نورالدين خليفة النمر 
(كاتب ليبي مقيم في ألمانيا)

فاجأنا النفط في منتصف القرن
وكان القار دواء الجرب       
وكنّا قد اخترنا للبلاد علما       
احمر كدماء الأجداد             
كشقائق النعمان ولون الشفق     
اخضر كطفولة الربيع            
وآخر الأحلام ولون السحب      
وسوادا هوى فيه من السماء      
هلال ونجمة                      

   عمر الكدّي*
________________

أطلعت على إمتداد غازي القبلاوي ..ربما عبر سريب الفيتوري ، فإذا أعتبرنا السريب ـ بمفهومه الليبي ـ حكيا منسربا، فسرابه إمتداد، لتمتّد بي الذاكرة إلى عوالم الطفولة التي أشرعت أبوابها همّة والدي الذي أهّل أميّته مبكّرا برخصة قيادة سيارة( درجة ثالثة) صادرة عن إمارة برقة هيأته للحصول على وظيفة سائق في شركة حافلات طرابلس الإيطالية (أوتا) مكّنه مرّتبها الثابث من البناء التدريجي لبيتنا في طرابلس ،وإمتلاك  سيارة فورد  ماركة ـ قنصل ـ مستعملة إشتراها في عام 1962من زعيم البوليس المعروف بنشاط عائلته الكروي محمّد الزنتوتي، وأحالها لاحقا إلى تاكسي  محطتي وقوفها الثابتتين كانتا: فندقي الودان ، وقصر ليبيا ( ليبيا بلاص).


تلك الطفولة المؤثثة لاحقا بإسماء ما يمكنني أن أطلق عليهم (المتعلّمون) المحيطون بوالدي :الشقرونيين لقبا المجرّسانيين نسبا الخبير التأميني ولاحقا المحامي (علي) واخيه الكشفي أحميدة والمحاسبي إبن عمي غير الشقيق (إمحمد ساسي)  و القبلاويين التكنوقراطي (عيسى) و الأستاذ (يوسف) الذي يناديه ابي المجرساني أبا والقلعاوي أمّا (بخالي يوسف) منتهى الثلاتيني أو مشارف الأربعيني ليس ثمة فارق، فالفارق المفرّق وجهه المؤطر بنظارة طبّية تشفّ خلفها عينيه الضيّقتين،الساهمتين في مطامح بعيدة، و اللتين يصعب تحديد لونهما، حيث ينسحب عليهما اللون الرمادي الغالب للبدلة المتقشّفة ومكوّناتها من قميص وربطة عنق خجولة تختفي شتاءا خلف بلوفر من نفس لون البدلة أو قريب منه، والتي تضّم في إهابها جسدا ناحلا ذائب الحركة منتضمها في محلّ مفتوح بابه على الرصيف تتوسطّه  طاولة متواضعة بأدراج عليها جهاز هاتف وراءها يقف دولاب حديدي تتراكم خلف زجاجه ملفات وأمامها كنبة بكرسيين إفتعلهم الإستاذ يوسف القبلاوي مكتبا للتصدير والإستيراد، أو ربما للتوكيلات التجارية أو إستصدار الرخص او التصاريح الجمركية  أو نشاط  آخر من تلك الإنشطة الإقتصادية التي صاحبت بدايات تصدير النفط بكميات تجارية في ليبيا منتصف الستينيّات.

 وقد إنتحى به متفرّعا على اليمين من شارع الرشيد في إتجّاه مصنع التبغ ( الريجيّة) و الباب الجديد الذي إلتئم بجانب جداره المتهّدم سوقا للخبز وحلوى (الشاكار) وتجمّعت بجواره عربات باعة الخضر والفواكه وصعدت على ركامه خصاصا عشوائّية لمزاولة بيوع وحرف منها الخصّ الذي إفتعله (عمي ساسي ) لإصلاح الأحذية الذي كنت أتلهّف لزيارته مع أبي لألعب بأدواته أو احضى ببرتقالة أو تفاحة يخرجها لي من صندوق عدّته أكلهما بشهية سارحا ببصري في إتجاه محطة حافلات النقل الريفي ( الكوريرة) بفرعيها النسر المساهمة و(الهادي حمّودة) لنقل الرّكاب مستثارا بمشهد مسافريها القرويين يضعون سلالا على رؤوسهم مكبوسة بعجين تمر (زليتن) وأحمالا على أكتافهم حصرا من (تاورغا) وحمولا وأكلمة من (مصراتة) تتدلى تحت إبطهم مخاليهم وخروجهم المزركشة مملؤة بتمر  واحات (فزان)، وتين وأعناب قرانا الجبلية في (يفرن) والمنتهي يمينا بإمتداد شارعيه: الفوقي الملتف بكورنيش  والمتّكي على الجدار الخلفي للمدينة القديمة والذي يتربّع في منتصفه  قبر  الولّي (سيدي الهدّار) والصاعد إلى باب البحر حيث تسكن عائلة إبن عمة أمي (عمر زولي) الذين أطلقوا عليّ إسم (البوليس) لولعي طفلا بالعصّي ولباس العساكر وإستحواذي على الأحزمة الجلدية لإطفال زوّارهم والتي أخبئها في صرار أمي حتى العودة إلى بيتنا.

