مقال: محمد الأصفر


الحبيب الأمين شاعر وكاتب من مدينة مصراتة بليبيا، يعيش في بنغازي متخصص في الآثار والتاريخ، تم القبض عليه في الأيام الأولى من الثورة الليبية في مدينة مصراتة صحبة أخيه الفنان التشكيلي محمد الأمين، حدث القبض قبل قليل من إدلائه بتصريح لقناة الجزيرة القطرية حول انتفاضة الشباب الليبي أو ثورة 17 فبراير والتي بدأت ليل 15 فبراير استباقا لترتيبات البوليس والمخابرات الليبية وإرباكا لهما.

منذ بداية الثورة وهذا الصديق والشاعر في الأسر حتى الآن، لا نعلم عنه شيئا، وليس لنا إلا الصبر والمطالبة عبر كل المنظمات الدولية بإطلاق سراحه والدعاء له بأن يكون وكل الأخوة الأسرى من مثقفين أو من مواطنين ليبيين وعرب عاديين.

الحبيب الأمين شاعر كبير، صاحب كلمات نابعة من الأعماق. أشعاره قريبة من أشعار الحداثة وخاصة أدونيس. لكنها ذات لكنة ونكهة تاريخية ليبية أصيلة. يقوم بتجريد الكلمات إلى أبعد حد ممكن كما يفعل في حياته عندما يجرد الظلم والقهر والخوف من ظلامه ليجعله مفضوحا ومرئيا للرأي العالم.

نلتقيه كثيرا في مقاهي بنغازي بنفس نظرته الآسية وملامحه المعبرة عن ألم دفين لا يحسه إلا المبدعون الكبار، يشارك معنا وربما يكون هو الأجرأ في النشر بالنت وانتقاد ما يمكن انتقاده من تصرفات وممارسات النظام الديكتاتوري، شارك أيضا بفاعلية في ثورة تونس وثورة مصر حيث واكبهما لحظة بلحظة عبر الفيس بوك والتويتر ومدونته سعفات آمنت والهاتف أيضا.

في مقاهي بنغازي بشارع عمرو بن العاص وجمال عبدالناصر نلتقي دائما: محمد سحيم، زياد العيساوي، عاطف الأطرش، وغيرهم. أحيانا يأخذنا الصديق عاطف الأطرش بدعوة من زياد إلى مطعم شهير بالصابري نشترى منه سندوتشات كباب نجلس بها على كورنيش بنغازي حيث ساحة الاعتصام، نتناولها ثم نواصل سهرتنا في المقهى. نقاش حاد دائما يدور. تختلف وجهات النظر إلى حد الخصومة المؤقتة، لكن بعد حين، أي أيام، تعود المياه إلى مجاريها. انطلاقا من مبدأ أن عدونا واحد. كان الأمين الحبيب هو الأكثر حكمة وهدوءا وصوتا منخفضا، وكان الجميع يحترم وجهة نظره ويقدره. كثيرا ما استشيره عندما أبدأ في كتابة رواية جديدة. وأستعين به في الحصول على بعض المعلومات التاريخية المهمة خاصة القديمة والمتعلقة بالميثولوجيا اليونانية.

قبل أيام من الانتفاضة كنت جالسا في مقهى “عين الغزالة” بميدان الشجرة. يمر من أمامي الحبيب الأمين وزياد العيساوي. نتصافح ونجلس. يقول لي أنا على عجل الآن، لكن لا تقفل هاتفك كالعادة توقع أن أتصل بك قريبا.

ذات صيف أخذنا وعدة أصدقاء إلى مهرجان العرعار السياحي بمدينة مصراتة والذي حاول الحبيب أن يضيف إليه نكهة ثقافية بتضمين برنامجه عدة أمسيات شعرية وقصصية وكانت الأجواء في مصراتة جميلة. وبعد المهرجان ارتأت زوجتي أن نبقى أياما أخرى في مصراتة للهدرزة كثيرا مع خالتها في منطقة الجهانات فاستأجرت غرفة في الفندق السياحي بشارع طرابلس بوسط المدينة وقضينا أسبوعا جميلا، تجولت في مصراتة والتقيت كثيرا من الفعاليات الثقافية والأصدقاء منهم: عبدالله الكبير، وعادل الفورتية، ومصباح الكبير، وعدنان معيتيق، وعلى عوين، وبالطبع محمد الأمين الذي استضافنا في مرسمه الذي اسمه “السقيفة” وأهدانا لوحة ما زلنا نعتز بها ونعلقها في غرفة الأطفال حتى الآن.

للأسف من هذا المرسم المسالم الجميل تم القبض على الحبيب الأمين وأخيه محمد. لقد لوث البوليس الأرعن الفن وأهان الحب والسلام والجمال على الرغم عمليا من أن الحبيب الأمين وأخيه بريئان. فالحديث إلى “الجزيرة” لم يتم بعد.

