Kurt Vonnegut

مهـــــد القطـــــة: رواية مترجمة (الحلقة التاسعة)

29 رحل، لكنه لن ينسى

كنت اريد القيام بشيء آخر في )إلليوم( قبل مغادرتها. أردت أن التقط صورة لضريح الرجل العجوز. لذا عدت لغرفتي في الفندق، حيث لم أجد ساندرا، أخذت أله التصوير، وطلبت سيارة اجرة.

كان الثلج الخفيف ما يزال يتساقط، لاذع ورمادي. خيل إلي أن شاهد ضريح الرجل العجوز سيظهر بشكل مؤثر في الصورة مع هذا الثلج، وقد تصلح لأن تكون صورة جيدة لغلاف كتابي – يوم أنتهى العالم.

دلني الحارس عند بوابة المقبرة عن الطريق للوصول لمدافق عائلة هونيكير. قال “لا يمكنك تضييعها، ففيها اكبر معلم في المكان.”

لم يكن كاذباً. فالشاهد الحجري كان قضيب مرمري بارتفاع عشرين قدماً وعرض ثلاث اقدام. لقد كان مزداناً بالثلج.

“يا إلهي،”  صحت بينما كنت انزل من السيارة وآلة التصوير بيدي “ألا يليق هذا النصب التذكاري بوالد القنبلة الذرية؟” قلت ضاحكاً.

طلبت من السائق الوقوف بجانب النصب لكي يظهر حجمه بالمقارنة به. ثم طلبت منه أن يمسح الثلج عنه لكي يظهر اسم الميت.

قام بذلك.

وهناك وعلى القضيب ظهرت أحرف بحجم ستة بوصات، الله المستعان، ظهرت كلمة:

الأم

30 نائمة فقط

“الأم؟” تسأل السائق بريبة.

ازلت المزيد من الثلج لكي تظهر هذه القصيدة:

أمي، أمي، كم اصلي
من أجل أن تحرسينا كل يوم.

-          انجيلا هونيكير

وتحت هذه القصيدة كتبت واحدة اخرى،

إنتِ لست ميتة،
ولكنكِ نائمة فقط.
علينا أن نبتسم
ونكف نحيبنا.

-          فرانكلين هونيكير

وتحت ذلك، كان هناك مربع من الاسمنت يظهر عليه بصمة يد طفل صغير. وتحت البصمة الكلمات التالية:

الطفل نيوت.

“إذا كانت هذه الأم،” قال السائق، “فماذا نصبوا فوق الأب؟” موحياً بشكل فاحش لما قد يكون النصب المناسب للأب.

وجدنا الأب بالقرب. كان تذكاره- كما حددته وصيته، التي اطلعت عليها لاحقاً- مكعباً رخامياً بطول اربعين سنتمتراً من كل جهة. كتب عليه:

“الأب”

31 )برييد( آخر

بينما كنا نهم بمغادرة المقبرة، بدا السائق قلقاً عن حالة قبر والدته، وطلب محرجاً أن نمر بسرعة لإلقاء نظرة عليه.

كان شاهد قبر والدته عبارة عن صخرة صغيرة بائسة. وإن كان ذلك غير مهم.

ثم سألني السائق إن لم امانع بالمرور هذه المرة على محل شواهد الاضرحة على الجانب الآخر من الطريق إلى المقبرة.

في ذلك الوقت لم أكن بوكونونياً، لذا وافقت بامتعاض. فالبوكونوني، طبعاً، سيوافق بسرور بالذهاب إلى أي مكان يقترحه أياً كان. وكما قال بوكونون: “مقترحات السفر الغريبة هي دروس إلهية للرقص”

كان اسم محل شواهد الاضرحة (افرام برييد وابناؤه). وبينما تحدث السائق مع موظف المبيعات، تجولت بين الشواهد والنصب – نصب فارغة، نصب تذكارية للاشيء بعد.

وجدت طرفة مهنية في حجرة العرض عبارة عن تمثال لملاك حجري معلق حوله دبق. وتحت قاعدته تراكمت أغصان الارز، ووضعت قلادة من مصابيح شجرة عيد الميلاد حول عنقه الرخامي.

“بكم هذا الملاك؟” سألت البائع.

“ليس للبيع. عمره مائة عام. لقد قام جدي الأكبر، افرام برييد بنحته.”

“هل المحل بهذا القدم؟”

“نعم.”

“وهل أنت من عائلة برييد كذلك؟”

“نعم، رابع جيل في نفس هذا المحل.”

“هل لك صلة قربى بالدكتور (آسا برييد)، مدير مختبر الابحاث؟”

“إنه أخي.” وذكر أن اسمه هو مارفين برييد.

“عالم صغير حقاً،” اردفت قائلاً.

“هو كذلك عندما تضعه في مقبرة”  بدا مارفين برييد رجلاً أنيقاً وخشن، حذق وعاطفي.      (يتبع)
________________
* للاطلاع على كامل اجزاء الرواية السابقة اضغط هنـــــــــــــــــــا

مهـــــد القطـــــة: رواية مترجمة (الحلقة الثامنة)


23 آخر دفعة من البراونيز

لقد كان الدكتور (برييد) مخطأ بشأن شيء واحد على الاقل: هناك شيء اسمه الجليد-تسعة. والجليد-تسعة موجود على الارض.

كان الجليد-تسعة آخر هدية ابدعها فيليكس هونيكير للبشرية قبل أن ينال جزاءه العادل.

لقد صنعه دون أن يدري أحد ما الذي يقوم به. صنعه دون أن يترك وثائق تدل على ما قام به. 

لقد احتاج إلى استعمال ادوات دقيقة لتنفيذ اختراعه، ولكنها كانت متوفرة في مختبر الابحاث. كان على د. هونيكير أن يمر على جيرانه المختبريين – لاستعارة هذا وذاك، كان عليه ازعاج جيرانه بابتهاج— حتى استطاع ، إن جاز التعبير، خبز الدفعة الاخيرة من كيك البراونيز.

لقد صنع شظية من الجليد-تسعة. كانت زرقاء-بيضاء اللون. وكانت لها درجة ذوبان تصل إلى مائة واربعة عشر فاصلة اربعة درجة فيهرنهايت.

وضع فيليكس هونيكير الشظية في زجاجة صغيرة، ووضع الزجاجة في سترته. وذهب لكوخه في منطقة (كيب كود) مع ابنائه الثلاث، وفي نيته أن يحتفلوا بأعياد الميلاد هناك.

كانت انجيلا في الرابعة والثلاثين. وفرانك في الرابعة والعشرين. ونيوت الصغير في الثامنة عشر.

توفي الرجل العجوز عشية عيد الميلاد، بعد أن اخبر ابنائه عن الجليد-تسعة.

وقام ابناؤه بتقسيم الجليد-تسعة بينهم.

24 ما هو الـ (وامبيتير)

وهو ما يجعلني أصل إلى المفهوم البوكونوني المعروف باسم الــ(وامبيتير).

الوامبيتير هو اساس (الكاراس). يذكّرنا بوكونون أن لا كاراس بدون وامبيتير، كما لا عجلة بدون محور.

أي شيء يمكنه أن يكون وامبيتير: شجرة، صخرة، حيوان، فكرة، كتاب، لحن موسيقي، الكأس المقدسة. ومهما يكن، فإن اعضاء كاراسه يطوفون حوله في الفوضى المهيبة لسديم ملولب. وبطبيعة الحال فإن مدارات اعضاء أي كاراس يطوفون حول الوامبيتير المشترك، هي مدارات روحانية. إنها الارواح لا الاجساد التي تطوف. كما يدعونا بوكونون للغناء:

ندور وندور وندور حوله،
باقدام من رصاص واجنحة من قصدير.

ويأتي وامبيتير، ويمضي وامبيتير، كما يذكر بوكونون.

وفي أي وقت ما، فإن للكاراس وامبيتيرين، واحد يزداد وآخر يتناقص في الاهمية.

وأكاد اجزم أنني بينما كنت اتحدث مع د. برييد في إيليوم، فإن وامبيتير كاراسي البادئ في التفتح هو ذلك النوع البلوري من الماء، تلك الجوهرة الزرقاء-البيضاء، بذرة الهلاك تلك، المسماة الجليد-تسعة.

بينما كنت اتحدث مع د. برييد في إيليوم، كان في حوزة انجيلا، فرانكلين، ونيوت هونيكير بذوراً من الجليد-تسعة، بذوراً نمت من بذرة والدهم—شظايا، بشكل ما، اخذت من الكتلة القديمة.

كنت جازماً، أن ما سيحدث لتلك البذور الثلاث، سيكون مصدر قلق رئيسي لكاراسي.

25 الشيء الاساسي حول د. هونيكير

دعنا حاليا من التحدث عن وامبيتير كاراسي.

فبعد مقابلتي غير السارة مع د. برييد في مختبر الابحاث التابع للشركة العامة للسبك والمعادن، تسلمتني الانسة فاوست. التي كانت لديها تعليمات بأن تقودني إلى الباب الخارجي. إلا أنني استطعت اقناعها بأن تجعلني ازور قبلها معمل الراحل د. هونيكير.

في الطريق إلى المعمل، سألتها ما مدى معرفتها بالدكتور هونيكير. لتقدم لي اجابة صريحة ومثيرة، مرفوقة بابتسامة لاذعة.

“لا اعتقد أنه كان قابلاً للمعرفة. اعني أن معظم الناس عندما تتحدث عن معرفة شخص ما بشكل كبير أو قليل، فإنها تتحدث عن اسرار قيلت أو لم تقال لهم. إنهم يتحدثون عن أشياء حميمة، عن الاسرة، الحب،” وتابعت السيدة اللطيفة قولها. “لقد كان لدى د. هونيكير جميع هذه الاشياء في حياته، مثلما هو الحال مع كل شخص، ولكنها لم تكن اشياءً اساسية في حياته.”

“ماذا كانت الاشياء الاساسية؟” سألتها.

“كثيراً ما يقول لي د. برييد بأن الشي الاساسي للدكتور هونيكير هو الحقيقة.”

“يبدو أنك لا توافقينه الرأي.”

“لا ادري إن كنت أوافقه أم لا. إنني فقط أجد صعوبة في استيعاب كيف تكون الحقيقة، لوحدها فقط، كافية لأي شخص.”

لقد كانت الانسة فاوست جاهزة لتلقي الرسالة البوكونونية.

26 ما هو الله

“هل سبق إن تحدثت للدكتور هونيكير؟” سألت الانسة فاوست.

“أوه، بالطبع. لقد تحدثت معه كثيراً.”

“هل علق في ذهنك أي من تلك الاحاديث؟”

“اتذكر في أحد المرات عندما راهنني أنه لا يمكنني أن اذكر أي حقيقة مطلقة. لذا فقد قلت له، “الله هو الحب.”

“وبماذا اجابك؟”

“قال لي، “ما هو الله؟ ما هو الحب؟”

“اممممم.”

“ولكن اتدري إن الله هو الحب حقاً،” قالت الانسة فاوست “بغض النظر عما قاله د. هونيكير.”

27 الرجال من المريخ

كانت الغرفة التي استعملها د. فيليكس هونيكير كمختبر في الطابق السادس، أعلى طوابق المبنى.

كان هناك شريط بنفسجي يقطع مدخله، وعلقت لوحة نحاسية على الجدار توضح سبب تقديس هذه الغرفة:

في هذه الغرفة، قضى، د. فيليكس هونيكير الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء،
السنوات الثماني والعشرين الأخيرة من حياته.
“حيثما كان، وجدت حدود المعرفة.”
لا يمكن قياس أهمية هذا الرجل الوحيد في تاريخ البشرية.

عرضت الانسة فاوست أن تزيل الشريط البنفسجي لأجلي حتى اتمكن من الدخول والسير بشكل حميمي مع أي من الاشباح بالداخل.
فوافقت على ذلك.

“إنه كما تركه تماماً،” اردفت قائلة “سوى أن هناك الكثير من الاربطة المطاطية المبعثرة فوق المنضدة.”

“اربطة مطاطية ؟!”

“لا تسألني لماذا. لا تسألني لما كل هذا.”

لقد ترك الرجل العجوز المختبر في حالة فوضى. ولكن ما استرعى انتباهي مباشرة هو كمية اللعب الرخيصة الملقاة في كل مكان. كانت هناك طائرة ورقية مكسورة. كان هناك خذروفاً بخيط ملفوف في حالة استعداد لأن يدور محافظاً على توازنه. كان هناك انبوباً لنفخ الفقاقيع. كان هناك حوض للاسماك يحوي قصراً صغيراً وسلحفتين.

“كان يحب محلات (العشر سنتات) الرخيصة،” قالت الانسة فاوست.

“استطيع تخمين ذلك.”