والتحتي الملّتف بزرقة البحر المنتهي بهدؤ إلى سقالة الميناء  بعيدا عن صخب المركبات وحافلات شركة النسر المساهمة التي يسوق أحداها أبي تشق الشوارع منطلقة بركّابها الذين التئم بهم مجّانا بعد الإنتهاء من درس شيخ كتّابنا (محمّد الصرماني) متعلّلا بإحضار إفطار أبي قطع الخبز و برّاد الشاي  وكأسين واحد له، والآخر  لزميله قاطع التذاكر من محطة شارع (سيدي خليفة) بناصيته دكّان (الماقوري) ومكتب البريد المقابلة لسور الجامع و(توبسارية)  المنجّد (محمّد عزّوز) مدفوعا بفضولي الطفولي المبكر إلى بعض من سحر المدينة الممّتد في إتجاهيه بعد (شارع الزاوية) عبر (ميزران و عمر المختا) و(شارع الرشيد )أو بعد (بوهريدة )عبر شوارع (الصريم) و(بين الجبابين) و(شوقي) المنتهيين بالمحطّة الرئيسية في ميدان تسعةأغسطس الذي يطّل عليه شارع الرشيد والمتصدّرة  إحدى زواياه السينما المشهورة بعرض أفلام الكوميدي المصري الراحل إسماعيل يسين أو أفلام إيطالية عن الأبطال الأسطوريين كشمشون الجبار وهرقل وماتشيستي وروتشا وآخرين والتي تأخذ أفلامها بلبي وتفعل فّي فعل السحر وأنا طفل عندما يصطحبني إليها بعد (اللويّدة) عمّيي صالح وخليفة وخالي سليمان في عيدي الفطر والأضحى وذكرى المولد النبوي (الميلود) الذي ظلّت بصمات قطران قنديله حروقا  قديمة على خذي ، ودعابة عائلية تحكى عن سذاجة أبناء القرى.

كما يشقّ الشارع أيضا لفيف المارّة من كل حدب وصوب ومن مختلف الجنسيات، المشاة المتعجّلين و راكبي الدرّاجات  الهوائيّة ، و(الفيسبات) المسرعين لقضاء حوائجهم في المدينة المزدحمة بصخب (  الكراريص)التي تجنح بها الخيول تحت وطئة فرقعات سياط الساسة ، طرق نعالها يلهب أسفلت الطريق وعربات نقل البضائع (الشراييل)التي تجرّها الأحصنة و(الكوارطين)التي تسحبها البغال المتينة و الحمير النشطة نادرا والمرهقة غالبا تحت أحمالها الثقيلة  ،و(كياليس) باعة الحليب والزيت و العربات ذات الثلاث عجلات (التريشيكلوات ) المحمّلة بصناديق مشروب الجّعة الليبية المعروفة بـ ( البيرا أويا ) والمشارب الغازّية كعصيري البرتقال المسمّى (رنجاتة ) واللوز المعروف بـ (الفريس بومبا ) ، وكولا القط ( الكيتي كولا) والليمونادة المنعشة المسمّاة  بـ (الفيري قود) والتي يسوقها الصبية بصخب منطلقين من مخازن الطليان المنبثّة في الآنهج المتفرّعة عن الحهة المقابلة للشارع المنتهية بسور (معرض طرابلس الدولي ) و(ملعب الكرة ) و(المصيف ) البلديين وسوق الثلاثاء القديم  بجوار مقبرةاليهود التي تقع خلفها (تنّارة براكة ) لتعليب سمك التونة وورشة اليونانيين (الأخوين كاراماريوس ) للسمكرة وطلاء السيّارات جيراننا في شارع سيدي خليفة  عرفي ( الدون جوان ) ( نيكولا )الذي إشتهيت بغرائز الصبا المبكرة خليلاته الإيطاليات زائرات المساء لورشته  التي أنضّم إليها صبيا مساعدا في أصياف العطلة المدرسية واخيه (كاري )رفيق طفولتي الذي كان يكبرني بسنوات قليلة ويصطحبني معه إلحاحا من أمه السنيورة (ماريا ) لإصطياد العصافير في ( سانية الرومي )المهجورة رفقة صديقه (كارلو) الذي كانت عائلته المكوّنة من أبويه وأختيه ( ماريا ) الآنيقة الجميلة و (برونا )الفاتنة العذبة بشعرها المقصوص ووجهها المنمّش المشرب بحمرة وساقيها ومقدّمتي فخذيها المكتنزين تمتطي درّاجتها (الدّونا ) في الطريق إلى المدرسة الإيطالية من بيتهم الملحق بمصنع الجلّيز المقابل لبيتنا والذي كان اباها يعمل به أسطى وقيّما على العملة من الإيطاليين والليبيين…

