أجلس في حجرتي، لم أستطع النوم الليلة، جلست أرقب منزلها الذي بدا ظاهراً من وراء السور، ضوء حجرتها أو ما ظننت أنه كذلك يومض، ويختفي بفعل حركة أغصان الأشجار التي أمامه. أصبحت هذه عادتي الجديدة، لا يأتيني النوم إلا بعد الواحدة بقليل. لكنني في نهاية المطاف أستلقي تحت الأغطية محاولاً مهادنة النوم، البارحة زرت أصدقائي في شارع ميزران، وقررنا الذهاب إلى مسجد الخلوة بمنطقة الظهرة الشعبية لنؤدي صلاة المغرب، كان المكان لدى وصولنا يمتلئ بجمع كبير من الشباب الملتحين والمتجلبيبين، مسجدة الخلوة هو أحد أصغر المساجد في طرابلس، يعتقد أن يعود بناؤه للقرن الرابع عشر الميلادي، قاعة الصلاة به صغيرة وبالكاد تسع لمائة مصلٍ، سقفها منخفض وجدرانها مطلية بالجير الأبيض، وكل ركن فيها يحكي قصص قديمة، كان الجميع عداي أنا وبعض كبار السن يرتدي الجلباب الذي ينتهي إلى ما فوق أخمص القدم بقليل، ومعظمهم بين الخامسة عشر والثلاثين، اللحية الكثة كانت السمة الغالبة عليهم. وقف المؤذن يرسل نداؤه لصلاة المغرب، كان البعض ينظر إلى كوني الشاب الوحيد الحليق، والذي يرتدي ملابس عادية، سروال وقميص صوفي، شاهدت البعض يدخل إلى المسجد ليثني نهايات سرواله لما فوق الأخمص ومن ثم يرتدي جلباباً مطوياً بعناية، بدأ الجميع بالاستعداد لأداء الصلاة، ما أن يفرغ المؤذن من ندائه، راح الشيوخ الذين ارتدوا الملابس الشعبية الليبية يقتربون ببطء إلى الصف الأمامي الذي غلب عليه الشباب الملتحي، وقفت في نهاية الصف على اليسار بجانب صديقيّ أمجد ومحمد اللذين كانا مثل البقية ملتحيين وبالجلباب، أخرج أمجد سواكاً من كيس صغير من النايلو، وراح يفرش أسنانه بطرفه، محدثاً صوتاً لدى فركه لأضراسه، أقام المؤذن الصلاة، والجميع يصطف، ويحاول أن يحاذي أقدام الشخص الذي بجانبه، وما أن فرغ المؤذن من الإقامة، حتى تقدم الإمام، شاب فارع الطول لا يبدو أنه تجاوز الثلاثين، يتأكد من استقامة الصفوف، وهو يردد “ساووا الصفوف، ساووا الصفوف، حاذوا بين المناكب والأرجل، سدوا الفرج، ساووا الصفوف، إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج” لمحت في نهاية الصف شيخاً وهو يحاول أن يتجنب أن تلامس حافة قدمه مع حافة قدم الشاب بجانبه والشاب يجاهد لأن يلتصق بقدر المستطاع بالعجوز، إلا أنه توقف عن التململ ما أن منحه العجوز نظرة محذرة من عاقبة الإقتراب منه، في حين لم تكن عكازه بعيدة عنه. ويبدو أنني لم أنتبه للإمام وهو يقترب مني وعلى وجهه عبوس، أمسكني من كتفي وراح يردد “ساوي الصف، إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج”، رحت احاذي أصابعي مع من يجاورني من المصلين، أصبحت محشوراً بين الأكتاف والأرجل، وما أن أطمئن الأمام أن الله لا بد سينظر لنا الآن ونحن نؤدي الصلاة، وقف في المحراب الأبيض العاري من الزخرفة، ورفع يديه.

