كثيراً ما نقرأ ونسمع العديد من المشتغلين في حقل اللغة العربية من الاكاديميين، ومن بعض القراء كذلك من يدعي أن اللغة العربية، هي الأفضل والأقوى بين لغات العالم الحديث، ليس فقط بجمالياتها البلاغية وثرائها وتنوع مفراداتها، كما يضفي عليها البعض هالة من القداسة من خلال ذكر أنها فضلت عن باقي اللغات الأخرى في النصوص الدينية المقدسة (القرآن والحديث). والبعض يذهب أبعد من ذلك ويسرد النصوص الأدبية الأقدم في التراث العربي، من معلقات ما يعرف بالشعر الجاهلي إلى الخطب البلاغية، إلى الشعر العربي في مختلف العصور، مع عدم نسيان أن اللغة العربية كانت لغة العلوم والمعرفة في العصور الوسطى ومازالت تأثيراتها واضحة من الكلمات ذات الأصل العربي في اللغات والثقافات الأوروبية.

ما من شك بأن العربية استطاعت في فترة زمنية قصيرة للتطور من لغة محلية تخص مجموعة صغيرة من القبائل في الجزيرة العربية، إلى لغة عالمية تنافس غيرها من اللغات الأقدم والتي استخدمت في الثقافات التي كانت منتشره في العالم القديم حول حوض البحر المتوسط، كاليونانية واللاتينية والفارسية، الأمر الذي اضفى عليها أهمية في التعاملات بين الناس في منطقة شهدت تطورات عسكرية وسياسية في نفس الفترة، وبروز المسلمين العرب كقوة في المنطقة، كما أن القداسة التي اضفاها النص القرآني على هذه اللغة الشفوية في اكثر الأحيان في العصور التي سبقت ظهور الاسلام، ومن ثم دخول غير العرب إلى الدين الجديد مما استتبعه تنفيذ مشاريع رائدة في مجال تقنين اللغة العربية، من التنقيط والحركات والصرف والنحو والرسم اللغوي إلى جانب وضع المعاجم العربية المختلفة، وهي القوانين التي جعلت اللغة العربية تتحول من لغة شفوية محلية إلى لغة دينية ومن ثم لغة عالمية معبرة عن الزمن الذي تعيش فيه وتعكس حالة المجتمعات التي استخدمتها كلغة رسمية للدولة المهيمنة. ولا تختلف العربية في هذا الحال عن باقي اللغات العالمية الكبرى الموجودة على الساحة، فمعظمها تطورت ورسخت مكانتها كلغة عالمية أو لغة أي دولة حديثة من خلال عوامل ومحددات مشابهة.

ولن اتحدث عن “الادلة” الدينية من النصوص المقدسة التي قد يعرضها البعض للدلالة على قداسة وتفرد اللغة العربية عن بقية  اللغات الأخرى أو قربها إلى الرموز الدينية المختلفة، فهذه لا تهمني كثيراً ولا أرى اهمية في الاستناد عليها لتبرير أفضليتها، سوى أنها تبين التعصب الاعمى الذي قد تظهرها ثقافة معينة لمكوناتها والتي من أهمها اللغة التي تترجم وتختزل نتاجها وأفكارها. وأكاد اجزم بأن رفع شعارات القداسة على اللغة العربية في العقود الأخيرة يعود إلى الضعف والوهن الذي تشهده الثقافة العربية التي اساسها اللغة وخاصة مع تنامي استخدام لغات عالمية أخرى في المجالات العملية والتطبيقية، وهو ما أدى إلى ردود أفعال عشوائية للدفاع عن حياض هذه اللغة التي تراجع دورها نتيجة الضعف والتفكك الذي نراه في الدول الأساسية التي تشكل العربية اللغة الرسيمة لها. هذا إلى جانب تصاعد استعمال اللغات واللهجات المحلية في البلدان العربية وتطور هذه اللهجات بشكل سريع وموازي للتطور المتلاحق الذي يشهده العالم، مما خلق ازدواجية لغوية في معظم البلدان العربية، لتصبح لدينا لهجة محلية تطورت إلى درجة اللغة المستعملة في التعاملات اليومية وأخرى ابطأ حركة وتطور وصارت مرتبطة بمساحات رسمية في التعامل (النص الديني، مستندات الدولة الرسمية، التعليم، الصحافة، نشرات الأخبار، الكتب)، وجميعها على كثرتها الظاهرية لا تشكل مساحة كبيرة من حياة الفرد العربي.
وقد لا أبالغ بالقول أن عدم التعرف على اللغات العالمية الاخرى وثقافاتها والانغلاق والانعزال على اللغة العربية فقط، يخلق مناخاً من التعصب للغة وثقافتها ساهم في المزيد من الانعزال الناتج عن التعالي المصطنع لنتاج ثقافات لغوية أخرى كان لها وما يزال اسهامات مهمة في العديد من حقول العلم والمعرفة، كما كان الحال للغة العربية في زمن غير بعيد. فلكل لغة في العالم جمالياتها وثرائها ونصوصها الادبية والدينية والتراثية التي تعتمد عليها في تكوين هوية ثقافية جماعية مميزة، واكاد القي باللوم على المشتغلين في علوم اللغة العربية، وأولئك الذين اضفوا عليها هذه الهالة من التقديس، والذين بالرغم من نواياهم الحسنة قد أسهموا في المزيد من اضعافها وهجرها من قبل الفرد العربي إلى اللغة المحلية العامية أو إلى لغة أجنبية أخرى.
ونظرة للمحتوى العربي على شبكة الانترنت، الوسيلة الثقافية الأحدث في صراع اللغات للبقاء، يظهر محدوديتها بالمقارنة بلغات أخرى غير الانجليزية، فاللغة العربية تأتي في الترتيب الثامن من حيث المستعملين بالعربية للانترنت، وراء الألمانية والبرتغالية والفرنسية واليابانية والاسبانية والصينية والانجليزية، كما أن العربية في الترتيب السابع والعشرين (27) على موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا بما يزيد عن مائة ألف صفحة بقليل (تصل عدد المقالات باللغة الانجليزية إلى اكثر من ثلاثة ملايين)، وهناك بعض المحللين من يرجح أن المحتوي العربي على الانترنت يشكل 1% فقط من المحتوى العالمي.

اللغة العربية هنا لتبقى لعدة أسباب ليست لها علاقة بافضليتها أو قوتها، ولكنني أخشى أنها ستصبح يوماً ما، لغة دينية لاهوتية تستعملها بعض النخب في العالم العربي في بعض الأحيان، لتتسع الهوة بين الفرد العربي وبين ثقافته العربية المكتوبة بهذه اللغة المتميزة بين لغات العالم والتي نرى أنها قد تستعيد عنفوانها باحراق مسوح القداسة وكسر احتكار النخب لها واعادتها إلى الزمان والمكان الذي نعيشه الآن وهنا.