تركت بيتها وفزعت اليها.. التقيتا أمام الباب، ملتحفتان، متأهبتان

–           يصبرني ربي..

–           يصبرنا كلنا… يا أم الشهيد

لم تشعر بأحد ممن حولها… وإن كانت قد شعرت بأن الطريق طويل، ولم تعرف إلى أين يقود الحاج السيارة سوى أنها ذاهبة كي تراه

كانت تتمتم وتكلم نفسها، كأنها إمرأة أخرى تسديها النصائح وتمنيها بالصبر….

–           واي*… أنا وليدي شهيد… ما يبكوش عليه.

ما أن توقفت السيارة أمام “السبيتار” حتى انزلت قدميها معا… ووقفت، خطت بخطواتها القصيرة تتهادى يمنة ويسرة
دخلت تتبع الحاج الذي ازداد جسده اهتزازا وهو يحرك رأسه باحثا.

وقعت عيناها عليه….رأته، هو عماد… ممددا على السرير، مغلفا رأسه بشرشاف أبيض، وعلى الجرد الملفوف به جسده بقع دمه التي طالما تحسستها براحة يديها ومسحتها وهو صغير يأتي إلى أحضانها باكيا عند رؤية الدم….كانت تضحك وهي تعنفه بدلال…… ” آعماد إيّادا* إيّادا …. الرجالة ما يبكوش ياوليدي“.

كانت بقع الدم مختلفة هذه المرة، لونها باهت كلون الحناء في طريقها إلى الزوال، وكان عماد باسما… ما أن رأت شفتيه، حتى انطلقت حنجرتها بالزغاريد… الواحدة تلو الأخري…. تنكسر تلك فتصدح هذه كأنها طلق الولادة في أوانه الأخير ….لتعاود من جديد….

أطرق الرجال رؤوسهم، ولم تعبأ بهم… اقتربت من رأسه، أمطرته بالقبلات وهي تمسك ذقنه براحة يدها ، تضغط على وجنته بأصابعها ثم تطبق عليها، ترفعها إلى فمها وتقبلها….تذكرت أنها لم تقبله منذ أن شب عن الطوق وإنه من كان يقّبل رأسها بين الفينة والأخرى وحين يداعبها

جاءها بيده بندقية وهو يبتسم… “تعلمت من الشباب… بندافعو ع البلاد…”. لم تخف عليه …بقدر ما كانت تخاف الصواريخ التي تتساقط على بيوتهم من كل صوب… تهرع النساء وصغارهن إلى “الدواميس” ثم تطفقن عائدات إلى بيوتهن كحمائم الــ”أيدبيرن”*، وعماد ورفاقه بين حجر الصوان وأشجار الزيتون والتين والنخيل يحمون بلدتهم المحاصرة، يطلقون رصاصاتهم في مواجهة الصواريخ والراجمات ومضادات الطائرات الآتية من أماكن بعيدة، وهم يحتمون بنتوأت أرضهم وحجارتها وصخورها، أو جذوع أشجارهم

لم تعبأ بأحد…. خرجت خلفه محمولا على الأكتاف تودعه… إلى حيث الأرض التي دافع عنها “شهيدها” وهو يطلق رصاصاته… و تقول بصوت متهدج:

–           ياوليدي  ياشهيدي….. ياشهيدي….ما نبكوش عليك.
9. 6. 2011
____________
  *يادج: الأم باللغة الأمازيغية.
* واي: نعم باللغة الأمازيغية.
* إيادا: تعالى باللغة الأمازيغية.
* ايدبيرن: الحمام البري في جبل نفوسة.