أوقفت السيارة على الجانب الأيمن من الطريق، بالقرب من شاطئ البحر المقابل للكورنيش القديم، مقابل قصر ولي العهد، كانت هذه المنطقة ملاذنا للحديث بحرية، نزلنا من السيارة، أمجد ومحمد ما يزالان يتناقشان في مسألة دينية أثيرت بعد أن فرغنا من صلاة المغرب بمسجد الخلوة. صوت البحر يقترب، والشاطئ شبه خالي من البشر، ففي الشتاء لا يرتاد الكثير من الناس هذا المكان. “قلت لك لقد قرأتها في كتاب صفة صلاة النبي للشيخ الألباني” قال أمجد، محدثاً محمد، نظر محمد له وعدل من نظارته، وأردف “أعرف أنها مذكورة هناك، ولكن يقول أن الرسول كان يرفع يديه في الصلاة عند التكبير أحياناً ولم يكن يفعلها دائماً” راح أمجد يفرك لحيته وكأنه يفكر بعمق في المعضلة، ألتفت إليهما وقلت “دعونا من هذا النقاش، ولنجلس بالقرب من الأمواج ونستمتع بعذوبة الجو” أخترت مكاناً بالقرب من الماء وجلست على الصخور الجافة، استكنت لبضع دقائق وأرسلت بصري إلى الأفق حيث المضيق الاصطناعي للميناء، والذي بدأت من ورائه أمواج البحر المفتوح بالانكسار على الجدار الصخري، وعند فتحة المضيق كانت أضواء التحذير البحرية تومض، و… “مؤنس، مؤنس إلى أين سافرت..؟!!” سمعت أمجد يعيدني من عوالمي التأملية، “مازلت هنا.. ماذا كنت تريد أن تقول؟” رددت محاولاً أن أبدو منتبهاً لحديثه، ليردف قائلاً “كنت أقول هل تتذكر وليد القاضي، وليد، الفتى الطويل الذي كان يدرس معنا بمدرسة علي وريث الثانوية” أجبته “نعم ومن لا يتذكر وليد القاضي صاحب المقالب المضحكة” بدا عليه بعض التجهم وقال “أي مقالب مضحكة يا مؤنس، الرجل كان يعيث فساداً، لسانة يلهج بالسباب لكل شيء ولأي شيء، وكان يترصد فتيات مدرسة سبعة أبريل الثانوية للبنات بشارع النصر، كما أنه كان في فترة الإستراحة ينتحي جانباً ويدخن السجائر” شعرت بالملل من حديثه الذي لم يحمل جديداً فقلت “حسناً، كلنا يعرف هذا، إذن ما الجديد لديك، أعني ما الذي أعاده إلى ذاكرتك، وأنا أعرف أن بينك وبينه عداوة قديمة” ابتسم من خلال لحيته التي راحت تكبر يوماً بعد يوم، نزع نظارته وراح يمسح عدساتها السميكة بطرف جلبابه القصير، ثم عدلها فوق أنفه وتابع قائلاً “أي عداوة يا عزيزي، ذلك كان في ذلك العصر، صحيح أنه لم نتجاوز عدة شهور منذ أن أكملنا الشهادة الثانوية ولكن بين عشية وضحاها يغير الله من حال إلى حال” قاطعته “لم أفهم، ما الذي حدث لوليد؟” تابع القول “لقد التقيت به اليوم عصراً، كنت أخرج من جامع مولاي محمد، أقصد جامع مولاهم محمد بشارع الزاوية، بعدما فرغت من صلاة العصر جماعة، لأرى شاباً فارع