قصة: عزة كامل المقهور
يقع حي “فشلوم” ما بين احياء أربعة، “الظهرة” وهي هضبة عالية يحدها شاطئ البحر ويفصلها عنه “جبانة سيدي بوكر” بقبته وعلمه الأخضر، و”زاوية الدهماني” بمبانيها البيضاء ذات الطراز الإيطالي، وحي “بن عاشور” بدوره الراقية، و”عرادة” بمياهها العذبة ونخيلها الشاهق ورطبها “البرنسي”. يشق رقعته الممتدة والمنخفضة شارع طويل ومستقيم، يبدو بلا نهاية. وبينما هبت الرياح على الأحياء المحيطة بفشلوم، ظل هذا الحي على حاله، تحف شارعه الرئيسي دكاكين “الزلابية والعسلة”، و”السكليستي” بزيوته المسكوبة على الرصيف والدراجات المقلوبة أمامه والمعلقة على حيطانه، و”القوميستي” بعجلات السيارات المتكئة على حائط دكانه تعيق حركة المارة، ودكاكين صيانة التلفاز والغسالات وهي تقف على الأرصفة منزوعة الأطراف، وسلخانات الدجاج الحي والجزارين، والمخابز، ودكاكين النجارة والحلاقين، و”القهاوي”.  يبدأ الحي وينتهي بجزيرة دوران، يقع في بداياته جامع “الفنيش” الصغير، وقرب نهايته جامع “فشلوم” أو الجامع الكبير الذي يتربع على أرض مثلثة الشكل.

 تغص فشلوم بالبيوت “العربية”، تتراص إلى جوار بعضها البعض تكاد تتداخل حتى تشعر وكأنها حجرات لبيت واحد كبير، بعض أبوابها مفتوحة، وبعضها الآخر يتستر بستار قماشي، أبواب مساكنها خشبية مثبت عليها يد حديدية للطرق، نوافذها منخفضة تطل على الأزقة، يغطى منتصفها خشب”عين الزرزور”. بعض أزقتها مرصوفة وبعضها ترابية، تختلط فيها الأعراق في فسيفساء يربط بينها التسامح والمحبة.

يتحلق شبابها في دوائر عند زوايا الأزقة، ويجلس كهولها أمام الدكاكين أو على ركابة جوامعها، يلعب أولادها “بكورة الشخشير”، أما نساؤها فتطرزن الحكايات كل “عشية”، يطردن شبح المرض عن إحداهن، أو يعايدونها ويشاركونها الفرح، تداومن أشهرا عند الثكالى، تقتسمن كسرة الخبز وطاسة الشاهي، وتتذوقن طعام بعضهن البعض في شهر رمضان.

في فشلوم تكون القرابة  “لولد الجيران” و “بنت الجيران“.

سكنت عمتي “كميلة” فشلوم، وتحديدا في زقاق “الجامع الكبير”، كان أبي يأخذنا من “الظهرة” إليها، تخرج فاتحة ذراعيها في استقبالنا كما تتفتح زهور “نوار العشية” في حديقتها الأمامية، باب بيتها مفتوح، تمتلئ حجرة الجلوس بجاراتها، مرصعة بالمنادير، وتتوسط جدارها صورة فوتغرافية لوحيدتها في فستان العيد أمام الجامع الكبير، … أتذكر “مرت الزقلوط” الذي يمتهن طهور الصغار مجانا، و “مرت عمي الهادي” مدير المدرسة… وغيرهن، وغالبا ما نجدها في بيت إحداهن…كانت تعد لوالدي “خبزة الحوش” ، نأخذها ونعود أدراجنا إلى “الظهرة“.

تميزت فشلوم عن الأحياء المحيطة بها بسكانها، وبقلة النازحين منها وشح القادمين الجدد اليها، ومهما بَعُد “ولد فشلوم” عنها تتمدد جذوره حتى تصل اليها، ومهما تعلم وعَلا شأنه يظل مواظبا على إيقاع حياتها الفريد الذي تواترت عليه الأجيال، فخورا بها.

هكذا هو “فشلوم” حي متكامل ينبض وسط الأحياء، شعبي ببساطة أهله و ترابطهم وتمازجهم، بخصوصيته وبشاشة أهله، بأصوات شبابه ينادي بعضهم البعض، بنسائه تلتحفن “الفراشية”، بصغاره يلعبون في الأزقة ويذهبون إلى مدارسهم سيرا على الأقدام، بدكاكينه ومقاهيه الصباحية، بأصالته دون تعنت، بملامحه التي لاتشيخ.

طلعت فشلوم“……

وكأن فشلوم هي المدينة بأكملها، وشبابها شباب “المدينة” كلها…. خرج شباب فشلوم يهتفون للحرية بشجاعة عرفوا بها… أطلقوا عليهم الرصاص، وأغروهم بالمال، قاوموهما معا، يتظاهرون كل ليلة بصوت عال ويواجهون الطلقات بالصفير…..يدخلون الأزقة المعتمة حين يشتد القنص ويحتمون بالبيوت المفتوحة تخفق قلوبهم بقوة تحت ملابسهم الشتوية.

أمسكوا تحت جنح الظلام بشبابها الذين لا يملكون إلا قبضات أياديهم، أوقفوهم في مواجهة الجدار المقابل للجامع الكبير ربطوا أيديهم إلى الخلف وأطلقوا النار على رؤوسهم، ثم سحلوهم من أقدامهم وقذفوا بهم كأكياس “الجمعية” في الصندوق الخلفي لسياراتهم التويوتا ذات الدفع الرباعي……واخفوا جثثهم.

إقتحموا البيوت القريبة من الشارع الرئيسي وإختطفوا الشباب من بين أذرع أمهاتهم، أقفلوا الشارع الرئيسي ومنعوا دخول سيارات الأسعاف… وقتلوا الطبيبة التي تضمد في بيتها بالحي جراحهم الغائرة في اجسادهم القوية

ولم يكفو، يشتعلون كالشموع كل ليلة على إمتداد الشارع، يقاومون بذكاء، يحتمون بأزقتهم المعتمة وبيوتهم المنخفضة، والأهالي…المشرعة أبوابهم، الغاضون لأبصارهم، الكاتمون لأسرار بعضهم البعض.

وبطلوع الصباح تظهر آثار الليلة على طول الشارع الرئيسي، الحجارة و دواليب السيارات المحروقة، وصدى الهتافات التى ماتزال عالقة في الهواء، والكتابات على جدرانه باللون الأحمر…” ليبيا حرة حرة….. الظالم يطلع بره”…..والأهم أنهم يتفقدون معاً خسائرهم من الشهداء والمخطوفين.

هبت الرياح على فشلوم…. لكنها رياح مختلفة هذه المرة، مغلفة برائحة البارود والدم… ضربت كالاعاصير سكانها وشارعها الرئيسي الطويل، إلا أن أزقتها المتربة منها والمعبدة مازالت تنبض كل ليلة…. كل ليلة….
28. 5. 2011