“لقد اجرى بعض من أشهر تجاربه باستخدام ادوات كلفت أقل من دولار واحد.”

“قرش تدخره هو قرش تكسبه.”

بالطبع كان هناك العديد من الادوات المختبرية التقليدية ايضاً، ولكنها بدت مثل الكماليات الباهتة بجانب اللعب الرخيصة والمرحة.
كان هناك كومة من الرسائل على مكتب د. هونيكير.

“لا اعتقد أنه قام بالاجابة على أي رسالة، كان عليهم أن يتحدثوا معه إما على الهاتف أو يأتوا لرؤيته شخصياً إن ارادوا الحصول على اجوبة.”

كان هناك صورة مبروزة على المكتب. كانت خلفيتها تواجهني لذا فقد حاولت تخمين لمن تكون الصورة. “هل هي لزوجته؟”

“كلا.”

“أحد ابنائه؟”

“كلا.”

“صورة شخصية له؟”

“كلا.”

لذا فقد نظرت إليها. لأجد أنها صورة لنصب تذكاري متواضع أمام مبنى محكمة لمدينة صغيرة. كان جزء من النصب يظهر لوحة احتوت على اسماء القرويين الذي قتلوا في الحروب المتعددة، وخمنت أن اللوحة لا بد ان تكون السبب وراء الصورة. كان بامكاني قراءة الاسماء، وظننت أنني سأجد اسم عائلة هونيكير بينها. ولكنه لم يكن ضمنها.

“كانت تلك احد هواياته،” قالت الانسة فاوست.

“وما هي؟”

“تصوير كيف يتم ترتيب كرات المدفعية فوق بعضها أمام شرفات المحاكم المختلفة. وعلى ما يبدو أن طريقة ترتيبها في هذه الصورة غير مألوفة.”

“حسناً، يمكنني رؤية ذلك.”

“لقد كان رجلاً غريب الاطوار.”

“اتفق معك.”

“ربما بعد مليون سنة سيصبح الجميع اذكياء مثله ويفهموا الاشياء بنفس طريقته. ولكن بالمقارنة مع الشخص العادي اليوم، فقد كان مختلفاً كاختلاف رجل من المريخ.”

“ربما كان مريخياً،” اقترحت قائلاً.

“ربما هذا بالتأكيد ما يفسر بشكل واضح غرابة ابنائه الثلاث.”

28 مايونيز

بينما كنت انتظر قدوم المصعد مع الانسة فاوست ليقلنا إلى الطابق الأول، قالت الانسة فاوست أنها تأمل أن لا يكون المصعد القادم هو الرقم خمسة. وقبل أن اسألها لما تتمنى ذلك، كان المصعد رقم خمسة قد جاء.

كان مشغل المصعد رجلاً زنجياً صغيراً وهرماً اسمه (لايمن انديرس نولز). لقد كان نولز مجنوناً، أكاد اجزم بذلك، حيث كان يمسك مؤخرته ويصرخ “نعم، نعم!” كلما احس أنه قد ذكر فكرة ما.

“مرحباً، بزملائي البشر، وأوراق الزنبق المائي، وعجلات التجديف،” قال مخاطباً أياي والانسة فاوست. “نعم، نعم!”

“الطابق الأول من فضلك،” قالت الانسة فاوست ببرود.

كل ما يجب على نولز فعله لاغلاق الباب وايصالنا إلى الطابق الاول هو الضغط على الزر. ولكنه لم يكن ينوي القيام بذلك بعد. وربما لم يكن يريد القيام بذلك لعدة سنوات.

ثم تابع قائلاً “لقد اخبرني احد الرجال أن هذه المصاعد صممت بحسب معمار (المايا). لم اكن اعرف ذلك حتى اليوم. وقد قلت له، “هل يعني ذلك أنني مايونيز؟” نعم، نعم! وبينما كنت افكر في ذلك، ألقيت عليه سؤالاً جعله يستفيق ويفكر مرتين بشدة! نعم، نعم!”

“هل من الممكن أن توصلنا للاسفل يا سيد نولز؟” قالت الانسة فاوست متوسلة.

تابع نولز قوله “قلت له إن في هذا المكان يوجد مختبر للبحث. والبحث يعني اعادة النظر أليس كذلك؟ يعني أنهم يبحثون عن شيء عثروا عليه مرة واحدة ولكنهم اضاعوه بطريقة ما، والآن عليهم اعادة البحث عليه؟ إذن كيف يمكنهم انشاء مثل هذا المبنى بهذا الشكل، بما فيها مصاعد المايونيز وكل شيء، وملأها بكل هؤلاء المجانين؟ ما الذي يسعون للعثور عليه مجدداً؟ من اضاع ماذا؟” نعم. نعم!”

“ذلك شيء مثير للاهتمام” زفرت الانسة فاوست وتابعت “والآن هل من الممكن أن ننزل؟”

صرخ نولز قائلاً. “الاتجاه الوحيد الممكن هو النزول للاسفل، فنحن في الاعلى. فلو طلبت أن نصعد للاعلى فإنني لا استطيع القيام بذلك. نعم، نعم!”

“إذن لننزل للاسفل،” قالت الانسة فاوست.

“قريباً جداً. هل كان هذا الرجل يزور الدكتور هونيكير؟”

اجبته قائلاً “نعم، هل كنت تعرفه؟”

رد قائلاً “بحميمية، هل تعرف ماذا قلت حين توفي؟”

“كلا.”

“قلت “الدكتور هونيكير ليس ميتاً.”

“حقاً؟”

“لقد انتقل إلى بعد آخر. نعم، نعم!” ولكز الزر، ورحنا ننزل للاسفل.

“هل كنت تعرف أطفال هونيكير؟” سألته قائلاً.

اجاب “الاطفال ممتلؤن بالسعار. نعم، نعم!”
(يتبع) >>>>
______

مهـــــد القطـــــة: رواية مترجمة (الحلقة السابعة)

19  لا مزيد من الوحل

قلت للدكتور برييد “هل تقصد أن لا أحد في هذا المختبر قد أطلع الاخرين على ما يقوم به؟ وأن لا أحد قد اقترح عليهم ما يجب أن يقوموا به؟”

“الجميع يقترح الكثير من الاشياء في كل وقت، ولكنه ليس من طبيعة المتخصص في البحوث المحضة أن يلتفت لهذه المقترحات. فرأسه مليئة بمشاريعه الخاصة، وهذه هي الطريقة التي نحبذها.”

“هل حاول أي شخص اقتراح بعض المشاريع على الدكتور هونيكير؟”

“بالتأكيد، لقد حاول جنرالات وادميرالات بشكل خاص. لقد كانوا ينظرون إليه كاحد السحرة والذي بامكانه جعل امريكا لا تقهر بتلويحة من عصاه السحرية. لقد قاموا، ومازالوا، بتقديم جميع انواع المشاريع الغبية. الخلل الوحيد في هذه المشاريع أنه، وبالنظر لحالة المعرفة التي لدينا اليوم، لا يمكن تنفيذها. إن العلماء من أمثال الدكتور هونيكير ينتظر منهم أن يملئوا الفراغات. اتذكر وقبل وفاة فيليكس بفترة قصيرة، أن احد جنرالات المارينز كان يطارده لكي يقوم بشيء عن الوحل.”

“الوحل؟”

“نعم، يبدو أن مشاة البحرية وبعد ما يقارب المائتي عام من التمرغ في الوحل، قد فقدوا صبرهم،” تابع الدكتور برييد قائلاً “يبدو أن الجنرال، بالنيابة عن مشاة البحرية، رأى أن احد جوانب التطوير هي أن لا يجبر المارينز على القتال في الوحل.”

“وما الذي كان يفكر فيه الجنرال؟”

“اختفاء الوحل. لا مزيد من الوحل.”

اردفت محاولاً التفسير “أعتقد أن ذلك قد يكون ممكناً بواسطة جبال من احد انواع المواد الكيميائية، أو اطنان من احد انواع الآليات…”

“ما كان يفكر فيه الجنرال هو اختراع حبة دقيقة، أو آلة صغيرة. فلم يكن المارينز مستأين من الوحل، ولكنهم كانوا مستأين من حمل معداتهم الثقيلة على ظهورهم. كانوا يريدون شيئاً – صغيراً – لحمله من أجل التغيير.”

“وماذا كان رد الدكتور هونيكير؟”

“لقد اقترح فيليكس باسلوب هزلي، وكل أساليبه كانت هزلية بشكل ما، أنه من الممكن وجود حبيبة واحدة من شيء ما – ومن الممكن ان تكون حبيبة ميكروسكوبية – بإمكانها تحويل مساحات لانهائية من الطين، والمستنقعات والجداول واحواض المياه والرمال المتحركة والوحل إلى شيء بصلابة هذا المقعد.”

وطرق د. برييد المقعد بقبضته المتغضنة. كان المقعد المعدني يشبه الكُلية في شكله ومطلي بالأخضر الباهت. “سيمكن لجندي واحد من المارينز أن يحمل ما يكفي من هذه المادة لتحرير كتيبة مدرعة غرزت في أحد المستنقعات. وبحسب فيليكس، فإن جندياً بحرياً واحداً بإمكانه حمل ما يكفي من هذه المادة تحت ظفر أصبعه الاصغر.”

“هذا مستحيل!”

“بامكاننا جميعاً قول ذلك. ولكن بالنسبة لفيليكس، وباسلوبه الهزلي، لقد كان الأمر ممكناً بالكامل. إن معجزة فيليكس – وإنني ارجو أن تذكر ذلك في موضع ما من كتابك – تكمن أنه كان دائماً يقارب المعضلات القديمة وكأنها جديدة بالمرة.”

“أشعر الآن وكأنني مثل فرانسين بيفكو،” أردفت قائلاً “وجميع الفتيات في حوض الفتيات أيضاً. لا أعتقد أنه كان بامكان د. هونيكير أن يفسر كيف أن شيئاً يمكن حمله تحت ظفر الاصبع سيحول مستنقع ما إلى شيء صلب مثل مقعدك.”

“لقد أخبرتك سابقاً كيف كان فيليكس مفسراً جيداً…”

“وإن يكن…”

“لقد استطاع شرح الموضوع لي،” تابع د. برييد قائلاً، “وأنا على ثقة أنه كان سيشرحه لك أيضاً. معضلة تحرير مشاة البحرية من الوحل – أليس كذلك؟”

20 الجليد – تسعة

“هناك عدة طرق، لتحول سوائل معينة إلى بلورات – أي أنها تتجمد – عدة طرق لكي تتراكم ذراتها وتنغلق بطريقة مرتبة وصلبة.” تابع د. برييد قوله.

دعاني الرجل العجوز بيديه المرقطتين لكي افكر في الطرق العديدة التي تترتب فيها كرات المدفعية فوق بعضها في حديقة المحكمة، والطرق العديدة لترتيب البرتقال فوق بعضه في صندوق.

“وكذلك الحال مع ذرات البلورات ايضاً، فقد يكون للمادة نفسها نوعين مختلفين من البلورات التي تتميز بخواص فيزيائية مختلفة.”

أخبرني عن المصنع الذي يقوم بتنمية بلورات ضخمة من مادة الايثيلين دايامين تارتريت. وذكر أن البلورات كانت مفيدة في بعض العمليات الصناعية المحددة. ولكن اكتشف المصنع في احد الايام أن البلورات التي يقوم بتنميتها لم تعد تظهر الخواص المرغوبة. لقد بدأت الذرات في الترتب والانغلاق – والتجمد – باشكال مختلفة. فبينما لم يتغير السائل الذي يتبلور، فإن البلورات التي تكونت، كانت بالمفهوم الصناعي العملي محض نفايات.

ما حدث ما يزال يعتبر سراً غامضاً. إلا أن الشيء الخبيث نظرياً، هو ما اطلق عليه د. برييد اسم “البذرة.” وما عناه هنا، هو تلك الحبة الدقيقة من التصميم البلوري غير المرغوب. إن البذرة، التي يعلم الله وحده من أين جاءت، علمت الذرات طريقة جديدة للتراكم والاتحاد، للتبلور والتجمد.

“والآن فكر مجدداً بكرات المدفعية على حديقة المحكمة أو بالبرتقال في الصندوق،” قال مقترحاً. وساعدني في تخيل أن نمط ترتيب الطبقة السفلية من كرات المدفعية أو من البرتقال يحدد كيف ترتبت واتحدت كل طبقة أعلى منها. “الطبقة السفلى هي البذرة التي تترتب فوقها كل كرة مدفع أو برتقالة تأتي بعدها، حتى عدد لا نهائي من كرات المدفعية والبرتقال.”

