يقال أنه حين اندلعت النيران في مدينة لندن ذات ليلة صيفية حارة في العام 1666، حاول العديد من قاطني المدينة التاريخية في ذلك الزمن الهروب منها بما خف حمله وغلى ثمنه، وخاصة في ذلك الزمن الذي بدأت فيه المدينة في الظهور على الساحة الاقتصادية العالمية كمركز تجاري عالمي في منافسة شرسة مع المزاكز الاوروبية التي كانت تتمتع بالغنى والثراء. ويقال أن أحد اثرياء المدينة حين لم يستطع حمل كل ما يريد توجه إلى الحديقة الخلفية للمنزل وقام بدفن اغلى ما لديه في ذلك الوقت، وهي قطعة من جبنة البارمازان الايطالية والتي كانت تباع بأغلى الاثمان في ذلك الزمن.

لندن مدينة النيران، حتى أن اللون الاحمر الذي يسم معظم شعارات المدينة يرمز للألم الذي تسببت به النيران الكثيرة التي احرقت المدينة واجزائها في فترات متفاوتة من تاريخها. يقول الكاتب والمؤرخ البريطاني (بيتير اكرويد) في كتابه الشهير حول تاريخ المدينة (لندن: سيرة ذاتية) أن الملكة الكلتية القديمة (بوديكا) انتقمت من المستمعمرين الرومان الذين قدموا لبريطانيا واسسوا مدينة لندن القديمة في منتصف القرن الأول الميلادي، قامت بعد انتصارها على الرومان في احد المعارك باحراق المدينة بالكامل، وهو ما وجدت اثاره بعد مئات السنوات تحت طبقات من الصخور والطين في اجزاء المدينة القديمة المعروف باسم (المدينة).

إلا أن المعجزة الاسطورية، هي قيام المدينة دائماً من تحت الانقاض والدمار لتبني نفسها وتولد من جديد في تحد لكل الكوارث التي لاحقتها منذ انشائها قبل ألفي سنة، وهو ما جعل الفنانين والمؤرخين يقرن المدينة باسطورة طائر العنقاء الذي يولد من رماد احتراقه، وهو ما نراه جلياً في العديد من الجدارايات والمنحوتات المنتشرة في ازقة وشوارع المدينة والتي ما تزال تحترق كل يوم وتعيد بناء نفسها باخلاص لتراثها وعراقتها التقليدية المتميزة.
لقد اعتبر العديد من المعماريين البريطانيين الحرائق التي تعرضت لها المدينة فرصة لاعادة بنائها باساليب وطرق انشاء اكثر حداثة وتطوراً لتكون اقرب معمارياً وفنياً للمدن الاوروبية العريقة مثل باريس وروما، وحين احترق اكثر من نصف المدينة في القرن السابع عشر سارعت الحكومة إلى اعداد مخطط معماري كامل وحديث لاعادة بناء المدينة بحيث تكون شوارعها اوسع واكثر تنظيماً ومبانيها متماشية مع المعمار الاوربي الكلاسيكي والباروكي، ووضع المعماري البريطاني الشهير (كريستوفر رين) مخططاته الحديثة للمدينة ليشمل الجادات الواسعة والميادين التقليدية الراقية والقضاء على الاحياء القديمة والفقيرة، والاعتماد على البناء بواسطة الاحجار الجيرية والاسمنت، إلى جانب اعادة بناء اكثر من خمسين كنيسة على رأسها كاتدرائيه القديس بولص بقبتها الشهيرة.
إلا أن العناد الانجليزي الشهير والرغبة في الاحتفاظ على التقاليد منعت من تنفيذ هذا المخطط الطموح، واتخذ اصحاب الاراضي قرارهم باعادة انشاء مبانيهم بنفس المخطط السابق والذي وضع شكله العام الرومان في القرن الأول الميلادي، ولم يتمكن كريستوفر رين من تنفيذ مخططاته التي كانت ستنظم شوارع المدينة وتجعلها أكثر قرباً لنظيراتها في اوروبا، إلا أنه تمكن من تنفيذ تصميماته لكنائس وكاتدرائية المدينة والتي ما تزال شاهدة على زمن كانت بريطانيا تتمتع فيه بثراء وغنى لا مثيل له، ولعل العناد الانجليزي وهوسه بالتقاليد جعل لندن تظهر بشكل معماري متنوع وفي بعض الاحيان غير متناسق، وهو احد الخصائص التي تميز هذه المدينة الفوضوية وغير الخاضعة للتنميط والقوانين.

في العام 1834 تعرض قصر ويستمنستر والبرلمان البريطاني لحريق كبير ادى إلى دماره بالكامل، وهو الحريق الذي خلده الفنان الانجليزي الشهير (تيرنر) في لوحته الشهيرة (حريق البرلمان)، ولم ينجو من هذا الحريق الكبير سوى اجزاء بسيطة من المباني القروسطية القديمة، واعتبرت الحكومة أن الحريق سيوفر فرصة لاعادة بناء القصر والبرلمان على طراز جديد يليق بعظمة الامبراطورية البريطانية التي كانت في اوج قوتها في منتصف القرن التاسع عشر، وعلى الرغم من سيادة الفن المعماري الباروكي لعقود عديدة، إلا أن مخططات المعماري الانجليزي الشهير (تشارلز باري) والفنان والمعماري (اوغسطس بيوجين) فازت بثقة الحكومة وتم اعادة بناء المباني على الشكل القوطي التقليدي البريطاني، واضيفت إليه برج ساعة بيغ بين الشهير والتي تم انجازها العام 1859 لتصبح احد المعالم الرئيسية للمدينة العريقة.
ما تزال لندن العنقاء في حالة احتراق إلى يومنا هذا ومازالت تقاوم الانقراض بالولادة من رحم رمادها المشتعل، ولعلها في توحشها الشرس اصبحت تحرق جسدها لكي تقضي على شيخوختها وتعيد النظارة والحيوية لهذا الجسد الباهر والمحترق.