هذه نظرة أولى على الفصل الأول من الرواية التي اعكف على كتابتها منذ نهاية العام الماضي، النسخة التي سأعرضها هنا هي مجرد مخطوط أولي سيكون قابل للتعديل بحسب تطور الأحداث في الرواية. الاحداث تدور في مكانين، لندن وطرابلس وفي زمنين الآن المتخيل والماضي الذي يبدأ مطلع التسعينات من القرن الماضي، كل الشخوص والأحداث مقتبسة من الواقع ولكنها لا تعني بأي حال أنها شخصيات وأحداث حقيقية فهذه الرواية في نهاية المطاف عمل من نسج الخيال حتى وإن كانت تمت للواقع الحقيقي بصلة. إذن في هذا الادراج نقرأ مقدمة أولى من الفصل الأول في الاسبوع القادم أعرض باقي هذا الفصل..
__________________________________

هذه لعنتي..!

رواية مستمرة

بقلم: غازي القبلاوي

“ملعون من يحرك عظامي..”
وليام شيكسبير
*

لا أحد يستطيع أن يعرف كيف سينتهي يومه عندما يخرج من البيت صباحاً. ولكن هذه لم تكن مشكلتي وأنا اجلس في مقهى عصري في قلب العاصمة البريطانية لندن، أتجرع القهوة التي لم أكن في يوم ما من محبيها، واتنشق دخان سيجارتي التي لم أكن يوماً حليفاً لها. مشكلتي كلها كانت عندما علمت بأن نهايتي ستكون اليوم. وحتى هذه لم تكن بحجم عدم قدرتي على استيعاب، كيف ولماذا وصلت إلى هذه النهاية. كثيراً ما كنت أقف لأتأمل الأخدود العريض الذي يسير به القطار في أنفاق لندن، محدقاً في التفاصيل التافهة، واللامجدية، مقرراً في داخلي أنني في المرة القادمة سأقفز بين القضبان الحديدية محاولاً لمس الجدار المقابل، أو مطارداً فأر الأنفاق الذي يخرج من مكان مجهول في أرضية الأخدود الرمادية الداكنة، وكعادتي لا أكتفي بنفسي في هذه الشطحات، بل كثيراً ما أشرك فيها من لا يحالفه حظه العاثر للوقوف بجانبي لأمنحه بعضاً من عناصر الانتفاخ الصفني الذي لا يمتاز به إلا قلة من البشر في هذا العالم. لم أكن أعلم بأن النهاية ستكون مشابهة لذلك الفأر مقطوع الذيل الذي قفز هارباً من القطار القادم من غياهب النفق، أن تنتهي قطع من الفتات اللحمي المتناثر في أنفاق لندن نتيجة موضة الإرهاب الجنوني، فذلك قد يكون مدعاة للفخر، كونك ستحمل لقب شهيد، بغض النظر عن نوعية الإله الذي تكن له بأحقية أن يرهبك وأنت مبتسم، ولكن أن يقذف بك القدر الإلهي في الأخدود وأنت لم تكمل الثلاثين فتلك مصيبة بكل المقاييس، حتى بالنسبة للفأر القابع في النفق لأنه سيعاني في إيجاد فتحة بيته، بين أكوام لحمك المهشم. لكن أعود لأقول بأن النهاية لم تكن هنا، وأنا على سرير أبيض في غرفة بيضاء، عشرات من الأنابيت والأسلاك تتصل بجسدي المفتت، أصوات الآلات التي تبقيني حياً إمعاناً في المزيد من العذاب، النهاية كانت قبل ثلاثة عشر عاماً، ففي بعض الأحيان تكون البداية التي تعتقد في غمرة غرورك أنها متألقة، ما هي إلا النهاية التي تريد أن تصل إليها دون أن تعلم. وما البداية سوى نهاية فاقدة الهوية، فالنهاية دائماً معنا. إذن فلنقل أن البداية تجاوزاً كانت في صباح رمادي في كلية الطب البشري بطرابلس نهاية سنة 1993، أقف بجانب الأصدقاء بالقرب من مبنى الإدارة البني حيث ستظهر أسماء الطلبة المنسبين للكلية للعام الجديد وجدول الدراسة للسنة الأولى، مؤيد، رفيق المدرسة الثانوية الذي كان حينها وقبل أن تصيبه اللعنة كثيف شعر الرأس، يحاول أن يبحث عن قداحة ليتبين على نور لهبها أسمه في القوائم المعلقة. حسن الذي جاورني بنفس المقعد طيلة السنة النهائية بمدرسة علي وريث الثانوية يحاول أن يحدثني عن أهمية أن نكون معاً في مجموعة واحدة حتى يتسنى لنا قضاء وقتاً ممتعاً طيلة العام. ولكنني لم أجد راحة في هذا اليوم الأول، فقلق البداية كان يعتريني، حتى أنني حاولت وأنا أخرج من البيت صباحاً أن أبدو بقدر الإمكان أنيقاً وهو ما أفشل فيه دائماً، إلا أنني بدوت كمثل من يريد أن يكون والده ولكنه لا ينجح إلا في أن يكون جارهم القبيح. صحت في مؤيد المتشبث بحافة النافذة، محاولاً درء التوتر الذي ينمو بداخلي، “هل ترى شيئاً يا مؤيد..؟!!”.. أردف وهو يمعن النظر بالأوراق المعلقة بالنافذة “لا شيء بعد، يبدو أننا بكرنا بالمجئ”. وقفنا ننتظر شروق هذا اليوم.