وتابع د. برييد شرحه باستمتاع، “والآن تخيل أن هناك طرق عديدة يمكن للماء أن يتبلور، أن يتجمد. تخيل أن نوع الجليد الذي نتزحلق عليه ونضعه في الشراب – وهو ما يمكن أن نطلق عليه الجليد-واحد – وأنه احد انواع الجليد المتعددة. ولنفترض أن الماء يتجمد دائماً على الارض في شكل الجليد-واحد لأنه لم يكن لديه بذرة لتعلمه كيف يكون الجليد-اثنين، الجليد-ثلاثة، الجليد-اربعة…؟ ولنفترض أن،” تابع قوله وهو يضرب المقعد بيديه المتغضنتين مجدداً. “هناك شكل آخر، والذي سنطلق عليه اسم الجليد-تسعة، وانه عبارة عن بلورة صلبة مثل صلابة هذا المقعد- ويمتلك خاصية الذوبان عن نقطة، لنفترض، مائة درجة فهرينهايت، أو ربما أفضل من ذلك، نقطة ذوبان عند مائة وثلاثون درجة.”

“حسناً، مازلت معك” قلت موضحاً.

إلا أن الهمس في مكتبه الخارجي قاطع شرح د. برييد، كانت الهمسات عالية وعجيبة. كانت اصوات بنات الحوض. كانت الفتيات يتجهزن للغناء في المكتب الخارجي.

وما أن ظهرنا أنا ود. برييد من خلال الباب حتى بدأت الفتيات بالغناء. كل واحدة من الفتيات المائة صنعت ياقة كنسية من قطعة من الورق الابيض المثبتة بمشبك ورقي ليصبحن كفتيات الكورس. كان غنائهن جميلاً.

لقد اصبت بالدهشة والحزن. لطالما كانت يحركني هذا الكنز المستعمل بقلة، الرقة التي تغني بها معظم الفتيات.

لقد غنت الفتيات ترنيمة ” أيتها المدينة الصغرى بيت لحم.” ولن انسى آدائهن للمقطع القائل:

الآمال والمخاوف من كل السنوات معنا هنا هذا المساء.”

21 المارينز يواصلون المسير

عدنا إلى مكتب د. برييد، بعد أن قام بمساعدة الانسة فاوست بتوزيع قطع شيكولاته أعياد الميلاد على الفتيات.

وتابع قوله “إذن أين توقفنا في الحديث؟ آه نعم تذكرت!” وطلب مني الرجل العجوز أن اتخيل مشاة بحرية الولايات المتحدة في مستنقع كريه.

“بينما شاحناتهم ودبابتهم ومدافعهم تتخبط وتغوص في مستنقع ووحل كريه الرائحة.

رفع اصبعاً وغمزني متابعاً حديثه. “ولكن لنفترض، أيها الشاب، أن أحد الجنود كان لديه كبسولة تحوي بذرة من مادة الجليد-تسعة، طريقة جديدة لترتيب واتحاد وتجمد ذرات الماء. فلو ألقى هذا الجندي تلك البذرة في اقرب نقيع…”

“سيتجمد النقيع؟!” خمنت قائلاً

“وجميع الوحل حول النقيع؟”

” سيتجمد؟!”

“وجميع الانقع في الوحل المتجمد؟”

“ستتجمد؟!”

“والبحيرات والجداول في الوحل المتجمد؟”

“ستتجمد؟!”

“أراهنك أنها جميعاً ستتجمد” صاح الدكتور برييد “وسينهض جنود مشاة بحرية الولايات المتحدة من المستنقع ويواصلون المسير!”

22 عضو في الصحافة الصفراء

“هل هناك مثل هذا الشيء؟” سألته قائلاً.

“كلا، كلا، كلا، كلا،” اجاب د. برييد، بعد أن فقد صبره معي مرة اخرى. “لقد اخبرتك كل هذا حتى امنحك تصوراً للطرق الخارقة والحداثية التي قد يستخدمها فيليكس لمقاربة مشكلة قديمة. ما قلته لك قبل قليل هو ما قاله فيليكس لجنرال المارينز الذي كان يطارده بخصوص الوحل.

“لقد كان فيليكس يأكل وحيداً في الكافيتيريا كل يوم. كانت القاعدة أن لا يجلس أحد معه، كي لا يقطع حبل افكاره. لكن جنرال المارينز اندفع وسحب كرسياً بجانبه وبدأ في الحديث معه عن الوحل. ما ذكرته لك هو رد فيليكس الارتجالي.”

“هل تعني أنه لا يوجد شيء مثل ذلك؟”

“لقد اخبرتك أنه لا يوجد شيء مثل ذلك!” صاح د. برييد بحدة. “لقد توفي فيليكس بعد ذلك الحدث بقليل! ولو كنت منتبهاً لما كنت احاول ذكره لك حول رجال البحث العلمي المحض، لما طرحت مثل هذا السؤال! رجال البحث العلمي المحض يشتغلون على ما يسحرهم، لا ما يسحر الاخرين.”

“مازلت أفكر في المستنقع…”

“بامكانك التوقف عن التفكير فيه! لقد اردت اثبات وجهة نظر وحيدة من المستنقع.”

“لو أن الجداول المنسابة في المستنقع تجمدت كما الجليد –تسعة، ماذا سيحدث للانهار والبحيرات التي تغذيها الجداول؟”

“ستتجمد. ولكن لا يوجد شيء ما كالجليد-تسعة.”

“والمحيطات التي تغذيها الانهار؟”

اجاب د. برييد بغضب “ستتجمد، بالطبع، ويبدو أنك ستسرع الآن للسوق بقصتك المثيرة حول الجليد-تسعة. اكرر قولي لك، هذه المادة لا وجود لها!”

“والينابيع التي تغذي البحيرات والجداول المتجمدة، وكل المياه تحت الارض التي تغذي الينابيع؟”

“سحقاً، ستتجمد هي الاخرى!” صاح قائلاً، وتابع وهو يقف “لو كنت اعرف أنك عضو في الصحافة الصفراء، لما اضعت دقيقة واحدة معك!”

“والامطار؟!”

“عندما تسقط، ستتجمد على شكل مسامير صغيرة صلبة من الجليد-تسعة، وذلك سيكون نهاية العالم! ونهاية هذه المقابلة ايضاً! وداعاً!”.
(يتبع)….
_____
* للوصول إلى الحلقات السابقة اضغط هنــــــــــــــــا.

مهـــــد القطـــــة: رواية مترجمة (الحلقة السادسة)


16 العودة لروضة الاطفال
ارتقينا الدرجات الحجرية الاربع قبل الدخول إلى مختبر الابحاث. كان المبنى يتكون من الطوب البسيط ويرتفع لست طبقات. تجاوزنا حارسين مدججين بالسلاح في المدخل.

اظهرت الانسة بيفكو للحارس على اليسار بطاقتها الوردية الخاصة والمثبتة على صدرها الايسر.

اظهر الدكتور برييد للحارس على اليمين بطاقته السوداء السرية للغاية والمثبتة في طية السترة. وبطريقة احتفالية، وضع الدكتور برييد ذراعه حولي دون أن يلمسني مباشرة، ليبين للحراس أنني تحت حمايته وسيطرته العظمى.

ابتسمت لأحد الحراس، إلا أنه لم يبتسم، لم يكن هناك ما يضحك في مسائل الأمن القومي، لا شيء البتة.

تحركنا أنا والدكتور برييد والانسة بيفكو بشكل مدروس خلال البهو الكبير للمختبر باتجاه المصاعد.

“أسألي د. هورفاث ليشرح لك شيئاً يوماً ما،” قال د. برييد للانسة بيفكو. “وانظري بنفسك إن كنت ستحصلين على جواب جيد وواضح.”

“عليه أن يعود ويبدأ من الصف الأول وربما حتى الروضة،” تابعت قائلة “لقد فاتني الكثير.”

“جميعنا فاتنا الكثير،” اردف الدكتور برييد موافقاً. “سنستفيد كثيراً في حال بدأنا مجدداً ويفضل منذ روضة الاطفال.”

كنا نشاهد موظفة الاستقبال في المختبر وهي تشغل العديد من الوسائل التعليمية المعلقة على طول البهو. كانت موظفة الاستقبال طويلة، نحيفة، وشاحبة. بواسطة لمساتها الدقيقة اصبحت الاضواء تتلألأ، والعجلات تدور، والدوارق تغلي، والاجراس ترن.

“إنه سحر،” قالت الانسة بيفكو.

“كم هو مؤسف أن اسمع احد اعضاء عائلة المختبر يستخدم تلك الكلمة القروسطية الغثة،” قال الدكتور برييد “كل واحد من تلك المعروضات تشرح نفسها لوحدها. إنها مصممة لكي لا تكون محيرة. إنها الطباق المباشر للسحر.”

“إنها ماذا المباشر للسحر؟”

“الشيء المعاكس تماماً للسحر.”

“لا تستطيع اثبات ذلك من خلالي.”

بدا الدكتور برييد منزعجاً قليلاً. وتابع قائلاً “حسناً، امنحينا على الاقل حسنة أننا لا نريد أن نحير أحداً.”

17 حوض البنات
كانت سكرتيرة الدكتور برييد تقف فوق مقعدها المجاور لمكتبه وهي تربط كرة زينة عيد الميلاد في السقف.

“انتبهي يا ناعومي” صاح الدكتور برييد “لقد مر ستة اشهر دون ان نتعرض لحادث قاتل، لا تفسدي ذلك بسقوطك من فوق المكتب!”

كانت الانسة ناعومي فاوست سيدة مسنة ومرحة. اظنها قد عملت لصالح الدكتور برييد طيلة حياته تقريباً، وحياتها أيضاً. ردت ضاحكة. “إنني غير قابلة للتدمير، وحتى إن سقطت فإن ملائكة الميلاد ستمسكني.”

“لقد عُرف عنها أنها تخظئ.”

كانت هناك خيوطاً  ورقية مزينة وملولبة مثبتة من كرة الزينة. سحبت الانسة فاوست احدها، لتفرد الورقة الملتصقة وتصبح شعاراً طويلاً كتبت عليه عبارة ما. قالت مخاطبة الدكتور برييد وهي تمد بطرف ورقة الزينة “امسك الطرف واسحبه حتى النهاية وثبته على لوحة الاعلانات.”

أطاع الدكتور برييد التعليمات، ووقف بعيداً بضع خطوات ليقرأ العبارة المكتوبة على الشعار الورقي. “على الارض السلام!” قرأها بصوت جهوري.

نزلت الانسة فاوست من على المكتب وفردت قطعة الورق المزينة الاخرى والتي كتبت عليها “وفي الناس المسرة”

ضحك الدكتور برييد وقال “يا إلهي، لقد اصابوا عيد الميلاد بالجفاف! المكان يبدو بهيجاً، بهيجاً جداً.”

“كما أنني لم أنسى قطع الشيكولاتة المخصصة لحوض البنات، ايضاً، هل أنت فخور بي” قالت الانسة فاوست.

مسح الدكتور برييد جبهته، مبدياً قلقه من نسيانه للأمر “الحمد لله على ذلك! لقد فاتني الامر بالمرة.”

ردت الانسة فاوست قائلة “علينا أن لا ننسى ذلك ابداً، إنه تقليد ارساه الدكتور برييد بتقديمه الشيكولاتة لحوض البنات في عيد الميلاد.” وشرحت لي أن حوض البنات هو قسم الطباعة الواقع في قبو المختبر. “جميع البنات هناك يتبعن أي احد لديه مسجلاً.”
قالت أن الفتيات في حوض البنات يقضون العام كله في الاستماع لأصوات العلماء على آلات التسجيل والتي تجلبها ساعيات البريد. تخرج البنات مرة واحدة في السنة من صندوقهن الاسمنتي للانشاد بمناسبة عيد الميلاد ولكي يحصلوا على قطع الشيكولاتة من الدكتور آسا برييد.

“إنهن يخدمن العلم، أيضاً،” اردف الدكتور برييد، “على الرغم من إنهن لا يفهمن كلمة واحدة مما يقال. ليباركهن الله جميعاً، كل واحدة منهن!”
18 أغلى سلعة على الارض
عندما دخلت مكتب د. برييد الداخلي، حاولت أن ارتب افكاري لكي اجري لقاءً متزناً. إلا أنني وجدت أن صحتي العقلية لم تتحسن بعد. وعندما بدأت بسؤال د. برييد حول يوم القنبلة، اكتشفت أن مراكز العلاقات العامة في دماغي قد اختنقت نتيجة الشراب وفرو القط المحترق. فكان كل سؤال اطرحه عليه يوحي أن مخترعي القنبلة الذرية كانوا متواطؤن جنائياً في ابشع جريمة قتل.

بدا د. برييد مندهشاً، ثم متألماً جداً. ابتعد بقدر الامكان عني وغمغم قائلاً “افهم من كلامك أنك لا تحب العلماء كثيراً.”

