كنت قد أعددت بعض المفاجأت في عيد ميلادها. جولة في الضفة الجنوبية من نهر التيمز، وعشاء على ضوء الشموع بأحد المطاعم الإيطالية غير بعيد من تاور بريدج، ثم اللحاق لمشاهدة مسرحية جديدة لألن بينيت. كنت قد خططت لذلك منذ أن نزلت أول قطرات مطر هذا الشتاء وهبت رياح الشمال الباردة بين الشوارع والازقة المزدانة بأضواء وزينة أعياد الميلاد المسيحية.

أخبرتني قبل عام انها تتمنى أن تحتفل بعيد ميلادها الأخير لوحدها، كما اعتادت على فعل ذلك في الاعوام الماضية منذ أن جاءت بريطانيا قبل أكثر من عشر سنوات. في ذلك اليوم البعيد رغم حداثته أسررت لها بأنني كنت دائماً اجلس في مقهانا المفضل اراقبها وهي تجلس في الركن، سارحة في الكتاب الذي بين يديها، تتجرع رشفات صغيرة من شاي الياسمين الذي تحبه بلا سكر، تتوقف لبرهة عن القراءة وترفع رأسها لتحدق بعينيها السوداوين إلى الغيوم وهي تتلاعب بالشمس، كان صيفاً ماطراً ذلك الذي رأيتها فيه أول مرة، ترجع لقراءة كتابها بعد أن تعيد خصلة نافرة من شعرها الكستنائي القصير إلى مكانها خلف أذنها الخالية من الأقراط.

حدثتها بأنني صرت مدمناً لرشفاتها، تحديقتها نحو السماء الماطرة، تقليبها لصفحات الكتاب، خصلتها الكستنائية النافرة، كان وجهها الطفولي الدقيق وسيلتي للنجاة في هذه المدينة المتوحشة. أسمع ضحكاتها في كل مرة أخبرها هذا الجانب من الحكاية الذي لم تعرفه، وبعد أن تنتهي ضحكتها بسعال أليم تقول لي، كم أنت أحمق، اردد من فوري، نعم لقد كنت ومازلت احمق.
هي لا تذكر أنها رأتني في ذلك المقهى على الرغم من مجيئها إليه بشكل شبه يومي، فكما تقول إنها تنقطع عن العالم من حولها ما أن تتجرع أول رشفة من الياسمين وتقرأ أول كلمة من الكتاب الذي تطالعه، هي تحب الكتب، ربما لم تحب غيرها، لذا وعدتها بشراء كتاب جديد لها في كل يوم أرى ابتسامتها تشع في هذا الخريف. كانت تحب نهر التيمز، كانت تقول لي في كل مرة نسير بمحاذاته، أنها تريد ان تعانق النهر يوماً ما كما فعلت كاتبها المفضلة فرجينيا وولف.
قبل عدة أيام من عيد ميلادها صارت تكرر تلك العبارة المقيتة، وبالرغم من ذلك لم اخفي عنها أننا سنحتفل في ذلك اليوم وبأننا سنعود للاحتفال عدة مرات في السنوات القادمة حتى نصبح مسنين بوجوه مجعدة وشعر أبيض ونظارات سميكة وباستياء متشابه لكل ما هو جديد وشبابي حتى أن من يرانا سيعتقد أننا توأمين، كنا نضحك معاً للفكرة ونسعل معاً ونردد كم نحن حمقى.
عندما تعارفنا لأول مرة لم يكن لمقهانا المفضل أو الكتب التي نحبها علاقة بالأمر، ولم يفسح الألم الذي كانت تحسه في حينها مجالاً لي كي أخبرها بادماني عليها. أخبرتني حينها انها تعيش لوحدها منذ وصولها للندن وبأنها تعودت حياة الانعزال حتى أنها لم تعد تفرق بين الأيام في هذه المدينة، تواصل العمل كل صباح وتعود لكتبها في المساء، وتصنع في خيالها عالمها السحري حيث الجنة الحقيقية تفتح أبوابها بالفرح. في أيام لاحقة كنا سنعود للجلوس في المقهى معاً، لا كتب بيننا ولا مسافة تفصل بين قدحينا.
في صباح ميلادها تركتها في الفراش، تمنيت لها عيداً سعيداً غير أنها لم ترد، لمحت ابتسامتها المرسومة بفرح على وجهها. خرجت مسرعاً إلى المدينة كي أشتري كتاباً جديداً لها، كان طبعة حديثة للاعمال الروائية الكاملة لفرجينيا وولف، أشتريت بطاقة صغيرة وتمنيت عمراً جديداً، واصلت مسيري نحو الضفة الجنوبية للنهر، كان الليل يتسلل من الشرق والريح الشمالية تتغلغل بين ثنايا وجهي، واصلت السير بين الاضواء والزينة، جلست في مطعم ايطالي غير بعيد عن تاور بريدج، طلبت بعض الطعام، نفخت في الشموع واسرعت إلى وسط المدينة، وقفت خارج المسرح، كان العرض سيبدأ خلال دقائق. ترددت عبارتها المتكررة، ستحتفل بعيد ميلادي بدوني، وضعت التذكرتين في داخل الكتاب، زرعت قبلة على الغلاف، ليتردد صوت عناقه بالنهر.