الطول، يرتدي جلباباً مغربياً، بهي الطلعة ينضح وجهه بالنور ولحيته الكثة تصل إلى صدره، يعني المنظر كان ما شاء الله، راح هذا الشاب يناديني، في البداية لم أتعرف عليه، ولكن من أن أقتربت منه وسمعت صوته، حتى عرفت أنه وليد القاضي، لا أحد غيره، شعرت بالفرح لأن الله قد هداه إلى التدين والالتزام، عانقته، وتحدثنا لبعض الوقت، ووعدته على أن نلتقي به قريباً، ما رأيك أليست هذه قصة رائعة، أحد أكثر الناس فسوقاً، يتوب ويعود إلى الطريق القويم” كانت ابتسامته عريضة، شعرت بالشفقة عليّ، وتساءلت لماذا أمجد سعيد بهذه الدرجة، حاولت أن أنسخ ابتسامته على وجهي، دون جدوى، قلت “جيد، أرجو له التوفيق” وعدت ببصري إلى الأفق، مستعيداً ذكريات المدرسة الثانوية، متسائلاً هل كان العبث الطفولي الذي كان يقوم به وليد أو حتى أمجد قبل أن يصبح متديناً، هل كان كل ذلك فسوقاً، أم مجرد وسيلة للتعبير عن الحياة عديمة المعنى التي عشناها. سمعت محمد بعد ذلك يسرد لأمجد آخر ما نزل في سوق الأشرطة الدينية المسموعة، والمهرب أغلبها من السعودية “أتدري بأن جارنا علي لديه مجموعة تقارب المائتي شريط، للعديد من المشائخ” قال محمد، “غير معقول، ما شاء الله!!” رد أمجد باعجاب، وتابع محمد “ولكنه يخفيها في مكان سري في البيت، مخافة أن تداهمه قوات المباحث وتجد في حوزته هذه الممنوعات، هؤلاء الوحوش لكم أمقتهم”، قلت لهما “وما هي آخر أخبار المداهمات، هل قبضوا على أحد تعرفانه؟”، رد أمجد “في الأسبوع الماضي تشاجرت مع أبي لأنه أشترط علي عدم الذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر، فقوات من يطلقون على أنفسهم إدارة مكافحة الزندقة، تسجل أسماء كل من يصلي الفجر بالمسجد، وحتى البارحة سمعت أنهم أعتقلوا خمسة شباب من مسجد عمورة في شارع بن عاشور، لذا يجب أن نكون أكثر حذراً” ألتفت إلى محمد وقال “طبعاً مؤنس أنت لا تخشى شيئاً، فأنت حليق ولا تصلي الفجر بالمسجد، يا ترى متى تتعظ، وهل ما تزال تجلس، كلما ذهبت إلى الجامعة، مع مجموعة البنات اللاتي رأيتك معهن في المرة الأخيرة التي زرتك فيها، والانكى من ذلك لقد كنت تضحك معهن، يجب أن تكون أكثر حذراً، فأنت لا تغض البصر، وتمارس الزنا” حدقت فيه وأنا مستغرب “الزنا، كيف تقول ذلك، هل أنت جاد!!” قلت له، أردف باعتداد “نعم، فالجوارح تزني كذلك، وأنت تمارس زنا العين، و…”، توقفت عن الاستماع إليه ورجعت ببصري إلى الضوء الخافت الذي يومض في الأفق الأسود المختلط بسواد سطح البحر، ولكن ما عكر صفحته بأضواء الميناء المنعكسة عليه، صورة لعين أدمية محاصرة في فرج مظلم..
