اليوم الأول: الجمعة 24/09/2010

ما كنت أعرفه عن برلين جمعته الذاكرة من خلال مشاهدة البرامج الوثائقية حول الحرب العالمية الثانية أو من خلال القراءات المتفرقة وغير الهادفة حول الوحدة الالمانية وسقوط جدار برلين في العام 1989 وعلاقته بانتهاء الحرب الباردة وسقوط الشيوعية في أوروبا، وعلى الرغم من الدعوة التي وجهتها لي مؤسسة هاينريخ بول الالمانية للمشاركة في ندوة، ضمن فعاليات مهرجان برلين الدولي للادب، حول المدونات الادبية العربية الحديثة شملت ثلاث أيام فقط إلا انني استمتعت برحلة اعتبرها اعادة اكتشاف لهذه المدينة المحملة بالتاريخ والغموض والاحزان.

وصلت يوم الجمعة 24/09/2010 قرابة العاشرة صباحاً إلى مطار برلين – تيغيل، الذي بدا صغيراً ومحاصراً مع اعداد القادمين من كل مكان للمشاركة في ماراثون برلين الدولي الذي سينطلق يوم الاحد، وبعد جولة أخرى من تقليب جواز سفري الليبي باخضراره المميز من قبل ضابط الأمن في المطار ومحاولته الوصول إلى صفحة تحوي أي احرف لاتينية للتعرف على اسمي، وجدت (مارليس) الموظفة بمؤسسة هاينريخ بول في استقبالي وبعد الترحيب المعتاد انتظرنا حتى وصول الصديقة (دورين خوري) القادمة على الطائرة التركية التي حملت اعداد كبيرة من الاتراك الذين يشكلون اكبر الجاليات الاجنبية في ألمانيا. استقبلتنا برلين بأجواء مشمسة وباهرة وكان الهواء منعشاً بالمقارنة مع لندن المختنقة بالرذاذ والدخان والضباب. كان أمامنا بضعة ساعات قبل الذهاب إلى مقر المؤسسة مساءً، قضيتها في جولة حول المدينة رفقة دورين، دليلي في هذه المدينة العريقة.

ما استرعى انتباهي في هذه الجولة السريعة هو المباني التاريخية العملاقة في المدينة، كما أن الطراز المعماري المتنوع الذي بنيت عليه يجعل المرء غير قادر على استيعاب ما يحصل أمامه من تفاصيل، فالساحات والشوارع الرئيسية الواسعة بشكل كبير تعطيك احساساً مفتعلاً بالضألة والصغر، وخاصة في معظم المباني ذات التاريخ العريق والتي ميزت المدينة في عدة حقب، كما أن الضخامة التي تبدو من خلال مبنى البرلمان (الرايخ ستاج) أو الكنائس أو المتاحف التاريخية المتجمعة في في جزيرة صغيرة في نهر المدينة الرئيسي (سبري) اطلق عليها اسم (جزيرة المتحف Museumsinsel)، بدت وكأنها محاولة متعمدة وفجة في بعض الاحيان لاضفاء احساس بالعظمة والقوة والهيبة وربما العنجهية، إلا أن كل هذا لا يمنع من الاعجاب بقوة وعراقة هذه المدينة التي ما تزال تبحث عن هوية حقيقية لها منذ سقوط جدارها الشهير في القرن الماضي.

ذهبنا فيما بعد إلى مقر مؤسسة هاينريخ بول، وهو مبنى حديث بني بمواد وتصميم محافظة على البيئة ويقع في الجزء الشرقي من برلين الذي كان شيوعياً قبل اكثر من عشرين عاماً، والذي يتميز بالشوارع الكلاسيكية الاوروبية الضيقة والمباني التقليدية بالنوافذ العالية والساحات الواسعة في وسط المباني، كما أن ميراث الحقبة الشيوعية والحرب العالمية الثانية ما تزال واضحة في بعض المباني الخرسانية الحربية والتي تحمل ندباً وتشوهات من جراء القنابل أو الرصاص الذي كان الصفة الغالبة في برلين عشية نهاية الحرب في اوروبا ربيع العام 1945.

بعد الحوار الذي اجرته معي صحيفة (التايجزياتونج Die Tageszeitung) والذي تطرقت فيه إلى علاقتي بالادب والكتابة والمدونات بشكل عام والفارق بين المدونات في الغرب ونظيرتها في العالم العربي، والصورة النمطية لليبيا في الاعلام الغربي التقليدي ومحاولة المدونين التواصل مع الآخر للوصول إلى ارضية مشتركة للحوار بين الثقافات، ذهبت بعدها برفقة (مارليس) و(جاكلين) من المؤسسة إلى مطعم عربي غير بعيد في عشاء ترحيبي، ألتقيت خلاله بالاصدقاء المشاركين في ندوة يوم السبت، المدونة والكاتبة (غادة محمد محمود) التي تعتبر من أوائل من تحولت مدوناتها الشخصية (مع نفسي)، بأسلوبها المميز ولغتها التعبيرية الساخرة، إلى كتاب صدر العام 2008 عن دار الشروق مع عدد آخر من المدونين الشباب في مصر وحققت نجاحاً متميزاً ووصلت عدد طبعات كتابها (اما هذه فرقصتي انا) إلى اربع طبعات. ثم ألتحق بنا الكاتب والسينمائي حسن بلاسم، الذي اضفت شخصيته وحضوره الجميل ودعاباته الذكية اجواء من المرح على طاولة العشاء وخاصة بعد يوم طويل من السفر والتجوال في المدينة وخاصة أنني لم أنم الليلة الفائتة.