أجبت قائلاً “لا استطيع قول ذلك، سيدي.”

“ولكن يبدو أن جميع اسئلتك موجهة لكي اعترف أن العلماء بلا رحمة، بلا ضمير، مغفلون، غير مبالون بمصير الجنس البشري، أو أنهم ربما ليسوا جزءً من الجنس البشري بالمرة.”

“هذا تفسير مجحف للغاية.”

“ليس مجحفاً بقدر ما ستضمنه كتابك على ما يبدو. كنت اظنك تبحث عن سيرة منصفة وموضوعية لفيليكس هونيكير، وهو عمل ذو أهمية بالغة ليقوم به كاتب شاب مثلك في هذا الزمن. ولكن يبدو أن لديك احكام وافكار مسبقة عن العلماء الاشرار. من أين اتيت بهذه الافكار؟ هل من الرسوم الصحفية الساخرة؟”

“بل من ابن الدكتور هونيكير، وهو احد المصادر.”

“أي من الابناء؟”

“نيوتن” اجبته قائلاً، بينما اخرجت رسالة نيوت الصغير ليطلع عليها. “على فكرة، كم يقصر نيوت؟”

“إنه ليس اطول من وعاء المظلات،” اجاب د. برييد عابساً بينما كان يقرأ رسالة نيوت.

“هل الطفلين الاخرين طبيعيين؟”

“بالطبع! اكره ان اخيب املك، ولكن للعلماء أطفال طبيعيون مثل أطفال أي أحد في الدنيا.”

حاولت بقدر المستطاع أن اطمئن د. برييد واقنعه بأنني مهتم حقاً بكتابة تصوير دقيق عن د. هونيكير. “لقد جئت إلى هذه المدينة بلا هدف سوى أن اسجل تماماً ما تخبرني به عن د. هونيكير. لقد كانت رسالة نيوت مجرد البداية، وسأوازنها مقابل أي شيء تخبرني به.”

“إنني مستأ من الذين يسيئون فهم من هو العالم، وما يقوم به.”

“سأبذل ما في وسعي لكي اصلح من سوء الفهم هذا.”

“أغلب الناس في هذا البلد لا يفهمون حتى ماهية البحث العلمي المحض.”

“سأكون ممتناً إن اخبرتني عن ذلك.”

“ليعيننا الله، إنه ليس البحث عن مصفي افضل للسجائر، أو محارم وجه اكثر نعومة، أو طلاء منزلي اطول عمراً. الجميع يتحدث عن البحث العلمي ولكن لا احد عملياً في هذا البلد يقوم به. إننا من الشركات القليلة التي توظف رجالاً للقيام بالبحث العلمي المحض. وعندما تتبجح الشركات الاخرى عن ابحاثها، فإنهم يتحدثون عن فنيين صناعيين يرتدون المعاطف البيضاء، ويعملون بواسطة كتب الطبخ، لينتجوا ماسحة أفضل للزجاج الامامي لسيارة العام القادم.”

“ولكنكم هنا…؟”

“ولكننا هنا، وفي اماكن قليلة اخرى في هذا البلد، ندفع مقابلاً لرجال يقوموا بزيادة حجم المعرفة، ليعملوا في هذا الاتجاه وحسب.”

“إن ذلك سخاء للشركة العامة للسبك والمعادن.”

“لا سخاء ولا كرم في ذلك. المعرفة الجديدة هي أغلى سلعة على الارض. كلما تحصلنا على المزيد من الحقيقة في عملنا، اصبحنا اكثر ثراءً.”

لو كنت بوكونونياً حينها، لجعلتني هذه العبارة اصرخ مولولاً.

(يتبع)…

مهـــــد القطـــــة: رواية مترجمة (الحلقة الخامسة)


13 منصة الانطلاق
يا إلهي، كم هي قبيحة مدينة إيليوم!

“يا إلهي،” يقول بوكونون “كم هي قبيحة مدينة كل مدينة!”

يتساقط المطر المتجمد خلال الغطاء الساكن من الدخان والضباب. كان الصباح في أوله وأنا اجلس في سيارة الدكتور (اسا برييد)  اللنكولن سيدان. كنت متوعكاً وما أزال ثملاً من ليلة البارحة. كان د. برييد يقود السيارة  بينما العجلات تعلق في سكة الترام المهملة منذ زمن طويل. 

كان برييد رجلاً وردي اللون، بدت عليه علامات الثراء بملابسه الانيقة. كان مهذباً، متفائلاً، واثقاً، وهادئ. أما أنا فكنت بخلافه، خشناً، مريضاً، ومتشائماً. كنت قد قضيت الليلة مع ساندرا.

بدت روحي كريهة مثل الدخان المتصاعد من وبر قط يحترق.

كنت أتوقع الاسواء من الجميع، وكنت أعلم بعض الاشياء القذرة جداً عن د. اسا برييد، أشياء اخبرتني عنها ساندرا.

أخبرتني ساندرا أن الجميع في إيليوم متأكد من أن د. برييد كان على علاقة عشق مع زوجة فيليكس هونيكير. أخبرتني أن معظم الناس يعتقدون أن برييد هو الأب الحقيقي لأطفال هونيكير الثلاثة.

“ما الذي تعرفه عن إيليوم؟” سألني د. برييد فجأة.

“إنها زيارتي الأولى للمدينة.”

“إنها مدينة عائلية.”

“عفواً سيدي؟”

“لا توجد هناك مساحة كبيرة لحياة اللهو الليلية هنا. حياة الجميع ترتكز حول العائلة والبيت.”

“هذا يبدو صحياً جداً.”

“إنه كذلك. لا توجد لدينا سوى القليل جداً من حالات جنوح الاحداث.”

“جيد.”

” هل تعلم أن إيليوم تملك تاريخاً مثيراً للاهتمام.”

“أحقاً ذلك؟. ذلك امر مثير للاهتمام.”

“هل تعلم أنها كانت تعتبر منصة الانطلاق.”

“عفواً سيدي؟”

“منصة الانطلاق للهجرة الغربية.”

“حقاً.”

“كان الناس يتجهزون للهجرة هنا.”

“ذلك مثير للاهتمام حقاً.”

“في منطقة بالقرب من مختبر الابحاث حالياً كان يقع الحصن القديم، حيث كانت تنفذ الاعدامات العامة بالشنق الخاصة بالمقاطعة.”

“لا اعتقد أن حياة الجريمة كانت مربحة في ذلك الزمن بخلاف ما هو عليه اليوم.”

“كان هناك رجل اعدم شنقاً هنا العام 1782 لقتله ستة وعشرين شخصاً. كثيراً ما فكرت أن شخصاً ما عليه اعداد كتاب حوله يوماً ما. كان اسمه (جورج ماينور موكلي). يقال أنه انشد اغنية تحت حبل المشنقة. لقد انشد اغنية قام بتأليفها بمناسبة شنقه.”

“عن ماذا تحدثت الاغنية؟”

“بإمكانك الحصول على كلمات الاغنية في الجمعية التاريخية، إن كنت حقاً مهتماً بذلك.”

“إنني مهتم فقط بالطابع العام للاغنية.”

“لم يكن نادماً عن أي شيء.”

“بعض الأشخاص هم كذلك.”

“فكر في الأمر قليلاً!” قال د. برييد. “كان هناك ستة وعشرون شخصاً في عقله!”

“العقل دائماً يترنح ،” اردفت قائلاً.
14 عندما كانت السيارات تحوي مزهريات زجاجية
كان رأسي السقيم يتمايل فوق عنقي المتيبس. لقد علقت سيارة د. برييد اللنكولن بين قضبان السكة الحديدية مجدداً.

سألت د. برييد عن عدد الاشخاص الذين يحاولون الوصول إلى الشركة العامة للسبك والمعادن مع الساعة الثامنة، وأخبرني أنهم ثلاثون ألفاً.

كان هناك شرطياً يرتدي واقي المطر الأصفر يقف عند كل تقاطع طرق، متعارضاً مع أيديهم بقفازاتها البيضاء ما تعنيه علامات المرور.

بدت علامات المرور، أشباحاً متوهجة في البرد المتساقط، وراحت تتلاحق بشكل فوضوي وسخيف، وهي تأمر نهر العربات المتجمد ما عليها فعله. الأخضر يعني التحرك، الأحمر يعني التوقف، والبرتقالي يعني التغيير والتنبيه.

أخبرني د. برييد أنه عندما كان د. هونيكير شاباً يافعاً ترك سيارته ببساطة في صباح أحد الأيام في وسط الطريق بإيليوم.

“وعندما جاء الشرطي لمعرفة ما الذي يعرقل حركة المرور،” تابع قائلاً، “وجد سيارة فيليكس في وسط كل شيء، كان محركها يدور، والسيجار يحترق في المنفضة، وزهور يانعة في المزهريات…”

“المزهريات؟”

“كانت السيارة من نوع (مارمون)، في حجم القاطرة. كانت تحوي مزهريات زجاجية صغيرة مثبتة في عضادة الباب، واعتادت زوجة فيليكس وضع ازهار يانعة في المزهريات كل صباح. لقد كانت السيارة في وسط حركة المرور.”

“مثل سفينة الماري سيليست،” أردفت قائلاً.

“قام مركز الشرطة بركن السيارة جانباً. كانوا يعرفون لمن تخص، لذا فقد اتصلوا بفيليكس، وأخبروه باسلوب مهذب أين يمكن أن يأخذ سيارته. أخبرهم فيليكس أنه بامكانهم الاحتفاظ بها، وأنه لم يعد يريدها.”

“وهل احتفظوا بها؟”

“كلا. لقد اتصلوا بزوجته، وأتت لكي تأخذ المارمون.”

“على فكرة، ما هو أسمها؟”

“اميلي.” مط الدكتور برييد شفتيه، ونظر في البعد، نطق اسم المرأة مرة اخرى، المرأة التي توفيت منذ زمن. “اميلي.”

“هل تعتقد أن احداً سيعترض إن ذكرت هذه الحادثة عن المارمون في كتابي؟” قلت متسائلاً.

“لا مانع مادمت لن تذكر نهايتها.”

“نهايتها؟!”

“لم تكن اميلي معتادة على قيادة المارمون. لذا فقط تعرضت لحادث مريع في طريقها للبيت. اصيبت في مكان ما في الحوض…” كانت حركة المرور متوقفة في ذلك الحين. أغلق د. برييد عينيه واشتدت امساكة يديه على المقود.

“ونتيجة لهذه الاصابة، توفيت عندما ولد نيوت الصغير.”
15 عيد ميلاد مجيد
يقع مختبر ابحاث الشركة العامة للسبك والمعادن بالقرب من البوابة الرئيسة لأعمال الشركة في إيليوم، وعلى بعد بناية من محطة السيارات التي يركن فيها د. برييد سيارته.

سألت د. برييد عن عدد العاملين في مختبر الابحاث. فأجاب “سبعمائة، أقل من مائة منهم يعملون في مجال الابحاث بشكل فعلي، والستمائة الباقون يعملون بشكل أو آخر في الادارة، وأنا زعيمهم جميعاً.”

عندما انضممنا للتيار العام للبشرية في داخل شوارع الشركة، سمعنا إمرأة تتمنى عيد ميلاد مجيد للدكتور برييد. ألتفت د. برييد ليمعن النظر بلطف في بحر الفطائر الشاحبة، وعرف أن المرحّبة كانت الانسة فرانسين بيفكو. كانت الانسة بيفكو في العشرين من العمر، جميلة ببلاهة، وبصحة جيدة – كانت عادية ببلادة.

وبمناسبة روح اعياد الميلاد الدافئة، فقد دعا د. برييد، الآنسة بيفكو لتنضم إلينا في جولتنا، وقدمها لي كسكريتيرة الدكتور (نيلساك هورفاث). ثم اخبرني من يكون هورفاث. “إنه عالم كيمياء السطوح المشهور،” وتابع قوله “إنه الشخص الذي يقوم بأشياء رائعة مع الافلام.”

“ما الجديد في عالم كيمياء السطوح؟” سألت الانسة بيفكو. “يا الله،” ردت بانفعال، “لا تسألني. فأنا أطبع ما يأمرني بطباعته.” ثم اعتذرت لأنها ذكرت “الله.”

“اعتقد أنك تعرفين أكثر مما تظنين،” قال الدكتور برييد.

“ليس أنا على الاطلاق.” ردت الانسة بيفكو التي لم تكن معتادة على الحديث مع شخص في أهمية د. برييد، لقد كانت محرجة، واصبحت مشيتها متشنجة مثل مشية الدجاجة. صارت ابتسامتها شاحبة، وراحت تبحث في عقلها عن أي شيء لقوله، فلم تجد سوى قطع من المحارم الورقية المستعملة والمجوهرات الرخيصة.

