23 آخر دفعة من البراونيز

لقد كان الدكتور (برييد) مخطأ بشأن شيء واحد على الاقل: هناك شيء اسمه الجليد-تسعة. والجليد-تسعة موجود على الارض.

كان الجليد-تسعة آخر هدية ابدعها فيليكس هونيكير للبشرية قبل أن ينال جزاءه العادل.

لقد صنعه دون أن يدري أحد ما الذي يقوم به. صنعه دون أن يترك وثائق تدل على ما قام به. 

لقد احتاج إلى استعمال ادوات دقيقة لتنفيذ اختراعه، ولكنها كانت متوفرة في مختبر الابحاث. كان على د. هونيكير أن يمر على جيرانه المختبريين – لاستعارة هذا وذاك، كان عليه ازعاج جيرانه بابتهاج— حتى استطاع ، إن جاز التعبير، خبز الدفعة الاخيرة من كيك البراونيز.

لقد صنع شظية من الجليد-تسعة. كانت زرقاء-بيضاء اللون. وكانت لها درجة ذوبان تصل إلى مائة واربعة عشر فاصلة اربعة درجة فيهرنهايت.

وضع فيليكس هونيكير الشظية في زجاجة صغيرة، ووضع الزجاجة في سترته. وذهب لكوخه في منطقة (كيب كود) مع ابنائه الثلاث، وفي نيته أن يحتفلوا بأعياد الميلاد هناك.

كانت انجيلا في الرابعة والثلاثين. وفرانك في الرابعة والعشرين. ونيوت الصغير في الثامنة عشر.

توفي الرجل العجوز عشية عيد الميلاد، بعد أن اخبر ابنائه عن الجليد-تسعة.

وقام ابناؤه بتقسيم الجليد-تسعة بينهم.

24 ما هو الـ (وامبيتير)

وهو ما يجعلني أصل إلى المفهوم البوكونوني المعروف باسم الــ(وامبيتير).

الوامبيتير هو اساس (الكاراس). يذكّرنا بوكونون أن لا كاراس بدون وامبيتير، كما لا عجلة بدون محور.

أي شيء يمكنه أن يكون وامبيتير: شجرة، صخرة، حيوان، فكرة، كتاب، لحن موسيقي، الكأس المقدسة. ومهما يكن، فإن اعضاء كاراسه يطوفون حوله في الفوضى المهيبة لسديم ملولب. وبطبيعة الحال فإن مدارات اعضاء أي كاراس يطوفون حول الوامبيتير المشترك، هي مدارات روحانية. إنها الارواح لا الاجساد التي تطوف. كما يدعونا بوكونون للغناء:

ندور وندور وندور حوله،
باقدام من رصاص واجنحة من قصدير.

ويأتي وامبيتير، ويمضي وامبيتير، كما يذكر بوكونون.

وفي أي وقت ما، فإن للكاراس وامبيتيرين، واحد يزداد وآخر يتناقص في الاهمية.

وأكاد اجزم أنني بينما كنت اتحدث مع د. برييد في إيليوم، فإن وامبيتير كاراسي البادئ في التفتح هو ذلك النوع البلوري من الماء، تلك الجوهرة الزرقاء-البيضاء، بذرة الهلاك تلك، المسماة الجليد-تسعة.

بينما كنت اتحدث مع د. برييد في إيليوم، كان في حوزة انجيلا، فرانكلين، ونيوت هونيكير بذوراً من الجليد-تسعة، بذوراً نمت من بذرة والدهم—شظايا، بشكل ما، اخذت من الكتلة القديمة.

كنت جازماً، أن ما سيحدث لتلك البذور الثلاث، سيكون مصدر قلق رئيسي لكاراسي.

25 الشيء الاساسي حول د. هونيكير

دعنا حاليا من التحدث عن وامبيتير كاراسي.

فبعد مقابلتي غير السارة مع د. برييد في مختبر الابحاث التابع للشركة العامة للسبك والمعادن، تسلمتني الانسة فاوست. التي كانت لديها تعليمات بأن تقودني إلى الباب الخارجي. إلا أنني استطعت اقناعها بأن تجعلني ازور قبلها معمل الراحل د. هونيكير.

في الطريق إلى المعمل، سألتها ما مدى معرفتها بالدكتور هونيكير. لتقدم لي اجابة صريحة ومثيرة، مرفوقة بابتسامة لاذعة.