*
أحاول أن أفيق ولكن النوم ينزل على رأسي، يترك حركتي متثاقلة، في هذه الساعة المبكرة من الصباح، لا أحد يأتي، الأسبوع الأول مرّ سريعاً، دونما فائدة تذكر، الجميع بدأ في تشكيل علاقاته مع الآخرين، ولكن في ذلك الصباح لم أكن أدري أن اللعنة قد بدأت بالتشكل من وراء الغيوم، ولم يخطر على بالي أن أسم بدايتها سيكون كائن رقيق يدعى مي. سيقول البعض أنها كانت علاقة مراهقة لفتى وفتاة لم تكن لهما علاقة سابقة، والبعض الآخر سيتطرف ويعتبرها لم تكن علاقة بالمرة كونها لم تبدأ لتنتهي، لكنني تواطأت مع البعض الآخر في جعل الأشهر الأربع والنصف القادمة بحجم السنوات الأربع والنصف التي تلتها في محاولة مني للشفاء منها. كانت تقف عند عتبة باب الفصل الذي كنا ندرس به محاضرات اللغة الإنجليزية الأكاديمية، لم ألق بالاً بها، وكعادتي أثبت فشلي المخزي في علاقاتي مع الفتيات. في اليوم الرابع كنت جالساً بجانب حسن في محاضرة اللغة الانجليزية، وكان لحسن كعادته دائماً أسلوب مميز في التودد للفتيات، كانت مي تجلس بجانبه من الجهة الأخرى، يتحدث معها وأنا أدعي الصمت الحكيم، والذي لطالما فسره الكثيرون بأنه كبرياء وغرور أخرق. “إذن أين تسكنين..؟” قال حسن سائلاً (مي). أجابت بصوت ناعم وخجول “حي الأندلس.. بالقرب من محلات حلويات (الياسمين)”. عندما ذكرت مي حلويات (الياسمين) سرى في داخلي شعور بالنشوة، انتفضت ونظرت تجاهها وغمغمت “أحقاً تسكنين بالقرب من (الياسمين)..؟!!”. لم تلتفت لي ولكنها واصلت تصفح الدفتر الذي بين يديها، وقالت “نعم، وأعرف أنك تسكن هناك كذلك” تدخل حينها حسن “أنتما جيران ولا تعرفان بعضكما.. هذا أمر عجيب”، سألتها “من تكونين.. أقصد ما أسمك بالكامل؟!”.. في تلك اللحظة نظرت إلى بعينين خجلتين وأجابت “أسمي مي أبنة الدكتور علي الشريف”.. “نعم، نعم بكل تأكيد، عرفت الآن البيت، سمعت أن أباك مريض، أرجو أن يكون بخير”.. أشاحت مي نظرها وراحت تعبث بالدفاتر والأقلام وتمتمت بألم “أرجو أن يكون بخير”.