“إذن…،” زمجر الدكتور برييد، “ما رأيك بنا الآن، بعد ان امضيت بيننا – كم من الوقت؟ ما يقرب العام على ما اعتقد؟”

“أنتم العلماء تفكرون كثيراً،” ردت الانسة بيفكو. وضحكت ببلاهة. يبدو أن لطافة الدكتور برييد قد فجرت جميع (فيوزات) جهازها العصبي. لقد اصبحت عديمة المسؤولية. “إنكم جميعاً تفكرون كثيراً.”

في هذه الاثناء مرت بجانبنا إمرأة بدينة تسير بتثاقل، ترتدي مآزراً قذراً، توقفت للحظة عندما سمعت ما قالته الانسة بيفكو ونظرت بتمعن للدكتور برييد، وارسلت نظرة ملؤها التوبيخ اليائس. كانت تكره كل من يفكر كثيراً. في تلك اللحظة، بدت لي وكأنها التمثيل المناسب للبشرية جمعاء.

كانت تعابير المرأة البدينة توحي أنها ستصاب بالجنون في الحال لو قام أحد ما بالتفكير أكثر.

“اعتقد انك ستجدين، أن الجميع يقوم بنفس القدر من التفكير. العلماء ببساطة يفكرون في الاشياء بطريقة معينة، والأخرون يفكرون في الاشياء بطرق اخرى.” قال الدكتور برييد.

“آخ،” دمدت الانسة بيفكو ببلاهة. “إنني اتلقى ما يمليه الدكتور هورفاث وهو يبدو لي مثل لغة اجنبية. لا اظن أنني سأفهمها – حتى وإن دخلت للدراسة بالجامعة. ولربما يتحدث عن شيء ما سيغير كل شيء رأساً على عقب مثل القنبلة الذرية.

“عندما كنت في المدرسة اعتادت امي أن تسألني عن ما حدث خلال ذلك اليوم، وكنت أخبرها عن كل شيء.” تابعت الانسة بيفكو قولها “أما الآن فإنني اعود للبيت من العمل لتسألني نفس السؤال، وكل ما استطيع قوله هو…” راحت الانسة بيفكو تهز رأسها وتركت شفتيها القرمزيتين تمطان بلامبالاة.. “لا أدري، لا ادري، لا ادري.”

“إذا لم تفهمي شيئاً ما،” ألح الدكتور برييد، “فعليك بسؤال الدكتور هورفاث لشرحه لك. إنه متمكن في الشرح.” ثم ألتفت تجاهي وقال “لقد كان الدكتور هونيكير يقول إن أي عالم لا يستطيع شرح وتفسير ما يقوم به لطفل في الثامنة من العمر فهو دجال.”

“في هذه الحالة فإنني اغبى من طفل في الثامنة من العمر،” قالت الانسة بيفكو بحزن. “حتى أنني لا اعرف ما هو الدجال”

(يتبع)…

مهـــــد القطـــــة: رواية مترجمة (الحلقة الرابعة)

8 علاقة نيوت بزينكا

لم يخبرني نيوت عن صديقته التي سيخطبها، إلا أنه بعد اسبوعين من كتابته للرسالة، عرفت البلاد جميعها أن اسمها (زينكا) – زينكا فقط. يبدو أنه لم يكن لديها لقب.

كانت (زينكا) قزمة من اوكرانيا، وتعمل راقصة مع فرقة (بورزوي) للرقص. ويبدو أن نيوت شاهدها في أحد عروض الفرقة في مدينة انديانابولس، قبل ذهابه إلى كورنيل. وعندما وصلت الفرقة إلى كورنيل، وبعد انتهاء العرض هناك، وقف نيوت الصغير  خارج باب المسرح وفي يده دزينة من الورود الامريكية الجميلة طويلة الساق.

قامت احدى الصحف بعرض القصة عندما طلبت زينكا الصغيرة اللجوء السياسي للولايات المتحدة، لتختفي بعدها مع نيوت الصغير.

وبعد مرور اسبوع واحد، لجأت زينكا للسفارة الروسية، وقالت بأن الامريكيين شعب مادي كثيراً. وابدت رغبتها في العودة لوطنها.

لجأ نيوت لمنزل اخته بانديانابولس. وقدم تصريحاً مقتضباً للصحافة. قائلاً “إنها مسألة شخصية وخاصة، لقد كانت شأناً عاطفياً. ولست نادماً. إن ما حدث لا يخص احداً سواي أنا وزينكا.”

أحد المراسلين الامريكيين المغامرين في موسكو اكتشف، بعد قيامه بالتحري عن زينكا بين محترفي الرقص هناك، أن زينكا لم تكن، في الثالثة والعشرين من العمر كما ادعت سابقاً، وإنما في الثانية والاربعين من العمر، ما يكفي أن تكون والدة نيوت.

9 نائب الرئيس المسؤول عن البراكين

قضيت بعض الوقت في ترتيب كتابي حول يوم القنبلة.

بعد حوالي سنة، وقبل يومين من الكريسميس، اخذتني قصة أخرى خلال مدينة إيليوم بولاية نيويورك، حيث انجز الدكتور فيلكس هونيكير معظم اعماله، وحيث قضى كلاً من نيوت الصغير وفرانك وانجيلا سنين حياتهم الاولى.

توقفت بإيليوم، حتى استشف ما يمكنني رؤيته هناك.

لم يعد هناك أي من عائلة هونيكير الاحياء بالمدينة، ولكن كان هناك الكثير من الاشخاص الذين ادعو معرفتهم الجيدة بالرجل العجوز واطفاله غريبي الاطوار.

قمت بحجز موعد لمقابلة الدكتور (آسا برييد)، نائب الرئيس المسؤول عن مختبر الابحاث بالشركة العامة لصياغة وسبك المعادن. اعتقد أن د. برييد كان عضواً في كاراسي كذلك، إلا أنه اظهر نفوره مني منذ البداية.

“لا علاقة بالاعجاب وبالنفور بهذا” يقول بوكونون – تحذير بسيط للنسيان.

“ما أعلمه أنك كنت مشرفاً على د. هونيكير خلال معظم حياته المهنية،” قلت للدكتور برييد عبر الهاتف.

“على الورق فقط،” أجابني.

“لم أفهم قصدك،” سألته.

“لو كنت حقاً مشرفاً على فيلكس، لكنت مستعداً الآن للاشراف على البراكين والمد والجزر، وهجرة الطيور والقوارض. لقد كان الرجل أحد قوى الطبيعة التي يستحيل لكائن فاني السيطرة عليها.

10 العميل السري اكس-9

قام د. برييد بترتيب موعدي معه صباح اليوم التالي. قال أنه سيمر لاصطحابي من الفندق الذي انزل به وهو في طريقه للعمل، لتسهيل دخولي إلى مختبر الابحاث شديد الحراسة.

لذا فقد كان أمامي ليلة كاملة لاضاعتها في مدينة إيليوم. خرجت مع بداية ونهاية حياة الليل في إيليوم، كانت حانة (كيب كود روم) الملحقة بفندق (ديل برادو)، مرتعاً للعاهرات.

وحدث – أو “كما يجب أن يحدث،” سيقول بوكونون – أن العاهرة الجالسة بجانبي على طاولة البار، والنادل الذي يعمل هناك قد رافقا في المدرسة الثانوية، فرانكلين هونيكير، معذب الحشرات، والابن الاوسط، الابن المفقود.

قالت العاهرة أن اسمها ساندرا، وعرضت علي ملذات لا يمكن الحصول عليها خارج (بلايس بيغال)، و(بورت سعيد). أخبرتها أنني لا اشتهيها، وكانت فطنة لترد أنها لا تشتهيني هي كذلك. وكما اتضح، فقد بالغ كلانا في اللامبالاة، ولكن ليس كثيراً.

إلا أننا وقبل أن ننجرف مع شهوتنا، تحدثنا عن فرانك هونيكير، تحدثنا عن الرجل العجوز، تحدثنا قليلاً عن (آسا برييد)، تحدثنا عن الشركة العامة لصياغة وسبك المعادن، تحدثنا عن بابا الفاتيكان وموانع الحمل، عن هتلر واليهود. تحدثنا عن الدجالين. تحدثنا عن الحقيقة. تحدثنا عن رجال العصابات، تحدثنا عن العمل. تحدثنا عن الاشخاص الفقراء الطيبيين الذين اعدموا بالكرسي الكهربائي، وتحدثنا عن الاغنياء الاوغاد الذين لم يعدموا بالكرسي الكهربائي. تحدثنا عن المتدينيين الفاسدين. تحدثنا عن أشياء أخرى كثيرة.

شربنا حتى الثمالة.

لقد كان النادل يحسن معاملة ساندرا. كان يحترمها. قال لي أن ساندرا ترأست لجنة ألوان الفصول الدراسية في ثانوية إيليوم. حيث يختار كل فصل في المدرسة ألواناً مميزة له في السنة الدراسية الأولى، كي يرتدوها بكل فخر. 

“ما هي الألوان التي اخترتها؟” سألتها.

“البرتقالي والأسود.”

“إنهما لونين جيدين.”

“هذا ما اعتقدته.”

“هل كان فرانك هونيكير عضواً في لجنة ألوان الفصول أيضاً؟”

“لم يكن عضواً في أي شيء،” اجابت ساندرا بازدراء. “لم يكن عضواً في أي لجنة، ولم يمارس أي لعبة رياضية، ولم يخرج مع أي فتاة. لا اعتقد أنه تحدث مع أي فتاة بالمرة. كنا نطلق عليه لقب العميل السري اكس – 9.”

“اكس – 9؟”

“كما تعلم – لقد كان دائماً يمثل دور شخص في طريقه إلى مكانين سريين، لم يكن يتحدث مع أحد ابداً.”

“ربما كانت يعيش حياة غنية بالاسرار حقاً،” قلت مبرراً.

“كلا.”

“كلا،”  اردف نادل الحانة ساخراً. “لقد كان أحد أولئك الأولاد الذين شغلوا وقتهم كله في صنع نماذج الطائرات والاستمناء.”

11 البروتين

“كان يفترض أن يلقي خطاب حفل التخرج،” قالت ساندرا

“من هو؟” سألتها.

“الرجل العجوز -  د. هونيكير”

“ماذا قال؟”

“لقد تغيب عن الحفل.”

“معنى ذلك أنكم لم تستمعوا لخطاب التخرج؟”

“أوه، بلى لقد استمعنا لخطاب من د. برييد، الرجل الذي ستلتقيه غداً، لقد حضر الحفل لاهثاً، وقدم خطاباً ما.”

“ماذا قال؟”

“قال أنه يتمنى رؤية العديد منا في مهن علمية،” قالت ساندرا التي لم تكن ترى غرابة في ذلك. بدت وكأنها تتذكر درساً طبع في ذهنها. كانت تعيده بدقة واخلاص. “قال، أن مشكلة العالم هي…” توقفت برهة للتفكير.

“مشكلة العالم هي،” تابعت بتردد، “أن البشر مازالوا يؤمنون بالخرافات بدلاً من العلم. قال أنه لو درس الجميع العلم أكثر، فإنه لن تكون هناك أي من المشاكل التي نعيشها الآن.”

“قال أن العلم سيكتشف يوماً ما سر الحياة الاساسي،” تدخل نادل الحانة، وتابع مقطباً وهو يحك رأسه. “أصحيح ما قرأته ذلك اليوم في الصحيفة أنهم اكتشفوا أخيراً سر الحياة؟”

“لقد فاتني الاطلاع عليه،” اجبته مغمغماً.

“لقد قرأت ذلك،” قالت ساندرا. “قبل يومين تقريباً.”

“نعم لقد أصبت،” قال نادل الحانة.

“ما سر الحياة؟” قلت متسائلاً.

“لقد نسيت،” قالت ساندرا.

“البروتين،” أعلن النادل. ” لقد اكتشفوا شيئاً عن البروتين.”

“نعم،” قالت ساندرا “لقد أصبت.”

12 لذة نهاية العالم

انضم إلي حوارنا في حانة (كيب كود روم) بفندق (ديل برادو)، نادل آخر أكبر سناً. وعندما علم بأنني أعد كتاباً حول يوم اسقاط القنبلة الذرية، أخبرني انطباعه عن ذلك اليوم، في الحانة ذاتها الذي نجلس بها. كان في صوته غنة وأنفه يشبه الفراولة.