“لا اعتقد أنه كان قابلاً للمعرفة. اعني أن معظم الناس عندما تتحدث عن معرفة شخص ما بشكل كبير أو قليل، فإنها تتحدث عن اسرار قيلت أو لم تقال لهم. إنهم يتحدثون عن أشياء حميمة، عن الاسرة، الحب،” وتابعت السيدة اللطيفة قولها. “لقد كان لدى د. هونيكير جميع هذه الاشياء في حياته، مثلما هو الحال مع كل شخص، ولكنها لم تكن اشياءً اساسية في حياته.”

“ماذا كانت الاشياء الاساسية؟” سألتها.

“كثيراً ما يقول لي د. برييد بأن الشي الاساسي للدكتور هونيكير هو الحقيقة.”

“يبدو أنك لا توافقينه الرأي.”

“لا ادري إن كنت أوافقه أم لا. إنني فقط أجد صعوبة في استيعاب كيف تكون الحقيقة، لوحدها فقط، كافية لأي شخص.”

لقد كانت الانسة فاوست جاهزة لتلقي الرسالة البوكونونية.

26 ما هو الله

“هل سبق إن تحدثت للدكتور هونيكير؟” سألت الانسة فاوست.

“أوه، بالطبع. لقد تحدثت معه كثيراً.”

“هل علق في ذهنك أي من تلك الاحاديث؟”

“اتذكر في أحد المرات عندما راهنني أنه لا يمكنني أن اذكر أي حقيقة مطلقة. لذا فقد قلت له، “الله هو الحب.”

“وبماذا اجابك؟”

“قال لي، “ما هو الله؟ ما هو الحب؟”

“اممممم.”

“ولكن اتدري إن الله هو الحب حقاً،” قالت الانسة فاوست “بغض النظر عما قاله د. هونيكير.”

27 الرجال من المريخ

كانت الغرفة التي استعملها د. فيليكس هونيكير كمختبر في الطابق السادس، أعلى طوابق المبنى.

كان هناك شريط بنفسجي يقطع مدخله، وعلقت لوحة نحاسية على الجدار توضح سبب تقديس هذه الغرفة:

في هذه الغرفة، قضى، د. فيليكس هونيكير الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء،
السنوات الثماني والعشرين الأخيرة من حياته.
“حيثما كان، وجدت حدود المعرفة.”
لا يمكن قياس أهمية هذا الرجل الوحيد في تاريخ البشرية.

عرضت الانسة فاوست أن تزيل الشريط البنفسجي لأجلي حتى اتمكن من الدخول والسير بشكل حميمي مع أي من الاشباح بالداخل.
فوافقت على ذلك.

“إنه كما تركه تماماً،” اردفت قائلة “سوى أن هناك الكثير من الاربطة المطاطية المبعثرة فوق المنضدة.”

“اربطة مطاطية ؟!”

“لا تسألني لماذا. لا تسألني لما كل هذا.”

لقد ترك الرجل العجوز المختبر في حالة فوضى. ولكن ما استرعى انتباهي مباشرة هو كمية اللعب الرخيصة الملقاة في كل مكان. كانت هناك طائرة ورقية مكسورة. كان هناك خذروفاً بخيط ملفوف في حالة استعداد لأن يدور محافظاً على توازنه. كان هناك انبوباً لنفخ الفقاقيع. كان هناك حوض للاسماك يحوي قصراً صغيراً وسلحفتين.

“كان يحب محلات (العشر سنتات) الرخيصة،” قالت الانسة فاوست.

“استطيع تخمين ذلك.”

“لقد اجرى بعض من أشهر تجاربه باستخدام ادوات كلفت أقل من دولار واحد.”

“قرش تدخره هو قرش تكسبه.”

بالطبع كان هناك العديد من الادوات المختبرية التقليدية ايضاً، ولكنها بدت مثل الكماليات الباهتة بجانب اللعب الرخيصة والمرحة.
كان هناك كومة من الرسائل على مكتب د. هونيكير.

“لا اعتقد أنه قام بالاجابة على أي رسالة، كان عليهم أن يتحدثوا معه إما على الهاتف أو يأتوا لرؤيته شخصياً إن ارادوا الحصول على اجوبة.”

كان هناك صورة مبروزة على المكتب. كانت خلفيتها تواجهني لذا فقد حاولت تخمين لمن تكون الصورة. “هل هي لزوجته؟”

“كلا.”

“أحد ابنائه؟”

“كلا.”

“صورة شخصية له؟”

“كلا.”

لذا فقد نظرت إليها. لأجد أنها صورة لنصب تذكاري متواضع أمام مبنى محكمة لمدينة صغيرة. كان جزء من النصب يظهر لوحة احتوت على اسماء القرويين الذي قتلوا في الحروب المتعددة، وخمنت أن اللوحة لا بد ان تكون السبب وراء الصورة. كان بامكاني قراءة الاسماء، وظننت أنني سأجد اسم عائلة هونيكير بينها. ولكنه لم يكن ضمنها.

