السبت 12 ابريل 2008:



عند الساعة الثانية ظهراً وصلت محطة ايرلز كورت بوسط لندن الغربي وقفت تحت زخات مطر خفيف امام مجمع معارض ايرلز كورت العريق منتظراً ماغي اوبانك، لتفتح لي الباب ببطاقتها، فاليوم لا يسمح بدخول سوى العارضين لكي يقوموا بتجهيز واعداد اجنحتهم. كانت ماغي رئيسة تحرير مجلة بانيبال التي تعنى بالادب العربي المترجم إلى الانجليزية قد طلبت مني أن اساعدها وزوجها الكاتب العراقي صموئيل شمعون في تجهيز الركن الخاص للمجلة واصداراتها. كان العمل بداخل الاجنحة على اشده فالمعرض يبدأ بعد يومين فقط وهناك الكثير من العمل ينبغي القيام به وخاصة اجنحة دور النشر العالمية الكبيرة والتي تصرف مبالغاً كبيرة لتصميم واعداد ديكورات اجنحتها. كانت معظم اجنحة الدول العربية المشاركة في المعرض شبه خالية، هذا العام تم دعوة العالم العربي كضيف شرف للمعرض وذلك بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني وهو مشروع استغرق اعداده ثلاث سنوات وتمت دعوة عشرين دولة عربية إلى جانب دور النشر العربية المستقلة والخاصة، كانت اجنحة المؤسسات الرسمية الاماراتية والتي احتلت مساحة كبيرة في وسط القاعة الرئيسية الاولى تبين حجم المبالغ التي تم رصدها لهذه المشاركة وخاصة من قبل هيئة ابوظبي للثقافة والتراث ومؤسسة محمد بن راشد ال مكتوم.


الجناح الذي احتلته بانيبال كان مساحة مشتركة مع اربعة دور نشر عربية مستقلة خاصة، هي، دار ميريت، دار الجمل، دار توبقال، دار ازمنة، إلى جانب ركن للتعريف والدعاية للجائزة الدولية للرواية العربية او اختصاراً (أيباف)، والتي عرفت خطأً ببوكر العربية.


لم يكن هناك الكثير لتجهيزه فقط تثبيت بعض اغلفة الاعداد الثلاثين السابقة من مجلة بانيبال وترتيب الارفف واللافتات وصف الكتب واعداد من المجلة للعرض، فهذا معرض تجاري ولليس للبيع.

جناح مجلة بانيبال
قبل عامين تم بناء قاعة جديدة الحقت بمعرض ايرلز كورت وبذلك اصبحت مساحة القاعتين المستعملتين للعرض ضخمة وذلك كله تحت سقف واحد وهو ما اتاح لمعرض لندن للكتاب أن يصبح من أهم معارض صناعة الطباعة والنشر والتأليف في العالم ولا يضاهيه سوى معرض فرانكفورت الدولي للكتاب في اوروبا.


عند الخامسة، اصبح كل شيء معد ليوم الافتتاح وكان علي المغادرة.




الاثنين 14 ابريل 2008:




ما لفت انتباهنا (انا ومحمد بعيو المصراتي) عند وصولنا الساعة التاسعة صباحاً هو العدد الكبير من الزوار الذين وقفوا في الساحات المجاورة لمبنى المعرض انتظاراً لفتح ابوابه للجمهور.


كان الافتتاح رسمياً من قبل الامين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى الذي قام بجولة في اروقة واجنحة المعرض مصحوباً بمرافقيه ورؤساء الوفود العربية.
ما لفت الانتباه كذلك أن دور النشر العالمية الانجليزية والفرنسية والايطالية والاسبانية والالمانية بدأت العمل مباشرة، فلا ترى سوى الطاولات مصفوفة في اجنحتها والاجتماعات على قدم وساق لكي يتم عقد صفقات النشر وبيع الحقوق، بدا وكأن الجميع قد اطلع على نفس كتاب التعليمات الخاص بهكذا تجارة والجميع يعرف الخطوات التي ينبغي القيام بها لتحقيق اكبر المكاسب في الايام الثلاث القادمة للمعرض.

مدخل معرض لندن للكتاب بايرلز كورت


على هامش النشاط التجاري للحدث كان هناك عدد كبير من الجلسات والندوات في مختلف المواضيع، من بينها ورش عمل حول صناعة النشر، بيع وشراء حقوق طباعة الكتب وترجمتها، التعريف باسواق الكتاب في العالم، ولكن أهم هذه المناشط كانت الجلسات الخاصة بضيف شرف هذا العام وهو العالم العربي.