“لم يكن اسم الحانة حينها كيب كود روم ” تابع قائلاً. “لم يكن هناك أي من هذه الشباك والاصداف السخيفة. كان اسم الحانة في تلك الايام (تيبي (خيمة) النافاهو). وكان لدينا أغطية هندية وجماجم أبقار معلقة على الجدران. كما كان لدينا طبول توم توم هندية صغيرة فوق جميع الطاولات. وكان على الزبائن قرع التوم توم لتقديم طلباتهم. حاولوا اجباري على ارتداء قلنسوة حرب هندية، إلا أنني لم أوفق علي ذلك. زار المكان يوماً ما هندي أحمر حقيقي من قبيلة النافاهو، واخبرني أن النافاهو لم يسكنوا خيام التيبي. “يالا العار!” قلت له. قبل ذلك كان المكان اسمه “حجرة بومبي”، ومزيناً بالجبس المنحوت، ولكن مهما تغير اسم المكان فإنهم لم يغيروا  الاضاءة السخيفة. ولم يتغير الزبائن السخفاء الذين يرتادون المكان ولم تتغير حتى المدينة السخيفة بالخارج. في اليوم الذي اسقطوا قنبلة هونيكير السخيفة على اليابانيين، دخل متشرد الحانة وحاول تسول شراباً. كان يريدني أن اقدم له شراباً بالمجان لأن العالم يقترب من نهايته. لذا فقد صنعت له خليطاً أسميته “لذة نهاية العالم” يتكون من نصف لتر من كريم دي مينت (شراب النعناع الكحولي) في داخل قطعة اناناس مجوفة مع الكريمة وحبة كرز فوقها. قلت له يومها “أشرب هذا، أيها الوغد المزري، ولا ترجع إلى هنا لتخبرني أنني لم أقدم لك شيئاً في السابق” ثم دخل رجل آخر، وأخبرني أنه استقال من عمله في مختبر الأبحاث، قال أنه اصبح متأكداً اليوم أن أي اكتشاف يتوصل إليه أي عالم سينتهي به المطاف بطريقة أو أخرى ليستخدم كسلاح. قال إنه لا يريد مساعدة السياسيين في حروبهم السخيفة بعد اليوم. ذكر أن اسمه برييد. سألته هل يقرب لمدير مختبر الابحاث السخيف. واجابني نعم بالتأكيد، وأضاف أنه ابن مدير مختبر الابحاث السخيف.”

(يتبع)

مهـــــد القطـــــة: رواية مترجمة (الحلقة الثالثة)

6 عراك الحشرات

تابع نيوت كتابة رسالته صباحاً. كالتالي:

“في الصباح التالي. ها أنا أعود مجدداً، منتعشاً كزهرة أقحوان بعد ثماني ساعات من النوم. بيت الأخوية هادئ الآن. الجميع سواي في المحاضرات. فأنا شخص محظوظ. فلا احتاج لحضور المحاضرات بعد الآن، بعد تم طردي من الجامعة الأسبوع الماضي. كنت بسنة الاعداد بكلية الطب. لقد احسنوا صنعاً بطردي فقد كنت سأتخرج طبيباً سيئاً.

“أعتقد بأنني بعد انهاء هذه الرسالة سأذهب للسينما. أو في حال كان الطقس مشمساً، فقد اذهب للتمشي بين أحد الاودية. ألا تعتقد أن الاودية جميلة؟ سمعت أن فتاتين قفزتا معاً في احداها هذه السنة. لقد تم رفض انضمامهما لنادي الطالبات الذي اختاراه. لقد كانا يريدان الانضمام لنادي تراي- ديلت.

“عودة ليوم السادس من اغسطس 1945. لقد اخبرتني شقيقتي انجيلا أنني آذيت مشاعر والدي في ذلك اليوم عندما لم ابدِ اعجابي بمهد القطة، عندما لم ابقى في مكاني فوق البساط بجانب والدي لاستمع لغنائه. ربما آذيته، ولكنني أشك بتأثره. فلقد كانت مشاعره صلبة. ولم يستطع احد إذائه بأي شكل، لأنه لم يهتم بالآخرين من حوله. اتذكر في أحد المرات، قبل حوالي سنة من وفاته، أنني حاولت حثه على الحديث عن والدتي. إلا أنه لم يستطع تذكر شيء عنها.

“هل سمعت عن القصة الشهيرة حول افطار اليوم الذي كان سيسافر فيه أمي وأبي إلى السويد لتسلم جائزة نوبل؟ لقد تم نشرها في صحيفة (ساتيردي ايفنينغ بوست). لقد جهزت أمي أفطاراً كبيراً. وبعد الانتهاء وتنظيف الطاولة عثرت والدتي على دايماً وثلاث بنسات بالقرب من قدح قهوة والدي، لقد ترك لها بقشيشاً.

“بعد جرحي بشدة مشاعر والدي، إذا سلمنا بأن هذا ما قمت به، اسرعت بالخروج إلى الفناء. لم أكن أعرف إلى أين سأذهب حتى عثرت على شقيقي فرانك تحت شجيرة السبيريا الضخمة. لقد كان فرانك في الثانية عشر حينها، ولم أندهش من وجوده تحت الشجيرة. لقد كان يمضي الكثير من الوقت تحت الشجيرة في الايام الحارة. لقد كان مثل الكلب، حيث يصنع حفرة في الارض الباردة حول الجذور. ولا يمكنك معرفة ماذا يخبئ فرانك معه تحت الشجيرة. في أحد المرات رأيت كتاباً خليعاً. وفي مرة أخرى زجاجة من الشيري، وفي اليوم الذي اسقطوا القنبلة كان لدى فرانك ملعقة كبيرة وبرطماناً زجاجياً. لقد كان يرفع أنواعاً مختلفة من الحشرات بالملعقة ويلقي بها داخل البرطمان لكي تتعارك.

“آثار عراك الحشرات اهتمامي حتى أنني توقفت عن البكاء، ونسيت كل شيء عن الرجل العجوز. لا اتذكر كل الحشرات التي وضعها فرانك في البرطمان للعراك في ذلك اليوم، ولكني اتذكر حشرات أخرى اعدت للعراك في وقت لاحق: خنفساء مقرنة ضد مائة من النمل الاحمر، أم اربع واربعين ضد ثلاث عناكب، نمل أحمر ضد نمل اسود. عادة لا تتعارك الحشرات إلا بعد رج البرطمان. وهو ما كان يقوم به فرانك، يرج ويرج البرطمان.

“جاءت انجيلا بعد مرور بعض الوقت للبحث عني. رفعت جانباً من الشجيرة وقالت، “إذن أنت هنا!” وسألت فرانك عن ما يفعل، واجابها. “اجري بعض التجارب.” تلك كانت اجابة فرانك في كل مرة يسأله أحدهم عما يفعله تحت الشجيرة. كان دائماً يقول، “اجري بعض التجارب.”

“لقد كانت انجيلا في الثانية والعشرين حينها. لقد كانت الرب الحقيقي للعائلة مذ كانت في السادسة عشر، أي منذ وفاة والدتنا، ومنذ ولادتي. لقد اعتادت القول أن لديها ثلاث أطفال – فرانك، والدي وأنا. ولم تكن تبالغ. كنا نقف صفاً واحداً في الصباحات الباردة وحبات البرد تتساقط من السماء لتقوم انجيلا بالتأكد من ارتدئنا المعاطف، لقد كانت تعامل ثلاثتنا بشكل متساوي. على الرغم من أنني كنت أذهب إلى الروضة، وفرانك إلى المدرسة الاعدادية، ووالدي إلى العمل على القنبلة الذرية. اتذكر ذلك الصباح عندما توقفت المدفاءة الزيتية، وتجمدت الانابيب، وتوقفت السيارة عن العمل. جلسنا جميعاً في السيارة بينما كانت انجيلا تحاول تشغيل السيارة حتى فرغت البطارية. حينها تكلم والدي وقال. “اتدرون، السلاحف تثير التساؤل؟”، “ما هو التساؤل الذي تثيره السلاحف” سألته انجيلا. “عندما تقوم بادخال رؤوسها،” أجاب،”هل تلتوي فقراتها أم تنكمش؟”

“لقد كانت انجيلا، بالصدفة، أحد الابطال المجهولين للقنبلة الذرية، ولا اعتقد أن القصة قد ذكرت من قبل. وبامكانك تضمينها كتابك. فبعد حادثة السلحفاة، أصبح والدي مهتماً بالسلاحف حتى أنه توقف عن العمل على القنبلة الذرية. مما جعل بعض الاشخاص من مشروع مانهاتن يزورن بيتنا ليستشيروا انجيلا عن الحل. لتخبرهم بأن يتخلصوا من سلاحف والدي. تسللوا بعدها في أحد الليالي إلى مختبره وقاموا بسرقة السلاحف من الحوض المخصص لها. لم ينبس والدي بكلمة حول اختفاء السلاحف. فقد عاد للعمل في اليوم التالي ليبحث عن أشياء أخرى ليلهو ويشغل وقته بها، وكل الاشياء المتاحة للهو كانت متعلقة بالقنبلة.

“عندما اخرجتني انجيلا من تحت الشجيرة، سألتني عن ما حدث بيني وبين والدي. صرت أقول واكرر كم كان والدي قبيحاً، وكم أنني اكرهه. حينها صفعتني وصاحت “كيف تجرؤ على قول ذلك عن والدك؟، إنه أحد أعظم الرجال في التاريخ! لقد جلعنا ننتصر في الحرب اليوم! هل تدرك ذلك؟ لقد انتصر في الحرب!” وصفعتني مرة أخرى.

“لا ألوم انجيلا على صفعي. لقد كان والدي كل ما تبقى لها. فلم يكن لديها عاشقين، ولم يكن لديها اصدقاء بالمرة. كانت لديها هواية واحدة فقط، وهي العزف على الكلارنيت.

“أخبرتها مجدداً كم أكره والدي، فصفعتني مرة أخرى، ثم خرج فرانك من تحت الشجيرة ولكمها في بطنها. لقد آلمها ذلك كثيراً حتى أنها سقطت على الأرض وصارت تتلوى. وعندما استرجعت انفاسها، صارت تبكي وتستنجد والدنا.

” “إنه لن يأتي،” قال فرانك وهو يضحك عليها. لقد كان فرانك محقاً. أخرج والدي رأسه من النافذة ونظر لأنجيلا وهي تصرخ وتتلوى على الارض، وفرانك يقف فوقنا وهو يضحك. عاد والدي إلى الداخل، ولم يسألنا أبداً عما كان يحدث. فلم يكن يهتم بالبشر من حوله.

“هل سيكون هذا كافياً؟ هل سيساعدك ما سردته في انجاز كتابك؟ فعلى الرغم من أنك حددتني بيوم القنبلة. إلا أنه هناك حكايات أخرى جيدة حول القنبلة حدثت في أيام أخرى. على سبيل المثال، على تعرف قصة والدي في اليوم الذي تم فيه اختبار القنبلة في (ألموغوردو)؟ فعندما انفجر ذلك الشيء، وبعد أن تأكد من قدرة اميركا على مسح مدينة كاملة بواسطة قنبلة واحدة، ألتفت أحد العلماء إلى والدي وقال، “الآن، قد ارتكب العلم الأثم.” هل تعلم ماذا كان رد والدي، “أي أثم؟”

“مع تمنياتي بالتوفيق،

“نيوتن هونيكير”
7 عائلة هونيكير الشهيرة


اضاف نيوت هذه الملاحظات على رسالته:

“ملاحظة: لا استطيع التوقيع بعبارة “لك أخوّتي” لأنهم لا يسمحون لي بأن أكون أخوك على خلفية درجاتي الاكاديمية. لقد كنت مجرد مكفول، والآن يريدون أن ينتزعوا حتى ذلك مني.

“ملاحظة: لقد اطلقت على عائلتنا لقب “الشهيرة،” اعتقد أنك بذلك ترتكب خطأً إن استعملت ذلك في كتابك. فأنا مثلاً، قزم – طولي اربع اقدام فقط. وأخر خبر وصلنا عن فرانك أنه ملاحق من قبل شرطة فلوريدا، والاف بي أي، ووزارة المالية لتهريبه سيارات مسروقة إلى كوبا باستخدام قوراب جيش مدرعة. لذا فإنني متأكد من أن لقب “الشهيرة” ليست الكلمة المناسبة. ربما كلمة “الباهرة” هي أقرب للحقيقة.

“ملاحظة: بعد مرور اربع وعشرين ساعة. لقد اعدت قراءة الرسالة للمرة الاخيرة، واستطيع أن أرى الانطباع الذي قد يخرج به أحدهم من قراءة الرسالة وهو أنني لا أقوم بأي شيء سوى الجلوس وتذكر الاشياء المحزنة والاشفاق على نفسي. وفي الحقيقة، إنني أعلم كم أنا محظوظ جداً. لأنني سأتزوج قريباً بفتاة رائعة. هناك ما يكفي من الحب في العالم للجميع، فقط لو تأمل الناس حولهم. وأنا اثبات حي على ذلك.”