“كانت تلك احد هواياته،” قالت الانسة فاوست.

“وما هي؟”

“تصوير كيف يتم ترتيب كرات المدفعية فوق بعضها أمام شرفات المحاكم المختلفة. وعلى ما يبدو أن طريقة ترتيبها في هذه الصورة غير مألوفة.”

“حسناً، يمكنني رؤية ذلك.”

“لقد كان رجلاً غريب الاطوار.”

“اتفق معك.”

“ربما بعد مليون سنة سيصبح الجميع اذكياء مثله ويفهموا الاشياء بنفس طريقته. ولكن بالمقارنة مع الشخص العادي اليوم، فقد كان مختلفاً كاختلاف رجل من المريخ.”

“ربما كان مريخياً،” اقترحت قائلاً.

“ربما هذا بالتأكيد ما يفسر بشكل واضح غرابة ابنائه الثلاث.”

28 مايونيز

بينما كنت انتظر قدوم المصعد مع الانسة فاوست ليقلنا إلى الطابق الأول، قالت الانسة فاوست أنها تأمل أن لا يكون المصعد القادم هو الرقم خمسة. وقبل أن اسألها لما تتمنى ذلك، كان المصعد رقم خمسة قد جاء.

كان مشغل المصعد رجلاً زنجياً صغيراً وهرماً اسمه (لايمن انديرس نولز). لقد كان نولز مجنوناً، أكاد اجزم بذلك، حيث كان يمسك مؤخرته ويصرخ “نعم، نعم!” كلما احس أنه قد ذكر فكرة ما.

“مرحباً، بزملائي البشر، وأوراق الزنبق المائي، وعجلات التجديف،” قال مخاطباً أياي والانسة فاوست. “نعم، نعم!”

“الطابق الأول من فضلك،” قالت الانسة فاوست ببرود.

كل ما يجب على نولز فعله لاغلاق الباب وايصالنا إلى الطابق الاول هو الضغط على الزر. ولكنه لم يكن ينوي القيام بذلك بعد. وربما لم يكن يريد القيام بذلك لعدة سنوات.

ثم تابع قائلاً “لقد اخبرني احد الرجال أن هذه المصاعد صممت بحسب معمار (المايا). لم اكن اعرف ذلك حتى اليوم. وقد قلت له، “هل يعني ذلك أنني مايونيز؟” نعم، نعم! وبينما كنت افكر في ذلك، ألقيت عليه سؤالاً جعله يستفيق ويفكر مرتين بشدة! نعم، نعم!”

“هل من الممكن أن توصلنا للاسفل يا سيد نولز؟” قالت الانسة فاوست متوسلة.

تابع نولز قوله “قلت له إن في هذا المكان يوجد مختبر للبحث. والبحث يعني اعادة النظر أليس كذلك؟ يعني أنهم يبحثون عن شيء عثروا عليه مرة واحدة ولكنهم اضاعوه بطريقة ما، والآن عليهم اعادة البحث عليه؟ إذن كيف يمكنهم انشاء مثل هذا المبنى بهذا الشكل، بما فيها مصاعد المايونيز وكل شيء، وملأها بكل هؤلاء المجانين؟ ما الذي يسعون للعثور عليه مجدداً؟ من اضاع ماذا؟” نعم. نعم!”

“ذلك شيء مثير للاهتمام” زفرت الانسة فاوست وتابعت “والآن هل من الممكن أن ننزل؟”

صرخ نولز قائلاً. “الاتجاه الوحيد الممكن هو النزول للاسفل، فنحن في الاعلى. فلو طلبت أن نصعد للاعلى فإنني لا استطيع القيام بذلك. نعم، نعم!”

“إذن لننزل للاسفل،” قالت الانسة فاوست.

“قريباً جداً. هل كان هذا الرجل يزور الدكتور هونيكير؟”

اجبته قائلاً “نعم، هل كنت تعرفه؟”

رد قائلاً “بحميمية، هل تعرف ماذا قلت حين توفي؟”

“كلا.”

“قلت “الدكتور هونيكير ليس ميتاً.”

“حقاً؟”

“لقد انتقل إلى بعد آخر. نعم، نعم!” ولكز الزر، ورحنا ننزل للاسفل.

“هل كنت تعرف أطفال هونيكير؟” سألته قائلاً.

اجاب “الاطفال ممتلؤن بالسعار. نعم، نعم!”
(يتبع) >>>>
______