“.. لم يكن هناك ظل من الشكّ. معاينة الطبيب، تحليل الدم، والإصبع الأزرق، وكل ما طرأ على حياتي في السنوات الأخيرة كان دليلاً قاطعاً. شيء ما صرخ في ذاتي: (انتهيت يا مفيد!) كنت أجلس على كرسيّ في عيادة الطبيب، أدخن سيكارة بشره، ولبيبة معي، والنوافذ، في غرفة المعاينة، تحدق بي بعيون واسعة، هازئة، مدورة كعيون الحوت، أو مستطيلة كجراح سكين كباس في جسد مخلوق فتي، والدم ينزف منها، تغيّرت نظراتي إلى كل شيء: الطبيب، والمكتب، والأدوات، والستائر المخملية، والمقاعد، واللوحات الطبية. كل شيء خرج من الدم، أو تلوث به. نظرت إلى باهم قدمي الأزرق فإذا هو مقطوع، والرجل ناقصة، بركة من دم تغرق فيه، وفي الخارج، رغم الصيف، ليل أسود، كأنما لا سماء، ولا نجم، ولا شوارع أو أضواء، وفي داخلي يقين، واحتجاج على اليقين، ومحاولة للتجاهل، للنسيان، للتبصر لاستقبال ما يقوله الطبيب بأعصاب هادئة، وقد زادت ابتسامتي بلاهة، غباء، لا مبالاة، وعبارة واحدة تتردد في رأسي: (لقد قتلوك يا مفيد !)” (1)


*


في الجزء الأول حاولت تدشين الحديث حول أحد الأفكار التي تسعى لإثراء الجوانب الإنسانية في الدراسة الطبية.. وإن كنا في نهاية المطاف لن نستطيع الوصول إلى إثبات تلك العلاقة التي تبدو للوهلة الأولى خفية وغير واقعية إلا أننا استطعنا ملامسة الجوانب المشتركة بينهما، كونهما يمسان جوهر الإنسان، ويتعاملان مع البشر ككل وليس كأجزاء إلى جانب الغموض الذي يلف الجانبين الأدبي والطبي والذي نراه كل يوم وكل حين.


وسأعرض فيما يلي موجزاً لتجربة إحدى المدارس الطبية في تسيير دورات لتعليم الأدب والعلوم الإنسانية، والهدف من وراء ذلك هو ما إذا أدت هذه الدورات أثراً فاعلاً في شخصية الطلبة الذين انخرطوا فيها.. كما نحاول تلمس موقعنا من هذه الفكرة المستحدثة في العالم ومدى إمكانية استجابتنا لها.


تعليم الأدب والطب:


في العام 1997 وبجامعة برمنجهام (2) تم تسيير وحدة دراسة متخصصة (SSM) (3) في الأدب والطب مع طلبة السنتين الثانية والثالثة بالجامعة حيث يلخص الاستاذ المشرف على تنفيذ الوحدة الهدف من وراء هذه الدورة، وهو التركيز حول أربعة جوانب:


1. مجازية النصوص الأدبية.

2. الطبيعة الأدبية لبعض النصوص غير الأدبية المتعلقة بالصحة والطب.

3. صورة الأطباء في الأدب.

4. الأساسيات العامة لاختيار النصوص التي تتعلق بالنقاط السابقة.


وفي معرض حديثه عن الطريقة التي تمت بها الدورة أشار بأنه تم وضع برنامج دراسي يتضمن حوالي 20 ساعة من المحاضرات المباشرة في خلال 4-10 أسابيع إلى جانب حلقات القراءة والنقاش.


خلال هذه المدة تتم عرض جملة من النصوص الأدبية سواء الروائية أو القصصية أو الشعرية أو النثرية والتي لها علاقة بالطب أو المرض أو الأطباء وعلاقتهم بالمرضى حيث تتم دراسة هذه النصوص بشكل فني وأدبي محض ومحاولة استشراف البعد الجمالي والفني من وراء هذه الأعمال، كما تتم مناقشة رؤية الأديب للمرض من خلال رؤية شخصية المريض في النص.. وبعد أن يتم اختيار النصوص وتقرأ في شكلها الأدبي المحض، يقوم كل طالب بكتابة وجهة نظره النقدية حول العمل أو الجانب الذي كلف بقراءته، ومحاولة الخروج بمعاني جديدة من خلال الرؤية الأدبية لكاتب النص ثم عرض هذه الآراء المختلفة في حلقات القراءة والنقاش لتأكيد البعد المجازي والمتعدد المعاني للأعمال الأدبية ولفتح الباب على كافة الآراء والاحتمالات.


ولنأخذ مثلاً على ذلك. يقدم الأدب المرض بشكله المجازي كرمز للوهن الاجتماعي كما في رواية (الجبل السحري) للكاتب الألماني (توماس مان) والتي تدور أحداثها بمشفى لمرضى السل الرئوي في نهاية القرن التاسع عشر. أو كما حاول أحد الطلبة التدليل بأن رواية (ألبير كامو)، (الطاعون) كانت ترمز للاحتلال النازي لفرنسا.


صورة الطبيب تحمل دلالات رمزية صعبة. ففي بعض النصوص يظهر الطبيب بطلاً وسيماً ودوداً، وفي بعض الأحيان يتم عرضه بصورة سلبية. وإلى جانب ما سبق تتم دراسة النصوص التي تتعلق بالجنون والموت. وفي نهاية كل دراسة يجرى عرض شفهي لهذه القراءات، كجزء من العملية التقييمية.