(يتبع)

مهـــــد القطـــــة: رواية مترجمة (الحلقة الثانية)

4 تشابكٌ متردد للأغصان

ليكن ما يكون، فلقد قررت أن اضم في هذا الكتاب أكبر عدد ممكن من أعضاء كاراسي، كما أسعى إلى دراسة كل الاشارات القوية لما نقوم به جمعياً.

لا أنوي جعل هذا الكتاب دراسة دعائية لصالح البوكونونية. ولكنني اود أن اقدم قبل كل شيء، تحذيراً بوكونونياً. إن أول عبارة في اسفار بوكونون هي: “جميع الحقائق التي سأخبرك بها أكاذيب وقحة.”

أما تحذيري البوكونوني فهو كالتالي:

إن أي شخص لا يستطيع استيعاب أن ديانة مفيدة يمكن أن تؤسس على الاكاذيب لن يستطيع أستيعاب هذا الكتاب كذلك.

لذا ليكن ما يكون.

إذن سأخبركم عن كاراسي.

إنه يضم بالتأكيد أبناء د. فيلكس هونيكير الثلاثة، احد الذين أُطلق عليهم لقب “آباء” القنبلة الذرية الأولى. ود. هونيكير نفسه بلا شك عضو في كاراسي، إلا أنه توفي قبل (سينوكاسي)، قبل أن تتشابك اغصاني مع أغصان ابنائه.

كان أول من لامسه (سينوكاسي) من ورثته هو أصغر الابناء الثلاثة، نيوتن هونيكير، وهو أصغر الولدين. ولقد علمت من خلال مطبوعة أخويتي، فصلية (ديلتا ايبسلون)، أن نيوتن هونيكير، أبن فيلكس هونيكير الفائز بجائزة نوبل للفيزياء، تمت كفالته من قبل جماعتي المحلية، جماعة كورنيل.

لذا فقد كتبت لنيوت هذه الرسالة:

“عزيزي السيد هونيكير:

“هل يجدر بي القول، عزيزي الأخ هونيكير؟

“أنا الآن عضو في أخوية ديلتا ايبسلون فرع كورنيل، واكسب قوتي بالعمل ككاتب حر. اعكف منذ مدة على جمع مصادر كتاب اعده عن القنبلة الذرية الأولى. وسيتركز محتواه على الاحداث التي جرت في يوم 6 اغسطس العام 1945، يوم اسقطت القنبلة على هورشيما.

“وحيث أن والدك الراحل عرف كأحد المخترعين الاساسيين للقنبلة، فإنني سأكون ممتناً بسردك لأي حكايات تراها مناسبة حول الحياة في بيت والدك يوم اسقاط القنبلة.

“يؤسفني أن اقول بأنني لا أعرف الكثير حول عائلتك المشهورة كما ينبغي، لذا فإنني لا أعرف إن كان لديك أخوة وأخوات. في حال كان لك أخوة أو أخوات، فإنني أود الحصول على عناونيهم حتى اتمكن من أرسال طلبات مشابهة لهم.

“اعلم بأنك كنت صغيراً جداً يوم اسقطت القنبلة، وهو ما سيكون مفيداً. حيث سيركز كتابي على الجانب الانساني، لا الجانب التقني للقنبلة، لذا فإن ذكريات ذلك اليوم من خلال عيني “طفل”، اذا سمحت لي، سيكون مناسباً جداً.

“لا تشغل بالك بالاسلوب والشكل. دعّ ذلك لي. امنحني الهيكل العام للقصة فقط.

“وبالطبع، سأعرض عليك النسخة النهائية من الكتاب للموافقة عليه قبل نشره.

“لك اخوّتي- -”
5 رسالة من طالب طب مبتدئ

وكان رد نيوت التالي:

“اعتذر على تأخري في الرد على رسالتك. يبدو أن الكتاب الذي تعكف على اعداده سيكون ممتعاً. لقد كنت صغيراً جداً حين اسقطت القنبلة مما يجعلني غير قادر على تقديم العون بشكل كافي. اقترح أن تتحدث مع أخي واختي الأكبر سناً مني. أختي هي السيدة هاريسون سي كونورز، 4918 شارع ميريديان، انديانابولس، انديانا. وهو عنوان بيتي الآن، أيضاً. اعتقد أنها ستكون سعيدة بتقديم العون لك. لا أحد يعرف مكان أخي فرانك. لقد اختفى مباشرة بعد جنازة والدنا قبل سنتين، ومنذ ذلك الحين لم يسمع أحد أخباره. أقصى ما نعرفه، أنه قد يكون ميتاً الآن.

“كنت في السادسة من العمر حين اسقطت القنبلة الذرية على هورشيما، لذا فإن كل ما اتذكره من ذلك اليوم قد ساعدني آخرون على تذكره.

“اتذكر أنني كنت ألعب فوق البساط بغرفة المعيشة المجاورة لمكتب والدي في مدينة (ايليوم) بولاية نيويورك. كان باب المكتب موارباً، لمحت والدي مرتدياً بيجامته وروب الحمام وهو يدخن سيجاراً. كان يلعب بخيط معقود، بعد أن عاد للبيت من المختبر وبقي بيجامته اليوم كله. كان يبقى بالبيت كما يشأ.

“كان والدي، كما قد تعرف، قد قضى معظم حياته المهنية يعمل بمختبر الابحاث التابع للشركة العامة لصياغة وسبك المعادن بمدينة (ايليوم). وعندما انطلق مشروع مانهاتن، مشروع القنبلة، لم يشأ والدي ترك (ايليوم) للعمل بالمشروع. لقد قال أنه لن يعمل لديهم إلا في حال السماح له بالعمل حيث يشأ. وهو ما كان يعني العمل بالبيت. المكان الوحيد الذي احبه خارج (ايليوم) كان كوخنا في مدينة (كيب كود). وهو نفس المكان الذي توفي به، عشية عيد الميلاد. وهو ما أعتقد انك تعرفه كذلك.

“على أية حال، كنت ألعب على البساط بجاور مكتبه يوم اسقاط القنبلة. لقد اخبرتني أختي (آنجيلا) أنني اعتدت اللعب بشاحنات صغيرة لعدة ساعات، مقلداً صوت المحرك، “بورتن، بورتن، بورتن” كل الوقت. لذا اظن أنني كنت أقول “بورتن، بورتن، بورتن” يوم اسقاط القنبلة، بينما كان والدي بمكتبه يلعب بالخيط المعقود.

“كما يصادف أنني أعرف مصدر هذا الخيط المعقود الذي كان يلهو به. ربما تستطيع استعمال هذه المعلومة في كتابك. لقد نزع ابي هذا الخيط من مسودة مخطوط لرواية ارسلت له من قبل رجل في السجن. كانت الرواية تتحدث عن نهاية العالم في العام 2000، وكان اسم الكتاب (2000 بعد الميلاد) وهي تحكي عن كيف صنع علماء أشرار قنبلة مرعبة قضت على العالم بأسره. كانت هناك حفلة جنس جماعية عندما علم الجميع بأن العالم سينتهي، ثم ظهر يسوع المسيح بنفسه قبل انفجار القنبلة بعشر ثواني. كان اسم المؤلف مارفن شارب هولدرنيس، ولقد اخبر والدي في الرسالة المرفقة أنه في السجن لأنه قتل شقيقه. لقد ارسل بالمخطوط إلى والدي لأنه لم يكن يعلم نوع المتفجرات التي يجب أن توضع في القنبلة. كان يعتقد أن والدي سيقدم له بعض المقترحات.

“لا استطيع ان ادعي انني قرأت الكتاب في السادسة من عمري. فلقد بقي الكتاب في بيتنا لسنوات عديدة. لقد اتخذه شقيقي فرانك كجزء من مقتنياته الشخصية، على خلفية الاجزاء البذيئة فيه. لقد خبأه فرانك فيما كان يطلق عليها “خزانة الحائط” في حجرة نومه. وفي الحقيقة لم تكن خزانة بالمرة، فقط مجرد مدخنة موقد قديم بغطاء من الصفيح. لقد قرأت وفرانك الجزء الخاص بالجنس الجماعي آلاف المرات عندما كان صغاراً. لقد ظل في حوزتنا لسنوات حتى اكتشفته شقيقتي انجيلا. وعندما اطلعت عليه قالت انه ليس سوى قطعة من البذاءة القذرة المتعفنة. لقد أحرقت الكتاب مع الخيط المعقود. لقد كانت مثل الام بالنسبة لي وفرانك لأن امنا الحقيقية ماتت حين ولدت.

“اكاد أجزم بأن والدي لم يقرأ الكتاب بالمرة. لا اعتقد انه قرأ رواية أو قصة قصيرة في حياته كلها، أو على الأقل منذ أن كان ولداً صغيراً. فلم يكن يقرأ البريد الذي يصل إليه أو الصحف والمجلات. أظنه كان يقرأ الكثير من الدوريات التقنية، ولكن حتى أكون صادقاً، فإنني لا اتذكر والدي وهو يقرأ أي شيء.

“كما ذكرت، كل ما اراده من المخطوط هو ذلك الخيط. هكذا كان هو، لا أحد يستطيع التكهن بما سيثير اهتمامه في المرة القادمة. أما في يوم القنبلة فقد كان ذلك الخيط.

“هل اطلعت على الخطاب الذي ألقاه في حفل استلامه لجائزة نوبل؟ هذا هو الخطاب كله:”السيدات والسادة. أقف أمامكم الآن لأنني لم اتوقف عن التلكوء مثل ولد في الثامنة من العمر بطريقه للمدرسة في صباح ربيعي. أي شيء سيجعلني أتوقف للتأمل والتساؤل، وفي بعض الاحيان التعلم. أنا رجل سعيد جداً. شكراً لكم.”

“على أية حال، استمر والدي في فحص الخيط المعقود لعدة لحظات، ثم بدأت اصابعه في التسلي به. لقد صنعت اصابعه الشكل الذي يطلق عليه “مهد القطة.” لا أعرف أين تعلم والدي ذلك. ربما من والده. لقد كان والده خياطاً، إذن لا بد أن خيطاً ما كان حوله دائماً في صغره.

“اعتقد أن قيام والدي بصنع مهد القطة باصابعه كانت المرة الوحيدة التي رأيته يقوم بما قد يطلق أي احد لعبة. فهو لم يكن يستطيع استيعاب كل الخدع والقوانين التي صنعها اشخاص اخرون. اتذكر أن اختي انجيلا كانت تحتفظ في دفتر قصاصاتها الصحفية بجزء من مجلة (تايم) حيث سئل والدي عن اللعبة التي يمارسها للاسترخاء، واجاب “لماذا علي الاهتمام بلعبة مصطنعة بينما هناك العديد من الالعاب الواقعية من حولنا؟”

“لا بد أنه فاجأ نفسه حين صنع مهد القطة بالخيط المعقود، وربما ذكرته بطفولته. فقد خرج بشكل مفاجئ من مكتبه وقام بشيء لم يفعله من قبل. لقد حاول اللعب معي. فهو لم يسبق له اللعب معي فحسب بل إنه بالكاد كان يحدثني.

“بل إنه جلس على ركبتيه بجانبي، واراني اسنانه، ثم لوح بالخيط المتشابك أمام وجهي. “انظر؟ انظر؟ انظر؟، مهد القطة؟ انظر إنه مهد القطة؟ انظر إلى حيث تنام القطة اللطيفة؟ مياو. مياو”

“بدت مسامات جلده ضخمة مثل الحفر على القمر. بينما كانت اذنيه وفتحتي انفه محشوة بالشعر. كما أن رائحة دخان السيجار جعلته مثل مدخل الجحيم. بدا والدي عن قرب اقبح شيء رأيته في حياتي. ومازالت صورته تقض مضجعي دائماً.

“ثم بدأ يغني. اغنية الاطفال “هدهد قطيطتي، في أعلى الشجرة،” وواصل الغناء “عندما يهب الريح، سيتأرجح المهد. لو انكسرت الاغصان فسوف يسقط المهد. سيسقط المهد والقطيطة وكل شيء.”

“انفجرت بالبكاء. وقفزت هارباً خارج البيت بأسرع ما يمكن.
“يجب علي أن اختتم رسالتي هنا. إنها تتجاوز الثانية صباحاً. ولقد استيقظ زميلي في الحجرة واشتكى من صوت الآلة الكاتبة.”