والشاعر الحبيب الأمين شبه مقاطع للوسط الثقافي الرسمي الليبي في النظام الديكتاتوري فلا ينشر أعماله في صحفه أو مجلاته، ويفضل دائما النشر في مدونته أو مواقع النت في خارج ليبيا، ومن خلال قراءتي لنصوصه الكثيرة التي يرسلها لي دائما حتى قبل النشر على الإيميل سواء كانت النثرية أو الشعرية أو البحثية المتناولة لمواضيع الآثار والتاريخ والمربوطة رمزيا بصورة فنية ماكرة بحاضر الوطن العربي والعالم وجدتني أمام شاعر مبدع، وفي الوقت نفسه أمام معلم فاضل تحيلنا قصائده وكتاباته بصفة عامة إلى مواضيع فلسفية قديمة إغريقية ورومانية وبوذية وإسلامية وهندية وفارسية وغيرها حاضرة بقوة في زمننا الراهن ومؤثرة فيه، ولكي يتذوق القارئ القصيدة جيدا عليه أن يكون ملما ولو بشكل يسير بتلك الموضوعات القيمة التي أنتجتها عبقرية الإنسان قديما في مجالات الفلسفة والانتربولوجيا والميثولوجيا القديمة التي لليبيا وإن لم تكتشف كلها حتى الآن نصيب الأسد، وإن لم يكن القارئ ملما بتلك العلوم والمعارف الإنسانية ما عليه إلا أن يتوقف قليلا عن قراءة النص ويفتح إحدى الموسوعات أو صفحات النت ليعرف نبذة مختصرة عن الفيلسوف أو العالم أو الشاعر القديم الذي احتفت به القصيدة كي يتلقى النص بصورة أفضل وأبهر نورا وكي يبحر في يمّه الشاسع إلى فضاءات جديدة لم تألفها نفسه.


ستظل الدراسات التاريخية قاصرة وعاجزة عن الوصول إلى القلوب إن لم تدن بأسلوب شعري أدبي يزيل عنها غبار الزمن وجفافه ويجعلها طازجة وكأنها وليدة اللحظة، وهذا الأمر هو ما نجح فيه الأديب الحبيب الأمين، الذي حول قدم التاريخ إلى حداثة بواسطة تطعيمه بأحداث حديثة من مآسي ومعاناة وأفراح وأحلام وغربة يعيشها الإنسان في الوقت الحالي وقد عاشها من قبله الإنسان قديما معتبرا أن هذه الأحاسيس واحدة ممتدة عبر الزمن، والظلم الذي كان يمارس قديما عبر الرق والعبودية والدكتاتوريات التي يمارسها الأباطرة والسلاطين والملوك هو بعينه نعيشه في هذا الزمن الذي نسميه العصر الحديث وإن اختلفت الصورة قليلا، فالعبودية آنذاك كانت تمارس على فرد واحد، عبد يتم بيعه أما في هذا الزمن فالعالم تحول إلى عبودية دولية، فالرق والإرهاب الدولي يمارس بين الدول الكبرى والصغرى وهناك دول تباع ودول أخرى تشتري.

في قصائد الحبيب الأمين نجد الشعراء والفلاسفة هوميروس وبينداروس وكاليماخوس وثيوقريتوس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وابن رشد وأبو التاريخ هيرودوت، نجد الكثير من الأعلام والأماكن، التفاحات الذهبية، السلفيوم، هرقل، قرطاجنة، باتوس، قورينا، لبدة، صبراتة، أكاكوس، جرمة، مرزق، جالو، غدامس، مصراتة العرعار، سرت، بنغازي، نجد الكثير من الأحداث القديمة التي تبلور تاريخ ليبيا والعالم في قطرة مطر تهطل من مقلة الشاعر دافئة مالحة لتسطر لنا أعمق الأحاسيس وأرق المشاعر الداعية للحب والسلام والسعادة والتائقة إلى حياة أفضل يراها الشعراء قريبة جدا ويراها غير المؤمنين بجدوى الكلمة بعيدة المنال.

في كل نصوص الأديب الحبيب الأمين نلاحظ استفادته الجمّة من مجال دراسته وهو التاريخ والآثار، فكل كلمة يسطرها هي عبارة عن أحفورة ينشد منها اكتشافا جديدا يزيل الظلام عن الكثير من الحقائق الخافية، هو لا يكتب أحفورته بالقلم أو الإزميل إنما يحفرها بأظافره معتبرا أن أوراقه وشاشة حاسوبه كتلة من الطين والصخر والطفلة عليه أن يواصل خبشها وحتحتتها حتى يصل إلى ماء الكلمة الراوى لكل العطاشى على مر التاريخ، شاعر يكتب قصيدته غير متنكرا لتاريخ بلاده وذاته هي ليبيا نفسها، فالمرأة لديه هي العالم وابنتها هي ليبيا التي تتوسطه، لم يلوِ وجهه عن هموم وطنه وما يعانيه، إنما تجد وجهه مرآة لكل مشاكلنا الحاضرة، يجول في طرابلس وبنغازي ومصراتة وإيطاليا باحثا عن معنى لهذه الحياة التي نعيشها ومبتسما في وجه الظلام بمزيدا من أسارير الأمل.

من قصائده:

.. كنت في قبضة السكون, نادني رمل وماء ..

عدت لشط الملح وشمس الرغيف .. كنت في زنزانة البحر,

أخربش على حوائط الموج, أسائل كتابا معصوما باللاغرق,

عن صبوات الصواري ونزق المراكب ,,

أفكك أصدافي المرة المخبلة بشباك الريح ..

من صمت البر الطليق أغسل لساني..

ها أنذا أعود..

لميدان الحوت بفناجين الأعماق “وللكاتب د محمد المفتي بشيوخ البحر” ..

بميدان الشجرة لا قشة تقصم ظهر القطران ..

الشوكات يخاصرها الملل

وتكويها أعقاب السجائر المحلية وعيون البطالة ..

المارة يدحرجون خطاهم

العربات تزفر الدخان على مؤخرات الوحل ,,

لا خضرة .. لا ماء ..

النافورة ناشفة لم تستحم منذ ولادتها ..

فقط وجوه الراجلة بالهراوات

وذوي القبعات الصفر.
____
* الحبيب الامين شاعر وباحث ليبي اعتقل رفقة اخيه الفنان التشكيلي محمد الامين بمدينة مصراتة ليلة اندلاع انتفاضة 17 فبراير الشعبية في ليبيا.