هذه الجلسات والتي اشرف عليها واعدها وقام بالدعوة لها المجلس الثقافي البريطاني في محاولة لفتح السوق العربية للنشر على السوق العالمية، إلى جانب تقريب المسافة بين الثقافة العربية والادب العربي بشكل خاص والثقافة الاوروبية لاكتشاف فرص للنشر والترجمة. جلسات اليوم الاول كانت حول المكان في الرواية العربية الحديثة، وبرامج النشر الحديثة في الامارات والجوائز الادبية في العالم العربي، وكانت هناك جلسة للكاتب الليبي ابراهيم الكوني مع المترجم هارتموت فيندريش ساتحدث عنها لاحقاً.


مشهد عام للمعرض واجنحته


في جناح بانيبال التقيت مع الناشر خالد المعالي مدير دار الجمل ومقرها المانيا، وكذلك الناشر محمد هاشم مدير دار ميريت والكاتب إلياس فركوح مدير دار ازمنة وهو احد الذين تأثرت بكتاباته في منتصف التسعينات. أمضيت مع محمد بعيو المصراتي وقتاً مفيداً في الحديث مع الناشرين ومع الكتاب الذين جعلوا من جناح بانيبال مقراً للنقاش وتبادل الحديث وعقد الاجتماعات مع دور نشر دولية أخرى.



جناح دور النشر المصرية الرسمية


على الرغم من تفاوت حجم مشاركة الدول العربية التي اتت لحضور معرض لندن للكتاب، إلا أن بعض الدول الاخرى غابت عن فعاليات هذا العام واخص بالذكر دور النشر والمؤسسات الرسمية الليبية، واقتصر الحضور غير الرسمي على الناشرة فاطمة حقيق عن مكتبة طرابلس العلمية العالمية ضمن جناح اتحاد الناشرين العرب والناشر هشام الفرجاني عن دار الفرجاني للنشر ضمن وفد المجلس الثقافي البريطاني فرع ليبيا، وسمعت أن هناك استاذين جامعيين حضرا كذلك عن منشورات جامعة الفاتح ولكنني لم التقيهما للمساحة الواسعة لقاعة العرض والتي تضل فيها طريقك بسهولة بدون الخريطة المرفقة مع كتيب المعلومات.






عند الخامسة مساءً بدأت جلسة (الصحراء كرمز في اعمال الروائي ابراهيم الكوني) بمشاركة المترجم للألمانية البروفيسور هارتموت فيندريش. والتي حضرها عدد من الكتاب والصحفيين، من بينهم الكاتب جمعة بوكليب والاعلامي عادل صنع الله، المؤرخ د. فرج نجم، الصحفي محمد عبدو، إلى جانب الاستاذ عمر جلبان القائم باعمال السفارة الليبية بلندن. وتركز الحديث حول ثيمة الصحراء في اعمال الكوني ورمزيتها من حيث مغايرتها لمعنى الاستقرار والحضارة التي تمثلها المدينة، كما تحدث الكاتب حول مفهوم الهجرة والرحيل والاغتراب بمعانيه المكانية والزمنية والنفسية كذلك، فيما تحدث البروفيسور فيندريش حول تجربة ترجمة أعمال الكوني إلى الالمانية والصعوبات التي واجهته في تقريب المصطلحات الثقافية التي تمثلها كتابات الكوني إلى القارئ الالماني والاوروبي بشكل عام.






الروائي ابراهيم الكوني والمترجم للالمانية هارتموت فيندريش

من اليمين محمد عبدو، عمر جلبان، ابراهيم الكوني، جمعة بوكليب وغازي القبلاوي

استمر النقاش مع الكاتب حتى الساعة السادسة والنصف، حيث كان علينا الاسراع إلى قطار الانفاق للوصول إلى مكتبة


فويلز في شارع شارينج كروس رود والتي تستضيف الكتاب علاء الاسواني، هشام مطر وخالد مطاوع في حديث مع الصحفية ديدي فيلدمان حول مجمل اعمالهم.



