تعد رواية الكاتب الامريكي كيرت فونيغيت (1922-2007) ، (مهد القطة) الصادرة العام 1963 من أهم روايات نهاية العالم والديستوبيا الخيالية. وتكمن أهميتها كذلك في أنها تختزل تجربة فونيغيت في الرواية بشكل عام من عدة نواحي، فهي تظهر ابداعه في الشكل المعتمد على الفصول القصيرة والتي لا تشبه الفصول المعتادة من خلال وضعها لعناوين لكل جزء وبشكل متواصل، كما أنها تختزل تجربته في مزج الخيال والواقع العلمي، إلى جانب سخريته اللاذعة من خلال اختراعه لدين جديد اسماه (البوكونونية)، وعرض من خلال الشخصية الساردة للرواية (جونا) أهم تعاليم هذا الدين، الذي على الرغم من لا منطقيته وسخريته في بعض الاحيان، إلا أنه لا يمثل سوى اسقاط لرؤية فونيغيب لكافة الاديان التي يدين بها البشر.
 
العنوان (مهد القطة)، هو ترجمة حرفية لــ Cat’s Cradle وهي لعبة الخيط المتشابك بشكل هندسي بين اصابع اليدين، وعلى الرغم من أن اصل الكلمة بالانجليزية لا علاقة له بالقطط، إلا أنه اصبح اسماً لهذه اللعبة، لذا فإن الارجح أن لا يتم ترجمة العنوان حرفياً، إلا أنني اخترت غير ذلك لأسباب فنية. كما أن الرواية تحوي العديد من الكلمات والمصطلحات التي تخص هذا الدين الجديد وتم نقلها كما هي للعربية وسيتم التعرف على معانيها من خلال متابعة احداث الراوية، التي سبقت عصرها بعدة سنوات والتي تحمل الكثير من الاسقاطات وربما النبؤات لعصر قد تعيشه البشرية في المستقبل.
 
سأعرض هذه الترجمة التي أقوم بها لهذه الراوية بشكل متواصل عبر المدونة، والتي ارجو أن تشاركوني العمل عليها من خلال ملاحظاتكم حول الترجمة واللغة المستعملة في سردها بالعربية.
***
 