*
كان ماجد قد عرف طريقه للجنة من قبل، ولكن هذه الجنة الجديدة التي داخلته في يومه الأول لم تكن من ذلك النوع الذي خبره، بيضاء ممتلئة، تتفتق عيناها عن شهية لا تكتفي بالإغواء، مع مسحة من طفولة أليفة ما تزال تصبغ مساحة من وجهها، كانت سوزان محط أنظار الجميع منذ أول يوم، ليس فقط لجمالها أو فتنتها ولكن لجرأتها في التعامل مع الجميع بدون التحفظات التي نشأنا عليها نتيجة الفصل بين الذكور والإناث في معظم المدارس الليبية، بدت سوزان للجميع اكتشاف لمعنىً مغاير للأنثى مختلف عن المعنى الذي خبرناه في أسرنا بين الأمهات والجدات والأخوات وباقي التأت المحرمات على انظارنا الشبقة. وبدا واضحاً أن ماجد وسوزان سيترفقان في رحلة الطب الطويلة، على الرغم من الشكوك العديدة، التي حامت فوق الرؤوس. وبنظراته النزقة وعبثيته الرجولية كان ماجد يثير الكثير من التساؤلات حول شخصيته الغريبة، فمع بداية الدراسة كان يأتي مرتدياً ملابس والده ذات الموديلات القديمة، واستعار قصة شعر شبابية. التحالفات التي عقدت بين مجموعة الشباب والفتيات كانت قريبة من الطبقة والخلفية الاجتماعية المتشابهة. إلا أنه في البداية لم تكن الفوارق واضحة، فكان الجميع يصادق الجميع، على الرغم من الاختلافات الاجتماعية والثقافية.
*
صباح مظلم، صباح ممطر، أقترب من مبنى كلية الطب الرئيسي عن طريق غابة الزيتون واللوز التي تفصلها عن كليات الهندسة، والعلوم والزراعة، أعرف أنني تأخرت عن محاضرة الثامنة، أقرر أن أمضي ساعتي الصباح في المقهى الذي نطلق عليه مقهي الجلد نظراً لتوفر كراسي جلدية مريحة به، أدخل وقد تبللت بعض الشيء من المطر المتساقط، ولكنني لا أعبء، أتخير حلقة من الكراسي بالقرب من الباب، ألقي حقيبتي وأجلس منتظراً أن أستوعب هذا الصباح، تمر عدة ثواني، بضع دقائق، من الظلام خارج الواجهة الزجاجية، ألمح شبحاً يقترب، “يبدو أن أحدهم منح لنفسه إجازة هذا الصباح، وأستيقظ متأخراً” حدثت نفسي، ظهرت مي من وراء الظلام، ودخلت المقهى، كانت ترتدي معطفاً رمادياً فاتحاً، متقية المطر بقبعة المعطف ذات الحاشية الفرو، وقفت لثواني، ربما لتستوعب الصباح هي الأخرى، نظرت حولها، مدت يدها كاشفة رأسها ووجها القمري من تحت القبعة، كعادتي كنت ما أزال أحاول معرفة لما هذه الفتاة على الرغم من روعتها وطفولتها البريئة يرهقها حزن جميل، لمحتني، ومنحتني ابتسامة رقيقة، منحتها ابتسامة خجولة، اقتربت، وقفت، “صباح الخير مؤنس” قالت بصوت تغشاه بقية من نوم، رددت “صباح الخير مي، كيف حالك اليوم؟” ، “أنا بخير، لقد تأخر أخي في الخروج لتوصيلي هذا الصباح، لذا لم أصل في موعد المحاضرة الأولى، لكن ماذا عنك أنت؟” “آه، لا أدري، ربما تأخرت في السهر ليلة البارحة” لم أشأ أن أخبرها أنها رائعة هذا الصباح وأنني بقيت ساهراً البارحة وأنا أحاول أن أفهم لما أنا متعلق بها، ولما أصدقائي المتدينين منحوني درساً في الترهيب من النظرة المحرمة، وحكم الإختلاط في الجامعات، وأنني ظللت الليل بطوله وأنا أستغفر وامنح لنفسي المبررات على انتهاكاتي المتكررة طيلة المدة الماضية، “مؤنس، هل أنت بخير؟” سمعتها تعيدني إلى أرض البشر، “أمم ماذا؟ هل هناك شيء؟”. سكتت، وسكت، هكذا نحن، كنا نلتقي لوحدنا ليجمعنا الصمت، كنا نجد سهولة في التحادث بجانب، الآخرين، أنا بصحبة ماجد وهي بصحبة سوزان، على الرغم من تناقض الشخصيات، سألتني بفتور “هل تناولت فطورك، أعني هل تريد أي شراب ساخن من المقهى، أترغب ببعض الشاي”، “حسناً الشاي الخفيف سيكون جيداً” ذهبت لتحضر قدحين من الشاي وتركتني أحارب شياطين الشك التي تحوم فوق رأسي السقيم، تبعتها بنظراتي، راقبت، حركتها البسيطة، والخجولة، تمتمت بصوت خافت “يبدو أنني سأحبك”.
