الجميع سيكذب عليك ويخبرك أن الموت سهل وممتع، أو ربما سيقولون لك في محاولة لإدخال الرعب في روحك الخائفة بأن الموت لا يعادله أي عذاب في العالم، ولكن الجميع يكذب، لأن لا أحد عاد من الموت ليخبر الحكاية، وحتى وإن عاد من الموت فهذا يعني بالضرورة أنه لم يمت، وأي صور أو تجارب مر بها في لحظات موته القصيرة أو الطويلة فسوف يتم تفسيرها على انها هلوسات واوهام نتيجة ملآنا بهذه الخرافات منذ صغرنا.

كفانا فلسفة وتعقيداً ودعني أخبركم كيف سأموت، ربما يحدث ذلك اليوم وقد يحدث بعد خمسين عاماً، لا فرق، لأن الأمر لا يهمني، لأن بعد تلك اللحظة الأخيرة سأنتهي، وما سيفعله الأخرون من بعدي سيكون مفيداً لهم، اما أنا فسيكون وجودي منتهياً، لا مزيد من البدايات أو النهايات، لا مزيد من الفرح او الحزن، لا مزيد من الخوف أو الامن، لا مزيد من رؤية وجهي كل صباح في المرآة، لا مزيد من القلق أو الراحة، لا مزيد من أي شيء، لأنه لن يكون هناك شيء.

لست في مزاج جيد، اعترف بذلك، واعتذر مسبقاً إن عكرت مزاجك في هذا اليوم الذي قد يكون مباركاً أو ملعوناً، لكنني رأيت العبث في المشاهد التي أراها كل يوم من خلال عملي في المستشفى، اعرف ما تفكر فيه الآن، ستظهر لك مشاهد من مسلسل ER اي ار، أو من مسلسل scrubs سكربز الكوميدي، وكلا أنا لست طبيباً، ولست ممرضاً، ولست فنياً، ولا أعمل موظفاً في ادارة المستشفى، في الحقيقة لقد كذبت عليك منذ البداية أنا لا اعمل في المستشفى بشكل رسمي، ولكنني اجد متعة في الادعاء بأنني أعمل في المستشفى، حتى أخفي السبب الذي من أجله أزور المستشفى كل يوم.

كنت سأعترف بأنني لم أولد بعد، وأن ما أعيشه  وأراه وأسمعه وأحسه ليس سوى حلم جنين في بطن أمه أو ربما، شخصية واقعية مفترضة داخل لعبة على جهاز كومبيوتر يقوم بالتحكم فيها، شخص كريه يجلس في غرفة صغيرة مملة لا تحوي حياة أخرى سوى تلك التي يسيرها عبر الجهاز، ولكنني بالرغم من جنون هذه الفكرة التي تنخر عقلي، قررت أن أعيش ما أراه هنا على انه الحقيقة الوحيدة القابلة للاحتمال.

ماذا كنت سأقول، اعاني من ضعف في التركيز وذاكرتي اصبحت واهنة من قلة النوم والقلق الذي يعشش في ثنايا دماغي، من يراني يحسب أنني كائن كامل، وأنني ساعيش إلى الأبد، ولكن الوجوه تخدع والمظاهر تزيف الحقائق وهو ما تعلمته من خلال عملي في المستشفى، هل سمعت بمقولة أنك تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت وليس كل الناس كل الوقت، هراء، كذب، جزء من لعبة الخداع، لأنه يمكنك ان تخدع كل الناس كل الوقت وفي أغلب الأحيان هذا ما يحدث دائماً، ولكنك لا تستطيع ان تخدع الموت، فهو في النهاية ما سيكشف حقيقتك التي كنت تخفيها وراء صورة هذا الجسد الذي تحمله معك كل يوم.

رأيته في الصباح عندما أتيت لمستشفى سانت ماري هذه المرة، كان يجلس على الرصيف يدخن بعشق سيجارته ويبدو عليه أثار التعب بلحيته الكثة وملابسه المهترئة المتسخة، كان الثلج يتساقط عليه ولكنه لم يبالي دخلت مسرعاً إلى غرفة الانتظار الملحقة بقسم الحوادث وجلست في انتظار أن تسنح فرصتي.

عندما رأيته في المرة الثانية كان مسجى أمامي على طاولة التشريح، جثة ميتة بلا حراك، كانوا قد نزعوا عنه ملابسه البسيطة ليظهر جسده الناصع البياض المزين بالكدمات الزرقاء في كل ناحية، حسب التقرير فإن الموت جاء نتيجة البرد والتجمد، لقد رأيت مثل حالته من قبل، ففي مثل هذا الشتاء الطويل لا مكان للمشردين من أمثاله إلا الاحتماء بالانفاق او البيوت المهجورة أو الموت برداً، ولكنني استغربت رؤيتي له خارج المستشفى قبل ساعات من موته.

ماذا كنت سأقول، لم أعد أذكر شيئاً، كل ما في الأمر انني استطعت سرقة روح جديدة كانت تائهة في هذه المدينة المتوحشة، روح كانت تبحث عن خلاصها في هذا الشتاء اللندني الطويل، ربما كان في يوم من الأيام مديراً لمصرف كبير ثم خسر كل أمواله في الازمة الاقتصادية والركود الذي يعاني منه العالم، أو ربما كان من مدمني المخدرات والكحول، أو ربما تعرض للاغتصاب في الصغر، أو ربما كان ممن يهون حياة التشرد وبيع مجلة البيغ اشو Big Issue، أو ربما لم يكن، جاء هنا وذهب هناك واصبح رقماً في سجل الموتى، مجرد وقود لهذه الآلة الضخمة التي تطحن البشر من كل مكان.

كنت سأخبرك من انا وما هو عملي وكيف سأموت، ولكنني كعادتي كذبت عليك، ليس لأنني لا استطيع البوح بهذه المعلومات وليس لأنها أسرار خارقة، ولكنني قررت أن لا اخبرك أي شيء، هكذا دونما سبب، فقط هكذا، يكفي أن تعرف شيئاً صغيراً وغير مهم بالنسبة لي على الأقل، وهو أنني لا أموت، وقد ألتقيك في زيارتك القادمة للمستشفى أو على رصيف وأنت نستنشق آخر هواء منعش في هذه المدينة.