مهد القطة (رواية)
تأليف: كيرت فونيغيت
ترجمة: غازي القبلاوي
لا شيء صادق في هذا الكتاب
“كن ملتزماً في حياتك بالفوما* والتي ستجعلك شجاعاً وكريماً وصحيح الجسم وسعيداً.”
أسفار بوكونون. 1 : 5
الفوما = الكذب البرئ.
***
1 يوم أنتهى العالم
نادني (جونا)، كما فعل والديّ، أو بالكاد. لقد كانا ينادانني (جون).
جونا – جون – حتى وإن كان اسمي سام كان سيطلق علي جونا – ليس لأنني كنت أجلب النحس للأخرين، ولكن لأن شخصاً ما أو شيئاً ما أجبرني، بلا كلل، على أن أكون في اماكن واوقات محددة. لقد تم توفير كافة وسائل المواصلات والحوافز، التقليدية والغريبة. وبحسب الخطة المعدة فإن هذا الجونا كان موجوداً في كل ثانية ومكان محدد.
أنصت إليّ:
عندما كنت شاباً – قبل زوجتين و250,000 سيجارة، و3000 ربعية من الخمر…
عندما كنت رجلاً اكثر شباباً، بدأت في تجميع مواد لاعداد كتاب بعنوان (يوم انتهى العالم).
كان الكتاب واقعياً.
ويتناول ما قام به شخصيات أمريكية هامة يوم إلقاء أول قنبلة ذرية على هورشيما، اليابانية.
كان سيكون كتاباً مسيحياً. فقد كنت مسيحياً حينها.
أما الآن فأنا بوكونوني.
كنت سأكون بوكونونياً حينها، لو وجدت من علمني الاكاذيب المرة الحلوة للبوكونون. ولكن البوكونونية لم تكن معروفة وراء شواطئ الحصى والشعاب المرجانية الحادة التي تحيط هذه الجزيرة الصغيرة في البحر الكاريبي، المسماة جمهورية سان لورينزو.
نؤمن نحن البوكونونيين أن البشرية قد تم تنظيمها إلى فرق، هذه الفرق تنفذ مشيئة الله دون أن تعرف ما الذي تقوم به. مثل هذا الفريق اطلق عليه بوكونون اسم (كاراسّ)، والاداة أو (الكان-كان)، التي ارشدتني إلى كاراسّي المحدد كان هذا الكتاب الذي لم اكمل انجازه، الكتاب الذي كان سيسمى (يوم انتهى العالم).
2 جميل، جميل، جميل جداً
يقول بوكونون: ” اذا وجدت أن حياتك أصبحت متشابكة مع حياة شخص آخر بدون سبب منطقي، فإن ذلك الشخص قد يكون عضواً في كاراسّك.”
وفي جزء آخر من (أسفار بوكونون) يقول لنا: “لقد اخترع الانسان رقعة الشطرنج وخلق الله الكاراسّ” وبذلك فهو يقصد أن الكاراسّ يتجاهل الحدود الوطنية، المؤسساتية، المهنية، العائلية، والطبقية.
إنه حر الشكل كما هي الاميبا.
يدعونا بوكونون في الكاليبسو الثالث والخمسين للغناء معه:
آهٍ، مخمورٌ نائم
في سينترال بارك
وصائدُ سباعٍ
في الادغالِ المظلمة
وطبيبُ اسنانٍ صيني
وملكةٌ بريطانية
جمعوا كلهم
في نفس الآله.
جميلٌ، جميلٌ، جميلٌ جداً،
جميلٌ، جميلٌ، جميلٌ جداً،
جميلٌ، جميلٌ، جميلٌ جداً –
العديد من الاشخاص المختلفين
في نفس الجهاز.
3 حماقــــــــة
لا يذكر أن بوكونون، نهى عن محاولة اي شخص البحث عن حدود كاراسه أو أن يحاول معرفة كنه الوظيفة التي شأها الله سبحانه للكاراس. ما يذكره بوكونون أن هذا البحث مقدر له أن يكون ناقصاً.
في الجزء المتعلق بالسيرة من (أسفار بوكونون)، يرد مثال رمزي عن حماقة ادعاء الاكتشاف أو الاستيعاب:
كنت أعرف سيدة من مدينة نيوبورت بولاية روود ايلاند تنتمي للكنيسة الاسقفية، حين طلبت مني أن اصمم وابني بيتاً لكلبها من فصلية الداين الكبيرة. لقد زعمت السيدة أنها تفهم الله وحكمته بشكل كامل. وكيف أنها لا تعرف لماذا يصاب أي شخص بالحيرة حول أي شيء حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل.
ولكنها أخبرتني عندما عرضت عليها مخططات بيت الكلب الذي اقترحت بناؤه “المعذرة، ولكنني لا استطيع فهم مثل هذه الاشياء.”
أجبتها “بامكانك عرضها على زوجك أو على القسيس لكي يحيلها إلى الله، وحين يجد الله دقيقة من وقته، فإنه حتماً سيشرح بيت الكلب هذا بطريقة تمكنك حتى أنت من فهمه.”
قامت على اثرها بطردي. لن أنساها أبداً فقد كانت تؤمن بأن الله يفضل البشر في الزوارق الشراعية عن اولئك في الزوارق الآلية. لم تكن تحتمل النظر إلى دودة. كانت عندما ترى دودةً تصرخ.
كانت حمقاء، وكذلك أنا، وكذلك من يظن أنه يعرف حكمة الله، (هكذا كتَبَ بوكونون).
 
(يتبع)..