جلست في الركن المقابل للنافذة الواسعة، لم اشعر برغبة في طلب قهوتي المفضلة، اكتفيت فقط بكوب من الماء المجاني واخرجت دفتري والقلم ووضعتهما جانباً، ربما كي اتصنع بعض الاهمية في وسط مقهى يعج بموظفي الشركات الدولية العملاقة والاجتماعات التي تعقد على فنجان قهوة لا حساب له وسط ملايين يتم الاتفاق عليها غير بعيد عن طاولتي.


اخرجت كتاباً باللغة الانجليزية على الرغم من عدم معرفتي بعنوانه أو اسم مؤلفه، لأنني لا أخرج من البيت إلا وفي حقيبتي اول كتاب تقع عليه يدي من الارفف المثقلة بالكتب التي لن تقرأ، أو ربما لأنني لا أرغب بلفت انظار جلسائي من الانجليز الفضوليين حد الازعاج، عند اخراجي لكتاب بالعربية كنت قد بدأته منذ سنة ولم استطع الوصول إلى نصفه بعد.


كنت احب الجلوس في الركن القصي من هذا المقهى الذي ارتاده كل يوم تقريباً لانجاز بعض الاعمال المتراكمة والتي لن يتم اكمالها إلا بعد أن انفق ما سأقبضه من مال مقابل ما هو مطلوب مني، في هذا المكان القصي من المقهى في كوفنت جاردن استطيع أن ألمح كل الوجوه التي تجلس في المكان، كما يمكنني أن أرى جميع الداخلين من الباب الرئيسي وان اتفرس في شكلهم وهيئتهم ولباسهم وحالهم، بل إنني استطيع التعرف على جنسياتهم في بعض الاحيان، وهذه القدرة العجيبة توفر لي فرصة للهرب ما أن ألمح أي من أبناء جلدتي الذين ضلوا الطريق ليجدوا انفسهم في هذا الركن من لندن.


لا يمر الكثير من الوقت حتى اجدني اسبح في احلام اليقظة التي تزورني كل يوم عند الظهيرة، ولكن يبدو ان هذا الحلم الاخير الذي مر سريعاً قبل لحظات لم يكن من النوع الذي تكرر في السابق، حتى أنني ظننت أن أطياف خفية من عوالم اخرى ساهمت في اقترافي اثم أن ينسج خيالي المتعفن مثل هذا الحلم المشؤوم، وحتى لا يخيب أملي فإنني لن اجرؤ على البوح بهكذا حلم حتى ولو في الاحلام، فرأسي مازال فيه بعض من منطق واقعي يؤهلني للحفاظ على جثتي متنفسة على هذه الارض.


لطالما تباهيت بقدراتي المتعددة التي رضعتها في حليب أمي، فأنا على سبيل المثال لا الحصر، أمتلك قدرة لا تقارن على في الاكل بشكل سريع وبكميات كبيرة، كما أدخن بشراهة دون أي مشاكل صحية، ولا اريد ان اتحدث عن فحولتي الاستثنائية، ولكن ربما اهم قدراتي الخارقة، هي قدرتي على البقاء بين الاحياء، ليس لأنني الاقوى أو الافضل، ولكن ببساطة لأنني الاكثر جبناً بين البشر.


لا يغرنكم منظر الكتب التي اصفها فوق طاولتي بالمقهى، فهي قد توحي بأنني من المثقفين أو القراء المواظبين على قرض الكتب كالجرذان، والتي بالكاد امتلك بضعة منها ابدلها ببعض في كل مرة اخرج من حجرتي بالملجأ والتي اسميها قصري الاسطوري، وعودة للكتب فإنا أكرهها وأكره شكلها وملمسها ورائحتها الصمغية المغبرة، فأنا من القائلين بأن رغيف من الخبز أفضل من صفحة واحدة من كتاب قد تستخدم للف سندويشاً من التونة المزيتة. وعلى الرغم من كرهي لكل ما هو مطبوع ومكتوب، حتى أنني شاركت في حياة سابقة في حرق آلاف، إلى جانب اصابتي بالدوار والغثيان ما أن اتابع الاحرف والكلمات المصفوفة على الورق، وعلى الرغم من كل ذلك فإن لدي من المعارف والعلوم والثقافة العامة ما تؤهلني للدخول في نقاشات حادة مع جميع المتخصصين أخرج منها منتصراً في النهاية وبدون أي اصابات تذكر.


اعتذر عن مواصلة حديثي الشيق والممتع عن نفسي، لأنني مضطر للمغاردة الآن فعلى ما يبدو أن أحد الذين ضلوا الطريق إلى هذا المقهى قد دخل من الباب ربما بعد أن شرد من القطيع الواقف دائماً بركن في ميدان ليستير سكوير غير بعيد من هنا…