*
المدرج كان يضج بالطلبة، استاذ مادة الطبيعة لم يأت لإلقاء محاضرته هذا اليوم، والأمطار والجو العاصف في الساحة وحديقة الكلية حتم على الجميع البقاء بداخل المدرج، البعض أكمل تسكعه في المقهى، الذي امتلأ بدخان السجائر التي تنفثها الأفواه. كنت أقف بالقرب من الباب أتأمل سقوط المطر، عدت إلى مقعدي وجلست بالقرب من مي، التي كانت على ما يبدو تقضي وقتاً طيباً مع صديقتها دانيا أقتربت لأجدهما تلهوان برسم بعض الوجوه الكاريكاتيرية على اوراق دفاتر المحاضرات، دانيا تجيد الرسم، فقد كانت تفوز بجوائز في المدرسة الثانوية، وكانت تحاول أن ترسم صورة ساخرة لمالك وهو يرتدي نظارات سميكة، سألتها “من هذا الذي ترسمينه، هل هو مالك؟” أجابت وهي تضحك “نعم إنه هو في حالة من حالات غضبه الغريب”. ألقيت ببصري إلى الورقة التي بين يدي مي كانت تحاول أن ترسم أطفال بوجوه مستديرة وبشكل مبسط، وعلى الرغم ما بدا أنه فرح على الكائنات الرقيقة التي ترسمها إلا أن مسحة من حزن انعكست على أجزاء من الورقة، اقتربت أكثر وقلت لها مدعياً الجدية في حديثي “يبدو أن أطفالك يعكر صفوهم شيء ما؟” استمرت بوضع خطوط هنا وهناك على الورقة، وقالت “ماذا تقصد، ألا تبدو وجوههم مرحة؟” اردفت قائلاً “قد تبدو الوجوه مرحة، والشمس في ركن من السماء ولكنني أحس بأن تلك الطفلة” ووضعت أصبعي على أحدها وتابعت “يبدو عليها بعض الحزن، وكأنها تحاول أن تجاري فرح من حولها ولكنها في داخلها تعيش ألماً من نوع خاص، على أية حال فالرسم دائماً يفضح إحساس مبدعه” توقفت مي عن الرسم، وأحسست بها ترتعش للحظة بسيطة، أغلقت دفترها، وعدلت من جلستها، ارخت يداها فوق الطاولة، كنت ما أزال أواصل تأملي لها، شعرها الكستنائي القصير يغطي جزءً من جبينها الشاحب ووجنتها المحمرة، راحت أهدابها ترتعش، نظرت إلى بطرف عينها بتردد، ألتفتت بتردد، نظرت إليّ بخجل. حدقت في عينيها السوداوين العميقتين، قلت “أعرف. لا داعي لأن تخبريني”، انفرجت شفتاها الورديين وكانت تستعد لقول شيء “وو…للل…لككن، أنا لا أعرف.. لا أعرف لماذا؟، بالأمس فقط تدهورت حالته، وأحتاج إلى نقل دم، ولكن فصيلته نادرة، ونحن في العائلة ليس فينا من لديه الفصيلة نفسها، مؤنس، أريد منك أن تقوم بشيء، مجرد طلب، فهل تستطيع ذلك” أومأت برأسي موافقاً، لتتابع “اليوم أريد منك أن تزوره معي في المستشفى بالأمس دخل في غيبوبة ونقل إلى العناية الفائقة، واحتاج لمن يكون معي، فهل ستأتي.” لم أستطع الإجابة، فقد دخل في تلك اللحظة استاذ مادة علم الحيوان وراح يضرب بهستيريا السبورة بقطعة خشبية لينبه الطلبة أن المحاضرة ستبدأ، جلس الجميع وساد الصمت وعلا صوت قطعة الطباشير وهي ترسم الكلمات على السطح الأملس الداكن، أقتربت من أذنها وهمست “نعم سأتي”.
*
صوت متقطع وحاد ينبعث من الجهاز بالقرب من الفراش، الأنابيب تواصل ضخ سوائلها المختلفة، أنبوب الاكسجين المتصل بجهاز التنفس الصناعي يتدلي بالقرب، والجهاز يصدر وميضاً وصوتاً مزعجاً، فتحت عيني لأجدني ما أزال ملقى على الفراش، أحسست بأنبوب الهواء في حلقي، ماذا حدث يبدو أن حالتي ساءت منذ أن فقدت الوعي مجدداً، بالاحرى لا أعرف إن كنت واعياً الآن أم أن هذا جزء من الهذيان الذي يعتريني، أحس بالهواء يندفع إلى رئتي ليرتفع صدري وبعد ذلك يخرج الهواء بقوة إلى الأنبوب المتدلي بجانب فمي، بدأت بالتأكد من أنني لا أهذي حين بدأت أحس بكل شيء من حولي وأعي أسماء الأجهزة التي تتصل بي، هذا جهاز حساب نسبة الأكسجين بالدم، وذلك جهاز تنظيم التنفس، وذلك الجهاز يبين عدد نبضات القلب والرسم يبين تناسقها، وبجانبها ضغط الدم ودرجة الحرارة، ومعدل التنفس، لكن شيء غريب يجعلني أحس بأن الجسد المسجى على السرير، ليس جسدي، كأنني أقف على حافة الفراش أتأمل حالة هذا الذي أمامي، أراه وهو يفتح عينيه بذهول، أرى صدره وهو يرتفع وينخفض، أرى نبضات قلبه ترتفع، وضغط دمه ينخفض، أراه وهو يجاهد للتشبث بالحياة، اراه ينتفض، أمد يدي أقترب من أنبوب التنفس، أنظر إليه، أبتسم بحب، يرد علي بحركة من شفته المنتفخة، انتزع الانبوب، تبدأ الأجهزة بالرنين، والأضواء بالوميض، أراني مجدداً ولكنني الآن مسجىً على الفراش نفسه، أحاول أن استنشق هواءً نقياً، لا شيء يدخل، أغرق في ظلام أجوف، بلا هواء، أسمع صوت تكسر عظام صدري، أعود من جديد إلى الهذيان.