من اليمين علاء الاسواني هشام مطر وخالد مطاوع


كانت قاعة المكتبة تغص بالجمهور حتى أننا لم نجد مكاناً للجلوس. قرأ هشام مقطعاً من روايته (في بلاد الرجال) التي ترشحت لجائزة بوكر وفازت بعدد من الجوائز العالمية الاخرى، بينما قرأت ديدي فيلدمان مقطعاً من رواية علاء الاسواني (عمارة يعقوبيان)، ودار الحديث حول ثيمات الغربة والسياسة والتغيرات الاجتماعية في المنطقة العربية وعلاقة الغرب بالعالم العربي وبالاخص من حيث ترجمة الاعمال الادبية الجادة إلى الانجليزية، وتميز النقاش بالعفوية والتلقائية وروح الدعابة التي تبادلها كلاً من مطاوع والاسواني. انتهت الامسية بتوقيع الكتاب على عدد من اصداراتهم وحديث جانبي استمر حتى التاسعة مساءً، وانتهى بذلك اليوم الاول من المعرض.




هشام مطر في حديث مع محمد المصراتي
ديدي فيلدمان، خالد مطاوع وضحكات جادة


الثلاثاء 15 ابريل 2008:




رائحة القهوة هذا الصباح جعلتني استعيد وعي المبدد بعد يوم وليلة حافلة خلال اليوم الاول من المعرض، الرشفة الاولى تعيدني إلى المكان. كانت الساعة تقارب العاشرة صباحاً والصفقات بين دور النشر العالمية تعقد ولا ارى اية حركة كبيرة في دور النشر العربية، ربما عدا جناح دور النشر اللبنانية التي جاءت للترويج لاختيار بيروت كعاصمة للكتاب للعام 2009 اما باقي اجنحة الدول العربية فكانت منشغلة بتوزيع الاكياس الفاخرة والتي تحوي معلومات دعائية موجهة عن دولها وانجازات رؤوسائها وحكوماتها، أما دور النشر العربية المستقلة والخاصة فكانت تشهد بعض الزيارات المتبادلة مع دور ووكالات نشر عالمية، إلا أن حجم التبادل التجاري لم يكن بالحجم الذي يتناسب مع مساحة المعرض، كما أن بعض المؤسسات الرسمية العربية انشغلت في الترويج لمشاريعها المستقبلية والمكتوبة على الورق الفاخر والممهورة بعبارات مفخمة ورنانة دليل على ريادتها واسبقيتها في هكذا مشاريع رصدت لها كما يقال الملايين ولما لا البلايين، فالاصفار رخيصة الثمن هذه الايام.



هشام مطر، خالد مطاوع وماغي اوبانك في حديث على هامش ندوة الشعر العربي

جمعة بوكليب، نوري الجراح والمحلق الاعلامي المغربي عبد القادر الجاموسي


عند الساعة الثانية ظهراً حضرت جلسة عمل حول الشعر العربي الحديث شارك فيها الشعراء عباس بيضون، نجوم الغانم، امجد ناصر، ومنذر مصري، وبادارة الشاعرة الانجليزية فيونا سامسون، ودار الحديث حول التطورات الحديثة في الشعرية العربية والدلالات اللغوية للشعر في الادب العربي والمعاني الحديثة في تعريف الشعر المعاصر، وخاصة مع تواصل الجدل حول شعرية قصيدة النثر والاستخدامات الحداثية للغة. بعد حديث تواصل على هامش جلسة الشعر العربي خرجت مع خالد مطاوع للقاء صديقنا جمعة بوكليب على طاولة الغداء في شارع نايتس بريدج، غير بعيد عن السفارة الليبية ودار حديث شيق بيننا لم يقطعه سوى دخول السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية بمرافقيه إلى المطعم الايطالي الذي نجلس به، وبينما نحن نغادر المطعم كدت اقف واقول له “هو انت لاحقنا حتى هنا يا عمرو..!!” ولكنني اكتفيت بايماءة برأسي وابتسامة لا معنى لها.




عند السادسة والنصف توجهت مع رفيق هذه الايام محمد بعيو المصراتي إلى منطقة هاي ستريت كينزنجتون لحضور حفل الاستقبال الذي دعا إليه المجلس الثقافي البريطاني على شرف الكتاب والادباء والناشرين العرب المشاركين في معرض لندن الدولي للكتاب والذي حضره كذلك عدد من مندوبي الناشرين الانجليز المشاركين في المعرض وذلك بغرض بناء علاقات حيوية مع الناشرين والكتاب العرب. الحفل انتهى بعد التاسعة مساءً بالكثير من المجاملات والقليل من الفائدة كعادة مثل هذه الحفلات الشكلية.


من اليمين صموئيل شمعون خالد المعالي وخالد مطاوع


الاربعاء 16 ابريل 2008:




اليوم الاخير للمعرض بدأ رتيباً، يبدو ان ثلاث ايام مكثفة اكثر من كافية لهذا الحدث، المصراتي يحاول الحصول على اكبر غنيمة من الكتب المعروضة والتي اتى بها الناشرين العرب، معظمها تحصل عليها دون مقابل، ليلة امس استعطنا ان نحصل على اكثر من عشرين عنواناً.