(يتبع)

كيرت فونيغيت.. الحرية الساخرة

تمتاز الرواية الامريكية عن نظيرتها المكتوبة باللغة الانجليزية في بلدان أخرى، بتمردها وكسرها لأشكال السرد التقليدية واستكشافها لطرق وتقنيات سردية أكثر تطوراً وحداثة وذلك في فترات سبقت غيرها من مشاهد الرواية في العالم الانجلوفوني. وعلى الرغم من تنوع الاسماء والمدارس الادبية في الولايات المتحدة الامريكية، إلا أن ما يصل من روايات إلى العالمية لا يخضع لمعايير الجودة الفنية بقدر ما يخضع لتجاذبات سوق النشر العالمية وهو ما يجعلنا نكتشف الكثير من الاسماء الهامة على صعيد الرواية الامريكية المعاصرة تم تجاوزها ونسيانها لحساب الأسماء الرنانة أو تلك التي حظيت بشهرة عالمية نتيجة فوزها بجوائز دولية مثل، جائزة نوبل للآداب.

قبل فترة قصيرة، وجدتني منجذباً للاطلاع على تجربة الروائي الامريكي الراحل (كيرت فونيغيت) Kurt Vonnegut بعد أن شاهدت عدداً من آخر لقاءاته المتلفزة والمسموعة وذلك قبل وفاته العام 2007 بعدة أشهر عن عمر ناهز الخامسة والثمانين، اعجبتني حينها نبرته الساخرة لما يحدث في العالم وخاصة مع تنامي الجدل حول سياسات إدارة الرئيس جورج بوش والتي ادت لحربين وركود اقتصادي عالمي ما نزال نعاني منهما حتى هذه اللحظة، كما راقت لي فلسفته الوجودية عن الكون والعالم وميله للتفسيرات العلمية في تحليل الظواهر الطبيعية. حينها بدأت رحلة محمومة لقراءة ما تقع عليه يدي من رواياته وقصصه ومقالاته المجموعة في كتب. وهو ما دعاني إلى اعادة اكتشاف هذا الروائي المتمرد والسوداوي المغرق في الاضحاك والسخرية والذي جمع في سرده بين أشكال أدبية وفنية مختلفة في اعداده لإعماله الأدبية في زمن الرواية التقليدية الخاضعة لمعايير اتفق عليها عشية نهاية الحرب العالمية الثانية والطفرة الاقتصادية الكبرى في الولايات المتحدة في الخمسينيات من القرن العشرين.

ولد كيرت فونيغيت (الأبن) العام 1922 بمدينة انديانابولس بولاية انديانا لعائلة ترجع بأصولها إلى ألمانيا التي هاجر منها أجداده في القرن الثامن عشر. كان شغوفاً بالدراسات العلمية التطبيقية وهو ما انعكس على أعماله ذات الطابع الخيالي العلمي، وهو ما أهله لدراسة الهندسة الميكانيكية في في منحة من الجيش إلا انه لم يواصل الدراسة بعد أن انتحرت والدته العام 1944، وهو الحدث الذي ظل أثره واضحاً طيلة حياته وظهر في كتاباته الروائية، وهو ما جعله ينظم إلى الجيش الامريكي المحارب في أوروبا ضد الجيش النازي الالماني، إلا أن المفارقة الساخرة، أنه أسر من قبل الجيش الألماني بعد أيام قليلة من وصوله الجبهة الأوروبية، ليبقى أسير حرب حتى العام 1945 ويشهد تدمير مدينة (دريزدن) الألمانية من قبل طائرات الحلفاء في فبراير من نفس العام وهو الحدث الأبرز مع تجربة الحرب العالمية في تكوين الوعي الثقافي والسياسي والمؤثر الرئيسي لكتاباته الأدبية بشكل عام.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية  وعودته إلى الولايات المتحدة، ألتحق فونيغيت بجامعة شيكاغو للدراسة العليا في علم الانثروبولجي إلا أنه لم يتحصل على درجة الماجيستير حتى العام 1971 بعد ان تم رفض أطروحته العلمية قبل ذلك بعدة سنوات، وهو ما دفعه للتمرد على النخب الاكاديمية والثقافية التي سيطرت على النمط التقليدي في التدريس والعلوم، وشكل أساساً لتقنياته السردية الحداثية والناقدة للتنميط والقوالب الجاهزة.

بدأ كيرت فونيغيت حياته ككاتب بنشره لقصته القصيرة الأولى العام 1950، وصدرت روايته الأولى (البيانو الآلي) العام 1952 والتي تدور حول عالم مستقبلي تسيطر فيه الآلات عن العالم والبشر، وواصل كتابته للقصص القصيرة حتى صدور روايته الثانية (حوريات تيتان) الصادرة العام 1959 والتي تدور احداثها في القرن الثاني والعشرين في عالم يتعرض لأولى الحروب بين كواكب المجموعة الشمسية. إلا أن أهم رواياته والتي منحته شهرة واسعة في الولايات المتحدة واوروبا كانت روايته شبه الذاتية عن تجربته كأسير حرب في مدينة دريزدن الألمانية والتي صدرت العام 1969 بعنوان رئيسي هو (المسلخ خمسة) وعدة عناوين ثانوية من اهمها (حملة الأطفال الصليبية)، والتي تشير إلى الحملة الصليبية الخامسة في العام 1212 والتي اشترك فيها العديد من الاطفال من المدن الألمانية، في مفارقة واضحة للحرب العالمية الثانية التي شارك فيها شباب بتجارب طفولية ليموتوا سدى وبلا هدف.

وتدور الرواية حول شخصية الجندي الأمريكي (بيلي بيلغرم) والذي يؤسر من قبل الجيش الألماني ويؤخذ مع رفاقه من الأسرى الامريكيين إلى مدينة دريزدن الألمانية والتي عرفت بجمالها المعماري والتي لم تتعرض إلى الدمار كونها احد المدن الآمنة المتفق عليها من قبل المتحاربين، والعنوان اقتبس من المسلخ رقم خمسة في مدينة دريزدن والذي استعمله الألمان كسجن حربي لجنود الحلفاء. وكعادة فونيغيت في معظم رواياته فإنه يمزج الواقع بالخيال العلمي الساخر، والذي يظهر في شكل ارتحال بطل الرواية (بيلي بيلغرم) إلى كوكب (ترالفمدور) ويتم دراسته من قبل الكائنات المتطورة في ذلك الكوكب ووضعه في غرفة زجاجية ضخمة في حديقة الحيوانات الخاصة بتلك الحضارة على ذلك الكوكب البعيد، وتظهر هذه الرحلات في صورة فقدان للوعي للبطل وكأنه يحاول الهروب من واقع لم يكن له يد في تكوينه. كما يحكي فونيغيت في هذه الرواية المشاهد البشعة للحرب والدمار الشديد الذي لحق بمدينة دريزدن في فبراير العام 1945 نتيجة غارات الحلفاء الجوية والتي استمرت لثلاث ايام متواصلة وراح ضحيتها في بعض الاحصائيات غير المؤكدة حوالي ربع مليون شخص.

في السبعينات من القرن العشرين تحول فونيغيت إلى المزيد من التجريب في البناء الروائي الذي كان اساس مشروعه الادبي، وتوج ذلك برواياته الغرائبية (افطار الابطال) الصادرة العام 1973 والتي اصبحت من اكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة في ذلك العام، واستخدم فيها الكاتب العديد من التقنيات الحديثة مثل، الفصول القصيرة، المقاطع المقسمة في شكل نقاط مطولة، الرسومات التوضيحية المنتشرة على طول الكتاب والتي قام الكاتب نفسه بتنفيذها، إلى جانب ظهوره كشخصية ثانوية في الرواية ولقائه بأحد الشخصيات الرئيسية في الكتاب، وهي شخصية كاتب الخيال العلمي المغمور (كيلغور تراوت)، والذي ألتقيناه في روايات سابقة لفونيغيت، وهي احد العلامات المسجلة للكاتب بتكراره استخدام نفس الشخصيات في معظم اعماله.

بعد النجاحات المستحقة لأعماله الروائية الأولى، عاد فونيغيت للكتابة الخيالية العلمية من منظور تدميري، حيث تلاحقت اعماله التي تخيلت الولايات المتحدة والعالم وقد تحول إلى صورة بشعة من الدمار والتفكك نتيجة اكتشاف اسلحة تدميرية اكثر فتكاً، أو نضوب مصادر الطاقة على كوكب الارض، والتي انعكست في روايته الخيالية الذاتية (تهريج) Slapstick الصادرة العام 1976، والتي يتخيل فيها الروائي امريكا في المستقبل وقد تفككت نتيجة الحروب على مصادر الطاقة، وتعرض العالم لعدد من الأمراض القاتلة، وسيطرة الصينين على ما تبقى من الطاقة العالمية، ووصولهم إلى المريخ بعد ان استطاعوا علمياً تصغير حجم الانسان حتى لا يرى بالعين المجردة وذلك للتقليل من استهلاك الموارد المحدودة المتبقية على الارض. كما كان للحالة السياسية التي مرت بها الولايات المتحدة في السبعينات من القرن الماضي حضوراً في رواياته وخاصة حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت التي اطاحت بالرئيس نيكسون.

يعتبر كيرت فونيغيت من الروائيين الامريكيين القلائل الذين مارسوا التجريب الروائي بشكل ابداعي، باستخدامه لغة انجليزية مبسطة ولا تنحو للتعالي على القارئ، إلى جانب استعارته لأشكال الكتابة الأخرى، كالتقرير الصحفي والسرد التاريخي، واستعماله الرسومات التوضيحية التي كان يضمنها رواياته، وكان الدافع الاساسي وراء تمرده على القوالب الادبية المتعارف عليها جزء من فلسفته التقدمية والتحررية من كل اشكال السيطرة والهيمنة الفكرية على جميع المستويات، السياسية والثقافية والدينية، كما عرف عنه لامبالاته المتطرفة بكل العادات والتقاليد الاجتماعية التي تدعي المثالية وتهدف إلى السيطرة على العقول البشرية.

وشكل الدمار اللامبرر الذي شهده كيرت فونيغيت في الحرب العالمية الثانية، وفي مدينة دريزدن تحديداً، أهمية في جعله من أشرس المناوئين للحروب في العالم واستعمل أدبه ومقالاته الساخرة للاستهزاء من مشاعر الكراهية العمياء والحروب والقتل المبرر باسم الشرعية الدولية، وهو ما جعله من الشخصيات البارزة في اليسار الليبرالي الامريكي المنادي بالسلام والمناوئ لسياسات الهيمنة والسيطرة الدولية التي انتهجتها الادارات الامريكية المتعاقبة.

كما لم يفصل كيرت فونيغيت بين صوته ككاتب وشخصياته الروائية الخيالية فهو شبه حاضر بكيانه الحقيقي من خلال السرد وهو ما منح الشخصيات التي ابدعها حياة شبه حقيقية، كما أنه لم يكتف بذلك وانما استخدم نفس الشخصيات بنفس اسمائها وتجاربها في رواياته المتلاحقة وكأننا نشاهد صورة مشهدية واسعة لحياة مستمرة لهذه الشخصيات سواء خلال الحرب العالمية الثانية أو مرحلة الخمسينات في الولايات المتحدة أو تنامي حدة الحرب الباردة في الستينات والخطر النووي المحدق بالعالم والذي كان يهدد بفناء البشرية أو بتحويلها إلى مرحلة متدنية في سلم تطورها، حتى أن شخصيات مثل (بيلي بيلغرم)، و(كيلغور تراوت) والتي تكررت في العديد من اعماله في أشكال مختلفة، منحتها حياة حقيقية مستقلة عن سيطرة الكاتب التي ابدعها، من خلال اقتباسها في كتابات أخرى لكتاب أمريكيين في السنوات الماضية.

ويجمع معظم النقاد أن كتابات كيرت فونيغيت على الرغم استخدامها الخيال العلمي في غالبيتها إلا أنها لا تصنف ضمن فئة الخيال العملي الاستهلاكي، كونه لم يتبع اساليب الاثارة والترفيه المستعملة في روايات الخيال العلمي التقليدية، فهو أقرب ما يكون لتجربة الكاتب (ألدوس هكسلي) في روايته (عالم جديد شجاع)، والكاتب جورج اورويل في روايته (1984)، التي استخدمت الخيال العلمي كاسقاط للواقع الذي عاشته البشرية في العصور السابقة، في محاولة لتقديم صورة واقعية مريرة للمستقبل.
 
وما تزال كتابات كيرت فونيغيت والذي توفي العام 2007 تثير العديد من الجدل وتعود لواجهة الاحداث بين حين وآخر، ولعل سخريته السوداء، وخياله العلمي المرير، وبذاءته المضحكة، ولامبالاته بالتقاليد والأعراف هو ما جعل منه رمزاً للأدب الساخر والمتمرد، ولعل المفارقة الأخرى التي قد تكتشف في العقود القادمة، أن ما ابدعه من روايات خيالية، باحداثها وتفاصيلها الكارثية، قد نراه يتحقق بشكل لم يتوقعه أحد بمن فيهم كيرت فونيغيت.