تلك الأنهج المسمّاة بأسماء شعراء مثل المعرّي والكميت والأحوص وفلاسفة أمثال الكندي الذي يقبع في نهجه (المبغى) المرخص له والشهير (بشارع  كيندي) الرئيس الآميركي الستيني المغتال الذى أخلط زبائن المبغى العوام أسمه بأسم الفيلسوف المشائي العربي والذي أسال المرسوم الملكي بأقفاله بعيد  حوادث الشغب المرتدة عن هزيمة يونيو في 1967 حبرا كثيرا من المؤيدين والمعارضين على صفحات جرائد كالحرية والرائد والميدان التي تتراكم مع مثيلاتها صحف ومجلاّت  مصر ولبنان وروما في أكشاك على جانبي الشارع منبثّة بين مقاهي ومطاعم العرب ( الليبيين ) ومحلآّتهم التجارية المملؤة بالبضائع المستوردة من هونكنغ وتايوان المواجهة والمجانبة لـ ( سوق الحوث)الذي يقابلك مزيج روائح أسماكه المعروضة للبيع فوق دكك رخامية تحت الخيش المبلّلة بذوب الثلج والطازج والمذخّن من لحوم البقر ، والخنزير ، والطيور والآرانب الذبيحة والحيّة في اقفاصها والمنتشرة حتى الباب الخلفي للسوق المطّل رصيفه على ميدان باب الحرّية المظلّل بالأشجار الوريفة التي يقبع تحت ظلالها إلى جانب سقاة اللاقبي الحلو ـ تتسرّب صيفا من أفواه جرارهم روائح النبيذ  المنعش ـ كتّاب الرسائل والعرائض (العرضحلجية) والأحجبة والشحاذين وبائعات العطور والأعشاب الفقيرات من الآرامل أمثال(مرت شكيّرة) الإسم الذي تطلقه  أمي على خالة أبي فاطمة المتشحة دوما بلحافها البالي الحافية المتأبطة نعليها خوفا عليهما من البلى والتي تمرّ على بيتنا في ظهائر الصيف قادمة من كوخها في باب عكّارة لترتاح قليلا وتحتسي شايا مع أمي مستأنفة طريقها إلى المدينة ، والتي كنت أشفق عليها تنذب حظها العاتر ترمّلها وفقرها وكفّ بصر إبنتها الضريرة وضياع إبنها الوحيد في الشرق وأخافها كعجائز القيلولة وقد لفّت جبينها بعصابة جبالية تدّلت منها خصلات من شعرها الأشيب ،وبدا على أنفها إصفرار من آثار نشوق التبغ والتي إقتادتني في يومي المدرسّي الإبتدائي الأوّل إلى مدرسة  شارع الزاوية لإتوه في  طريق العودة منها خوفا من عدوانية مجنون عائلة المهندس الذي نشاكسه أطفالا بأسم (شرارة) متخدا من منعطف ( بنك الدم ) طريق متاهتي في حقول ( عين دوّارة ) المهملة التي نبتث فيها كاراجات شاحنات تموين حقول النفط وأكواخ صفيح يلعب بجوارها أطفال عشّش في أعينهم الذباب ، وأطفأ نورها داء (التراكوما )اللعين الذي أصابتني عدواه أصيافا ليعود بي نسوة إلى بيتنا من مشارف (أبوهريدة ) وقد أمضّني الجوع والتعب .     