اليوم الاخير كان فرصة للترويج لمشروعنا الجديد (مجلة نماذج) هناك الكثير من الدعم المعنوي والكثير من الحماس للمشروع والرغبة في التعاون على المستوى الشفهي على الاقل في هذه المرحلة وهو مهم، كما ان فرصة المعرض فتحت لي افق جديد للعمل المستقبلي على مشروع امتداد للنشر والعمل على الترويج للكتاب الليبيين وبيع حقوق الترجمة لدور النشر العالمية في المعارض المقبلة، ومفتاح مثل هذه المشاريع هو بناء العلاقات، التي لا انجح فيها دائماً.
عند منتصف النهار عقدت بانيبال حفل توقيع للكاتب الفلسطيني محمود شقير لصدور مجموعة قصصيه له مترجمة للأنجليزية عن منشورات بانيبال، كان الحضور جيداً وضج ركن الناشرين العرب المستقلين وبانيبال بالكتاب والقراء العرب والانجليز.
لفت انتباهي في احد اروقة المعرض وجود دار نشر اسيوية (قد تكون باكستانية) تقوم بالترويج لنسخة مترجمة للانجليزية من القرآن في حجم كف اليد كما قاموا بتوزيع هذه النسخ بالمجان على كل العابرين بالقرب من جناحهم، حينها تساءلت، كيف سيكون الامر إذا قامت دار نشر بريطانية بتوزيع الانجيل بالعربية مجاناً في معرض القاهرة للكتاب أو اي من معارضنا في العواصم العربية.. مجرد سؤال.
الجلسة الاخيرة عند الثانية ظهراً كانت حول كتابة المذكرات واليوميات في الكتابة العربية المعاصرة والتي استضافت الكتاب جلال امين، جمال الباروت، وجاين المقدسي، ودار الحديث والنقاش حول مدى نجاح كتب اليوميات والمذكرات الشخصية في البلدان العربية وخاصة التي تكتبها شخصيات سياسية للتأريخ للأوضاع السياسية والاجتماعية للمنطقة بشكل عام كما نوقشت مسألة حجم الكشف والتعرية التي تمارس في هذه الكتابات.
عند الساعة الخامسة بدأنا في تفكيك الجناح الخاص ببانيبال وترتيب امتعتنا استعداداً لمغادرة المعرض، وخلال نصف ساعة كانت كافة الاجنحة التي غصت قبل ساعات قليلة بالعارضين والزوار والكتب والاوراق خالية من اي اثر، ولكن لم تكن هذه هي النهاية.
النهاية كانت بامسية شعرية نظمتها بانيبال بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني لعدد من الشعراء العرب، بالانجليزية والعربية، شارك فيها كلاً من عباس بيضون (لبنان) والذي ساعرض قصائده المسجلة في الحلقة القادمة من بودكاست امتداد، نجوم الغانم (الامارات)، خالد مطاوع (ليبيا)، امجد ناصر (الاردن)، ومنذر مصري (سوريا) وحضرها عدد كبير من الكتاب العرب والانجليز، الامسية كانت متميزة وعفوية، وبها اختتمت فعاليات معرض لندن الدولي للكتاب 2008.


الشاعر عباس بيضون

الشاعر خالد مطاوع
من اليمين جمعة بوكليب خالد مطاوع هشام مطر وسليمان دوغة
هوامش:




بشكل عام كان الحضور والتفاعل الليبي على رغم من غيابه الرسمي متميزاً، حتى أن عدد من الصحفيين والكتاب العرب ابدوا حماسهم للحضور الليبي، على الرغم من قلة عدده.


شكر خاص لكل من (مع حفظ الالقاب) مارغريت اوبانك، صموئيل شمعون، اوليفيا سنايج، كلوديا لويس، محمد هاشم، أحمد العايدي، خالد المعالي، صفوان بنيس، إلياس فركوح، هشام مطر، خالد مطاوع، جمعة بوكليب، هشام الفرجاني، فاطمة حقيق، عادل صنع الله، نوري الجراح، ماهر الكيالي ورفيق الايام الثلاث المتألق محمد بعيو المصراتي.
غنيمة الكتب التي خرجنا بها من المعرض تجاوزت الخمسين كتاباً.
يعقد معرض لندن للكتاب العام المقبل في الفترة من 20-22 ابريل 2009.