*
لمحتها تقف أمام باب بيتها، كانت ترتدي بغير عادتها تنورة صوفية، وكان هذا الصباح مشرقاً بشكل استثنائي، مررت بجانبها وأنا أقود سيارتي في رحلتي الصباحية إلى الكلية، بينما كانت هي تنتظر قدوم الحافلة لتقلها بعد غياب دام اسبوعاً. وصلت متأخراً بعض الشيء عن المحاضرة الأولى، جلست في الصف الخلفي بهدوء، محاضرة الإحصاء المملة كانت في منتصفها وأنا ما زلت أشعر ببقية النوم المترسب من ليلة مسهدة. لم أشعر بها وهي تقترب لتجلس غير بعيد عني، ألتفتت تجاهها كانت ظلال تتجمع تحت عينيها، وجهها ذابلاً، وشعرها الكستنائي القصير مشدود إلى الخلف، تاركاً جبينها ووجهها المستدير يظهر بالكامل. لم أستطع أن اقترب منها أكثر، بل بالاحرى لم تكن هناك كلمات أقولها، فمنذ أن زرت والدها في المستشفى قبل عدة أيام، تدهورت حالته وتوفي في اليوم الأول من شهر رمضان، ومر أكثر من أسبوع لم ألتقيها، لم أستطع اكمال باقي المحاضرة، خرجت لأستنشق هواءً نقياً. لم تمر عدة دقائق حتى خرج أستاذ مادة الإحصاء بعد أن أنهى محاضرته، خرج عدد كبير من الطلبة ليقفوا عند سلم المدرج الخارجي، منهم من ذهب إلى المقهى القريب لإرتشاف قهوة الصباح، ومنهم وقف بالخارج يتجاذبون أطراف الحديث، دخلت لأجد مي ما تزال تجلس لوحدها في المدرج من الخلف، صعدت الدرجات حتى وصلت عندها، وجدتها تعبث كعادتها عندما تشعر بالقلق بأقلامها ودفاترها، بدت عيناها لامعتان بالدموع، وقفت وأنا أحاول أن أنسى مشهد جنازة والدها إلى مقبرة سيدي منيذر في وسط طرابلس، محاولاً نسيان وقوفي عند القبر بعد أن تم تسويته بالأرض، محاولاً أن أقول لها أنني سأبقى بالقرب منها ولن أبتعد، حاولت الكثير من الأشياء، لكنني لم أقل شيئاً، وقفت هناك أمامها دون حراك، نظرت لها بتمعن، وكأنني أنظر إلى نفسي المغتالة طفولتها، نطقت بكلماتي الخائنة “مي.. لا تحزني، إن أردت أي شيء فسأكون معك، أنا هنا، لا أدري، لا أدري ما أريد قوله، فقط أريدك أن تكوني بخير…” توقفت مي عن العبث بدفاترها وأقلامها، رفعت رأسها وحدقت في بعنين يملؤهما الدمع، وقالت “إنه أبي يا مؤنس، لا أستطيع أن أفهم لماذا، أشعر أنني لن أكون بخير أبداً ” راحت تجهش ببكاء خجول، محاولة منع دموعها من التساقط، نكست رأسها وعادت تعبث بدفاترها وأقلامها، نظرت إليها وهي تفتح الصفحة الأولى من الدفتر وتكتب بخط واضح، (أنا أسفة، ولكنني في حاجة لك).. أخذت القلم من بين أصابعها وكتبت تحت ما كتبته (وأنا أحتاجك، وسأكون معك دائماً).. نظرت إلي، منحتها أفضل ما يمكنني من أبتسامة، كانت الدموع ترسم خطاً على وجنتيها وفي نهايته بالقرب من شفتيها كنت ألمح أبتسامة تنبت من حواف الحزن.