عدنا مع الساعة الحادية عشر إلى الفندق بعد جولة مسائية في شوارع المدينة التي بدت هادئة على الرغم من أنها ليلة جمعة والحانات والمطاعم مكتضة بالرواد، إلا أن الألمان على ما يبدو بخلاف الانجليز يحبوا أن يستمتعوا بوقتهم نهاية الاسبوع في المرح ولكن بدون ضجيج أو صخب وهو ما اعجبني عن هذه المدينة التي على الرغم من تاريخها الكبير ومكانتها السياسية كعاصمة أوروبية مهمة بدت وكأنها أحد المدن الاوروبية الطرفية التي تنعم بالنوم مبكراً وترفض الفوضى والصخب الذي تتميز به المدن العالمية الرئيسية.

اليوم الثاني: السبت 25/09/2010

بعد الافطار الصباحي بمطعم الفندق ذهبنا، إلى مقر المؤسسة للاطلاع على الاستعدادات التي تجري في القاعة الرئيسية التي تسع إلى اكثر من مائتي شخص، ونظراً لتعذر قدوم رابعنا وهو المفكر السوداني صاحب مدونة (Heresy 2.0) دريما ابوحمدان، قمنا بالاتصال به عن طريق خدمة السكايب عبر الانترنت وتعرفنا على شخصية متميزة وذكية، وقبل انطلاق الحدث بساعة خرجنا لشرب القهوة والشاي بمقهى على ضفاف نهر سبري، وكان الجو على خلاف يوم امس ملبداً بالغيوم ورمادياً وينذر بالمطر.

عند الساعة الواحدة ظهراً جلسنا بالقاعة الرئيسية بمؤسسة هاينريخ بول وكان الحضور متنوعاً وامتلأت معظم المقاعد بالمهتمين بالثقافة والادب العربي، وكان من بينهم بعض العرب المهاجرين بالمانيا. وكانت البداية بمقدمة وترحيب من (دورين خوري)، ثم قام كل منا (غازي القبلاوي، غادة محمد محمود، دريما ابوحمدان، وحسن بلاسم) بقراءة جزء قصير لا يتجاوز الدقيقتين أو الثلاث من النصوص التي تم اختيارها مسبقاً والمنشورة في مدونة كل واحد منا، ثم قام الممثل الالماني (فرانك ارنولد) بقراءة نصوصنا المترجمة إلى الالمانية بطريقة مسرحية معبرة ومتمكنة، وبما أن اربعتنا لا نجيد الالمانية فكنا نحاول ملاحظة تأثير نصوصنا المترجمة على وجوه وملامح الحضور، والتي ترواحت بين الابتسام، والضحك، والانزعاج بحسب المشاعر المتدفقة في النص والتي اجاد القائها بمسرحية واداء متميز الفنان (فرانك ارنولد).

بعد قراءة النصوص، تمتعنا بنصف ساعة من الراحة، ثم عدنا لاستكمال الندوة الخاصة عن الادب العربي في المدونات، وتحدثنا عن جملة من المواضيع، من بينها النشر والرقابة في العالم العربي، الفارق بين المدونات الثقافية والادبية والسياسية، حرية التعبير من خلال النص الادبي، الرقابة الذاتية والكتابة باسماء مستعارة للهرب من القمع السياسي والاجتماعي في العالم العربي، كما تطرقنا من خلال جملة من اسئلة الحضور إلى وسائل تشجيع وتنمية الحوار الثقافي بين العالم العربي والغرب، الفروقات اللغوية واستخدام اللهجة المحكية العامية في النص الادبي بين البلدان العربية المتنوعة، وكذلك جودة النصوص الادبية المنشورة عبر الانترنت من خلال المدونات واثرها  في تطوير الذائقة الادبية لدى المتلقي.

بعد ثلاث ساعات من القراءة والنقاش، انتهى هذا الحدث الذي اهتم بالمدونات الادبية العربية، والذي اعتبره الاول من نوعه، حيث أن جل الاهتمام حول المدونات العربية سابقاً تركز حول المدونات السياسية والصحافية والتي نالت الكثير من البحث والاهتمام.