تخضع عملية اختيار النصوص للدراسة كونها تمس جوانب إنسانية لها إما علاقة بالمرض والموت أو المرضى والأطباء وفي بعض الأحيان تتم دراسة أعمال بكاملها حتى وإن حوت على أجزاء فقط تتعلق بالطب أو دراسة أجزاء فقط من نصوص شعرية أو روائية. ومن أشهر النصوص التي تتم دراستها بكاملها (الحب في زمن الكوليرا) لـ(جابرييل جارسيا ماركيز) و(الطاعون) لـ(ألبير كامو).


وفي نهاية الدراسة يبين الكاتب أنه ليس الهدف من هذه الدورات تدريب الطلبة ليكونوا نقاداً أدبيين بل فقط إنارة الطريق أمامهم في هذا المجال علهم يكتشفون أشياء غابت عن أذهانهم في خضم الدراسة الطبية المرهقة.


تطورات:


ما أن تم تأسيس مركز الفنون والإنسانيات في الصحة والطب بجامعة درام، قام بإصدار مطبوعة نصف سنوية أنطلقت في شهر يونيو من العام 2000 أطلق عليها أسم (الإنسانيات الطبية) تتبع للجمعية الطبية البريطانية وصدر منها حتى الآن إثنى عشر عدداً. تناولت الدورية مواضيع أدبية وفلسفية ونقدية، إلى جانب التركيز على إشراك الأطباء وطلبة كليات الطب في تحرير مواضيع المجلة، فقد كانت هناك مساحات لعروض الكتب والنصوص الأدبية التي يبدعها كل العاملين في القطاع الصحي.


وتتابعات بعد ذلك مشاركة الجامعات الطبية والعلمية الأخرى في إنشاء وتطوير دورات متخصصة في مجال الانسانيات الصحية، وحتى الآن هناك عدد كبير من الجامعات الطبية تشرف على برنامج لدراسة الماجيسيتير والدكتوراه بالتعاون مع كليات الانسانيات والآداب، متخخصة بعلم الانسانيات الطبية. ومن أهم هذه المؤسسات الاكاديمية، جامعة يونيفيرستي كوليج لندن (UCL) والتي تشرف على درجات عليا في هذا التخصص، إلى جانب إنشائها لأحد أهم قواعد البيانات على الشبكة العالمية في هذا المجال وهي (قاعدة بيانات مصادر الانسانيات الطبية) والتي تضم معلومات عن كتاب وأدباء من مختلف أنحاء العالم إلى جانب نماذج من أعمالهم، وتسعى الجامعة لأن تنمو وتتطور هذه القاعدة في المستقبل الآتي.


مؤخراً تم في بريطانيا تأسيس (الشبكة الوطنية للفنون في الصحة) والتي ومن خلال موقعها الالكتروني تسعى لجمع كل العاملين في القطاع الصحي البريطاني للتعبير عن رؤيتهم لدور الفنون في تطوير أنفسهم، وتقديم ابداعهم الفني في مختلف المجالات.


الأدب والطب بين الواقع والحلم


قد يبدو واقعنا الطبي في بلداننا العربية أكثر قتامة. ومتطلباتنا التعليمية والتطبيقية أكبر من مستوى قدراتنا وإمكانياتنا. صحيحٌ أننا نعاني من مشاكل مزمنة في خدماتنا الصحية المختلفة ونعاني صعوبات عدة في وسائل التعليم الطبي النظامي والمستمر. ولكني منذ البداية أردت من هذه المقالة أن اعرض ما يدور من مناقشات حول أسس تعليمية حديثة أو بمعنى أصح تغيير كبير في أساليب التدريس الطبي ومتطلبات أطباء المستقبل. وقد يبدو حديثنا عن جدوى تدريس العلوم الإنسانية والأدب بشكل خاص نوعاً من الترف الفكري ومن قبيل التنظير الذي بلا طائل. وهذا أيضاً مما تتناقله بعض الأوساط الطبية الأخرى في الدول الأكثر نمواً، إلا أن الأساليب التقليدية القديمة التي تعلّم من خلالها كل الأجيال السابقة من الأطباء في العالم خلقت نوعا من البشر المبرمجين والذين يشبهون بعضهم بشكل مرعب دون وجود أدنى تميز إلا فيما ندر وبشكل قتالي.


إن هدف هذه الدراسات خلق أطباء متميزين عن بعضهم البعض في الأبعاد الإنسانية المختلفة ومن ثم إعادة الحياة إلى العلوم الطبية التي توصف بالعقم والجمود وجعل مهنة الطب والتي من أساسياتها العلم والفن بالدرجة الأولى إلى مهنة إبداعية خلاّقة تمنح المنضوين تحتها فرصة الابتكار والخيال والتحرر من سلطة كتب المعلمين الكبار وسلطة العقلية الطبية التقليدية والتي ترى من المرض الهدف والطاعة العمياء وسيلة. بينما في حقيقة الأمر، أن الطب كما يعرف كل المشتغلين بالمهنة هو علم اللامطلق والمجهول، وغير المؤكد. فكل المراجع التي نعتمد عليها في اتخاذ قراراتنا الطبية الحاسمة تكاد تخلو من أحرف التوكيد والحسم. وهذه إحدى مزايا العلوم الطبية كونها أكثر العلوم حرية في التعامل في ذاتها بعيداً عن القواعد المطلقة والحسابية بصورة تفتح أمامها آفاق الإبداع والخيال.


قد يبدو الحلم جميلاً لكنه لم يعد كذلك فقد صار يتمدد في منطقة الواقع ليصبح حقيقة حالمة قد نشهد بدايتها.


____

1. من رواية (نهاية رجل شجاع) للكاتب (حنا مينا). الطبعة الثانية 1992 دار الآداب-بيروت.

2. جاي. آر. سكيلتون وآخرون مجلة (ذي لانست)(The Lancet) العدد (9245) المجلد (356) 2 ديسمبر 2000 صفحة 1920-1922.

3. . Special Study Modules