وضعت مي كوبي الشاي على الطاولة التي أمامنا، كان البخار يتصاعد من السطح البني المحمر، مدت يدها إلى إناء السكر وراحت تذيب ثلاث ملاعق صغيرة من الحبيبات البيضاء الدقيقة، حركت الملعقة في الكوب عدة مرات محدثة صوتاً رناناً في كل مرة، تجرعت أول رشفة من الشاي، لاحقت شفتيها القانيتين، ممرراً عيني ناحية وجنتيها الورديتين، مقترباً من ملامسة أنفها الدقيق، لكن عيناها البنيتان وقفتا حائلاً أمام وصولي إلى جبينها الناصع، هربت بعيني إلى واجهة المقهى الزجاجية أتابع قطرات المطر المتساقط ومن ورائه رمادية الصباح تبدأ بالشروق. نظرت إليها مجدداً لألمح مسحة الحزن الأليف تعود لتغطي وجهها. “كيف حال أباك، أرجو أن تكون صحته بخير؟” سألتها بنبرة حاولت أن تكون مواسية، لكنها خرجت جوفاء، وضعت كوبها على الطاولة، ابتعدت بنظراتها إلى البخار المتصاعد من كوبي، الذي لم ألمسه بعد، وقالت “لم تلمس شايك بعد، إن تركته سيبرد ويفقد طعمه ومفعوله الدافئ”. لم أعر اهتماماً محاولتها لتغيير الموضوع، ولكنني لم أشأ أن اكدر عليها صباحها، لذا أمسكت بالكوب الدافئ، وأرتفشت السائل البني في مرة واحدة وبدون سكر. “أحبه بلا سكر، هذه عادتي منذ زمن” قلت وأنا أضع الكوب الفارغ على الطاولة، أنتظرت منها تعليقاً ما ولكنها آثرت الصمت. عدت إلى تأملها وأنا أحس مرارة الشاي الذي تجرعته تتلاشى تدريجياً في حلقي، “لقد وصل إلى العظام..!” قالت، أردفت “ماذا..؟”، “لقد أخبرنا الطبيب أن السرطان قد انتقل من رئتيته إلى العظام وأنه لم يتبق له من أمل إلا العلاج الكيماوي، لم نعد ندري ما الذي سنقوم به، العلاج قد يأخذ وقتاً ولكن الأمل ليس كبيراً” راحت تسرد علي حالة والدها المريض بالسرطان وقد استرخت على الكرسي ملقية رأسها للخلف محدقة بالسقف المعلق، بدت المرارة في حلقي بالعودة، مرارة ليس فيها أثر للشاي الذي ارتشفت. حدقت بالسقف، وحاولت نطق شيء ما، ولكن الكلمات تعلقت في سقف الحلق، رحت أبربر “سيكون بخير أطمئني، بإذن الله سيشفى” أحسست بالغثيان من كلماتي المواسية بلا أمل، أحسست وكأنني أقول لها، أطمئني فوالدك سيموت وأنا لا أملك أن أفعل شيئاً، وأن الخير لن يأتي لمريض بالسرطان في مراحله الأخيرة، وأن كل كلمات المواساة سخيفة وليست لها حياة. أردت أن أخبرها المزيد ولكنني كعادتي أمامها، التحفت بصمتي المخزي.
*
هكذا أذوب في الذهول، أرفع بصري للسقف، لا ألمح إلا جسدي المستلقي على نعومة الحلم. اقترب من وجهي القديم، استرق السمع لصرختي التي أطلقتها يوم قررت أن اللعنة ستحل على خرابي، وأن لا شيء سيجدي سوى الاستسلام لها. يصلني الصوت شاحباً، يفتح الباب، اسمع خطوات تقترب، ألمح شبح الممرضة، وهي تنحني لتلتقط كيس البول الممتلئ، السائل البرتقالي بداخلها يلمع، أشعر بشد في أنبوب القسطرة البولية الموصل بي، تقترب من وجهي، أحاول الإبتسام ولكنني لا أمنحها سوى المزيد من الانتفاخ، تخرج حقنة وتدسها في أنبوب التغذية، أنتظر لبضعة ثواني، يقترب الظلام، أتساءل لم حل الليل بسرعة. ولكنني لا ألمح إلا ضوءً في البعد يومض.
*

يتبع…