*
“لما لا تخبرني بما يحدث بالجامعة.. كل أولاد وبنات صديقاتي يخبرون أهلهم بكل شيء، ولكن أنت تذهب في الصباح لتعود في الظهيرة، تتناول غداءك وتغلق على نفسك الحجرة حتى المساء.. هل هناك ما يزعجك يا عزيزي؟” هكذا تعبر أمي بين الفترة والأخرى عن استيائها من الكتمان الذي أمارسه على حياتي خارج المنزل. أمي التي تعودت على معرفة كل شيء عني وعن حياتي، وخاصة بعد أن أصبحت وحيدها منذ وفاة أخي الأكبر (محمود) إثر حادث على الطريق السريع وهو يقود سيارته عائداً من آخر امتحانات التخرج بكلية الطب البشري، كنت حينها في سن العاشرة.
بعد ولادة أخي الأكبر، ونتيجة لمضاعفات الولادة، تجنب والديّ الحديث عن رغبتهم في الإنجاب وأكتفيا بإغداق الحنان على أخي (محمود)، ولكن بعد اربعة عشر عاماً، حدثت أنا. أحياناً، استمتع بذكر أنني أتيت إلى هذا العالم نتيجة خطأ في تناول حبوب منع الحمل، أو أنه كان من الممكن تجنب قدومي ببضعة طرق بسيطة.
أذكر الآن أنه في السنوات الأولى وقبل وفاة أخي الدرامية، كنت طفلاً لا يختلف عن الآخرين من حولي، لم تكن علاقة والديّ بي خاصة، فقد ظل (محمود) هو الأكبر، والأول في كل شيء، أما أنا فكنت أتي لاحقاً في معظم الأشياء.
كانت علاقتي مع محمود غامضة، وحتى بعد مرور ثماني سنوات منذ وفاته، أصبحت بالكاد أتذكر شكله، طريقته في الوقوف بشكل معتدل، مثاليته المزعجة في بعض الأحيان، محاولته لأن يكون البطل الأول في كافة المواقف، اجتهاده في الدراسة، أصدقائه الكثر، صداقته من والدي، أتذكر مشهداً عندما نجح في الثانوية العامة وحصوله على الترتيب الرابع على مستوى ليبيا، وكيف أقام له أبي حفلة نجاح كبيرة، وأهدى له سيارة من طراز غولف حديثة، السيارة التي أودت بحياته بعدها بسنوات.
كانا يجلسان معاً لساعات يتحدثان عن ما يدور حول العالم من أحداث، تمنيت أن أكون أنا بجانب أبي بدلاً من محمود، ربما كنت في قرارة نفسي أتمنى أن يختفي من حياتي إلى الأبد، وربما كان ذاك السبب في أنني تحولت إلى طفل آخر عندما رأيت سيارة أخي المهشمة والمحطمة بعد أن طلب أبي أن يجلبوها إلى البيت، لسبب ما زلت أجهله. حينما تسللت من المنزل إلى الشارع لرؤية بقايا المركبة، على الرغم من تحذير أبي من الخروج من البيت أو الأقتراب من الحطام. وقفت مشدوهاً، ولكن شيئاً ما صدمني بالداخل، لم يكن حزناً أو شعور بالذنب، كلا، ربما كان نوعاً من الراحة التي تأتي بعد الاستفاقة من كابوس لاحقك طيلة الليل. في تلك اللحظة هرعت عائداً إلى البيت، ومنذ تلك اللحظة وأنا أحاول أن أبحث عن الطفل الذي أضعته بين منظر سيارة مهشمة وصمتي المريح الذي أمقته.