باشّا سقاها الله أياما يصطحبني فيها أبي الى مكتب القبلاوي فيستقبله هاشّا يقتعد أبي كرسيا ويبتعتني لشراء علبة سجائر (سبيرية)من مقهى الناصية القريب فيّجرّني  الفضول حيت روائح الملذّات ومذاقاتها : القهوة العربية تفوح من بكارجها النحاسية على سفر ذأب على نقشها حرفيو ( سوق القزدارة )يلف بها القهوجية تلبية لطلبات زبائنهم من أصحاب المتاجر ، و قهوة الأسبريسو والمكايتو والكوبوتشينو ممزوج فوحه بالبخار الصادر  عن الآلات الحديثة اللامعة القادمة توا من روما والمتصدّرة المقاهي الإيطالية،المجانبة ( للوتاريات ) التي تتراصف في فيتريناتها زجاجات الحليب واليغورت وعلى أرففها شطائر الحليب بالزبيب والسكّر ، والخبز المحمّص(البشماط ) وأصابع ( القرسيّني ) و (الكوندوتاريات ) يضجّ فيها زخم روائح (البريوش و( الباسطي) وتسري في أجواءها طعوم حلوى (الكونفيتي) و(العبمبر) وصيفا الجيلاتي  و الخبز (المحّوّر ) و(السفنز ) الطازج يدور به باعة الطرقات على مشارف سوق الحوث فأضل طريق عودتي فأنتحي ركنا وابكي معولا خوفا من الضياع أو يضربني معتوه أو سكيّر أو تسرقني ساحرة عجوز أو مغربي مجهول يجذبه وميض في عيني فيختطفني ليذبحني على الخفيّ من مواطن الكنوز. 


فيقترب مني كنّاس الأرصفة يفوح من فمه مزيج (البوخة ) والبصل أو ترّنق مقلتيه آثار (نازيتة ) البارحة فيركن عربته الحديدية مرثيا لحالي أو يشفق علّي ساعي بريد بقبعـته وبذلته الرماديتين تتذلّى من كتفه حقيبة الرسائل الضخمة ينزل من فوق درّاجته آخذا  بيدي ليوصلني حيث أبي وقد نساني وعلبة سجائره في خضمّ الحديث المشتجرّ بينه وبين زوّار القبلاوي مبديا تذمّره من مصاعب العمل ومتاعب الأطفال، مستعيدا معهم ذكريات الطفولة والصبا في قرانا الجبلية التي نساها المطر وهجرها الرجال الى المدينة وحقول النفط، موغلا وأياهم في احلام الثراء الوردية التي سيئدها الزمن القادم من رحم المجهول، وايامه الحبلى بجيل قلق سيبتدئ بي وينتهي ربما بغازي  القبلاوي الذي لم  أتعرّف عليه في الوطن فعندما أدركه الإنهمام بالأدب طالبا في نهايات كلية الطب بطرابلس أدركني منذ زمن طويل إحتراف المنفى تاركا له ولجيله التسعيني شعراء وكتّاب ميراثا باهضا : مدينة بلا روح ولا أضواء ،يكتح العجاج قلعتها ، وكورنيشها الذي أبعد عنه البحر وتشرئب في إزقّتها أكداس القمامة بأكياسها حتى نوافذ البيوت ، نواصيها فارغة من الأصداء ،شوارعها خالية من  الصخب ، أو مسكونة بصخب مزيّف أرعن.
يتبع

 ملاحظات للقارئ

المفردات المتبثة في سياق النصّ باللون الأحمر ستكون مدار  هوامش وإستدراكات توضّحها ، شرعت في إعدادها ـ إلى جانب مصادر شحيحة ـ بما توفّر لي من مخزون ذاكرتي التي إخترمها الزمن والمنفى ، ولم تسعفني زيارتي القصيرة إلى طرابلس في منتصف شهر يناير المنصرم والتي هيمن عليها إنشغال عائلي مبهض ، من توثيقها وإكمالها مع مؤرخ هذه الحقبة: الليبي ( الأستاذ علي الحسنين )، بناءا على مكالمة هاتفية تمّت بيننا هناك قبيل الثورة الشعبية الليبية.

* قصيدة (مرثية النفط ) منشورة في مجلّة الفصول الأربعة الليبية العدد 48 أبريل 1991