خرجنا بعد ذلك إلى المدينة التي غسلتها الامطار الخفيفة والمتواصلة، وعلى الرغم من ذلك كانت الشوارع مكتظة بالسياح والمشاركين في الماراثون الدولي يوم غداً الاحد كما أن الكثير من النشاطات العامة شهدتها المدينة هذا اليوم وذلك على هامش هذا الحدث الدولي السنوي.

بعد جولة مبللة في احياء وازقة برلين جلسنا في أحد المطاعم العتيقة وتناولنا العشاء واستمر حوارنا نحن الاربعة حول التدوين ومشاكل المدونين والكتاب العرب في بلدانهم وفي المهجر، وعلى الرغم من الامطار كانت المطاعم تعج بالرواد الجالسين تحت المظلات خارج المطاعم، وبدا أن الجميع مستمتع بأجواء برلين، وبدت المدينة التي تمتلئ بالغموض والتاريخ المؤلم تستعيد رومانسية حميمة ودافئة.
اليوم الثالث: الاحد 26/09/2010

قررنا أن نقضي يومنا الاخير في المدينة في التجول في المعالم الرئيسية وزيارة بعض المتاحف على الرغم من الساعات القليلة المتبقية لنا قبل موعد اقلاع الطائرة، خرجت مع غادة وحسن (كانت دورين قد سافرت في الصباح الباكر) إلى وسط المدينة التي ماتزال تغسلها الامطار على الرغم من الاعداد الكبيرة من السياح القادمين للمشاركة في ماراثون برلين الدولي.

وصلنا إلى بوابة بارندينبورغ الشهيرة حيث انطلق السباق وشاهدنا آلاف المشاركين في السباق وهم يحيون الجمهور المشجع لهم على مواصلة السباق بمختلف الاشكال، بدا المكان اشبه بالمهرجان الكبير وكأن برلين تحتفل بهذا الحدث الدولي، وفي طريقنا عرجنا على نصب ضحايا النازية من اليهود في اوروبا والذي يثير الكثير من المشاعر المتناقضة والمليئة بالقلق، وهو النصب الذي اثار جدلاً في المانيا عند افتتاحه العام 2005.

كما مررنا على اجزاء من جدار برلين الشهير الذي كان يفصل شطري برلين الشرقي والغربي. وما تزال برلين مدينة تعيش تاريخ الحرب العالمية الثانية بمبانيها العملاقة والضخمة ذات الطراز الكلاسيكي والباروكي، كما يزال اثر الفترة الشيوعية في الشطر الشرقي من المدينة واضحاً في المعمار والمباني القديمة والمهجورة في بعض اجزائها، إلا أن ما يثير الانتباه هو الغموض الذي تحس به في هذه المدينة المثقلة بالتاريخ المؤلم والذي لا يبدو أن جميع الالمان على استعداد للحديث عنه أو مناقشته إلا في دوائر النخب والمثقفين، وكأنهم لا يريدون لهذا تلك الحقبة التاريخية المظلمة أن تمنعهم من مواصلة العمل والبناء وتحقيق المزيد من الانجازات المتميزة.

بعد أن مررنا على ما تبقى من مبنى جهاز الشرطة السرية في العهد النازي المعروف بالاسم المرعب (الجستابو) والذي تم تحويل ما تبقى من اقبية المبنى إلى نصب تذكاري للجرائم التي ارتكبها هذا الجهاز الامني الذي عرف بالقمع والبطش والتنكيل، بعد هذه الجولة السريعة عدنا إلى الفندق وترافقت أنا وحسن بلاسم إلى مطار برلين للحاق بطائرته العائدة به إلى هلسنكي، وطائرتي العائدة بي إلى لندن، وبدا أن جميع ركاب الطائرة كانوا من المشاركين في ماراثون برلين، فمنهم من كان يعلق حذائه الرياضي في حقيبة الظهر أو علق ميدالية السباق البرونزية التذكارية حول عنقه، ولكن اغلبهم بدا يعرج في المشي عند وصولنا مطار هيثرو دليلاً على التشنج الشديد الذي تعاني منه عضلات ارجلهم بعد قطعهم لمسافة السباق الطويلة.

على الرغم من الايام الثلاث القصيرة التي قضيتها في برلين إلا أنها كانت مليئة بالمفاجأت والاكتشافات الجديدة لهذه الثقافة العريقة والغنية والمتنوعة، كما اتاحت لي التعرف على اصدقاء جدد مبدعين ومتميزين، وآمل في القريب أن تتاح الفرصة لزيارة هذه المدينة مرة اخرى والاستمتاع بها وبثقافتها الجميلة.
_________
  • شكر خاص للاصدقاء، دورين خوري، غادة محمد محمود، وحسن بلاسم على الوقت الممتع الذي قضيناه معاً، شكراً لجميع العاملين في مؤسسة هاينريخ بول في مكتب الشرق الاوسط ببيروت، والمقر الرئيسي ببرلين وخصوصاً، مارليس، وجاكلين.