*
أبي تعامل مع وفاة محمود على أنه مسألة قدرية، وأن الحل الوحيد، هو الإكتفاء بما هو متاح ومتوفر بدلاً من طلب ما هو مستحيل. وما هو متوفر ومتاح كان أنا، الأبن الذي كان من المفترض أن لا يكون، أصبح لوجودي قيمة. أصبحت أنا الأبن البديل للذي ضاع.
جميع أحلامي وأمنياتي صارت مبرمجة ومعدة من قبل أبي وأمي، يقوم أبي بإيصالي للمدرسة صباحاً لتأتي أمي في الظهيرة لترجعني إلى البيت، لأبقى تحت ناظريهما طيلة اليوم، لا مكان للشارع بصخبه في حياتي، وبينما كان زملائي في المدرسة يلعبون في الساحة بـ(الزرابيط) و(البطش)، كنت أجلس لأتناول فطوري المدرسي المكون من سندويش تونة والطماطم الطازج، لأسرح في أحلام اليقظة التي لا تنتهي.
عندما كنت أسئل ما الذي أريد أن أكونه حينما أكبر، كانت أردد أغنية وليد الكور التي أداها وهو طفل “امنيتي انقود الطيارة…” كنت أريد أن أحلق في السماء ربما للخروج من البيت الذي أصبح يختبئ يوماً بعد يوم بداخلي. ولكن حتى هذه الأمنية أختفت بالتدريج، لأجد صورة أخرى تطبع في مخيلة أحلامي، صورتي وأنا أقف مرتدياً المعطف الأبيض.
حينما كنا نزور بعض أصدقاء العائلة يربت الكبار على رأسي ويرددون “ما شاء الله، لقد كبرت وأصبحت رجلاً، ما الذي تريد أن تكون في المستقبل؟” يبتسم أبي، وأمي، ويقولان “بالطبع سيدخل كلية الطب ويصبح طبيباً مشهوراً” ليربتا على رأسي مجدداً ويخاطباني “أليس كذلك يا مؤنس!”، أنظر بحيرة إلى السماء، محاولاًَ أن أجد وسيلة للطيران إلى الأعلى ولكن المعطف الأبيض، يحيط بي كالكفن.
هكذا واصلت دراستي الإعدادية والثانوية، محققاً أمنية والديّ في أن أكون أبنهما العائد من غياهب القبر، مكتفياً بابتسامة أبي وهو يتلقى صحيفة نجاحي المدرسية مع نهاية كل عام، وهي تؤكد تفوقي في جميع المواد، محاولاً الهروب من منظر سيارة أخي المهشمة، والاقتراب ما استطعت من سماء مبهرة لا تعد بالكثير ولكنها تمنحني سكينة مبهمة.
*
الصخب يزداد، أفتح عيني بصعوبة، البياض يغشى بصري، الأصوات تختلط ببعضها، أشاهد العديد من الأشباح تسبح في أخر الحجرة، أحاول استيعاب العالم من حولي، أرى جسداً مسجى على السرير الذي يقابلني، صدره الشاحب مكشوف، والأسلاك متصلة بنقاط فوقه، الأنبوب يخرج من فمه، أراهم يسرعون من حوله، تزداد سرعتهم من أجل الحصول على الحياة التي يبدو أنها خذلته هذه المرة، أسمع صوت تحطم الضلوع تحت الأيدي التي تضغط على الصدر في محاولة لإقناع القلب بضخ الدماء، ترتخي الأيدي، يصبح القلب مجرد قطعة من اللحم، أسمع أصوات القفازات المطاطية وهي تنتزع من الأيدي، أرفع بصري للساعة الكبيرة المعلقة على الحائط، الرابعة والنصف، هل هو في الصباح أم المساء، لا أدري، أشعر بخدر في عيني مجدداً، صرخة الروح الهاربة من ربقة الجسد تنتشر من حولي.

***
(نهاية الفصل الأول)