Mufti

رسالة من لندن.. مع د. محمد المفتي (الحلقة الثانية والخمسون)

في هذه الحلقة الخاصة من (رسالة من لندن): يقدم الكاتب والمؤرخ د. محمد محمد المفتي رؤيته عن الثورة الليبية وهي تكمل عامها الأول، ويركز على الانجازات التي تحققت والتحديات التي تواجه ليبيا لكي تتجاوز عقود الطغيان والاستبداد.
للأستماع للحلقة اضغط على الرابط

المستقبل بوضوح (د. محمد محمد المفتي)

د. محمد محمد المفتي

أعرب الصحفي في وكالة رويترزللأنباء”دانيال سيروير”عن ذهوله من عودة الأمان وعودة الحياة الطبيعية إلى ليبياعقب حرب التحرير لإنـهــاء أربعة عقود من الديكتاتورية. وقال دانيال إن”ليبيا شهدت أسرعتعاف ما بعد الحرب شاهدته في حياتي، انه أسرع من البوسنة وكوسوفو والعراق أوأفغانستان”. وتساءل ” لماذا هذا الانتعاش السريع ؟

سـماحـة الليــبـيين
وإذا كان مراسل رويترز أول من كتب، إلا أن هذا الانطباعوالدهشة كانت واضحة في أحاديث الصحفيين والدبلوماسيين الذين قدموا إلى بنغازي منذالأسابيع الأولى. في تلك الفترة روج النظام المدحور لفرضية القبيلة .. وهكذا أخذالعالم يتحدث عن القبائل الليبية المتمردة على القذافي. لكنهم فوجـئوا عندما وصلوابنغازي ووجدوا الترحاب والكرم .. وأن بإمكانهم التجول في المدينة إلى ما بعد منتصفالليل .. بل والذهاب إلى الجبهات والإقامة مع الثوار في حميمية لم يعهدوها.

سـرعة الانتعاش والعودة إلى الحياة الطبيعية عائد بالتأكيدإلى موارد ليبيا الحالية والمرتقبة، وما وصلنا من دعم خارجي عربي وعالمي. لكن ماتحقق، وما نشاهد من قـدر عال من  الأمنوالأمان راجـع في اعتقادي إلى طبيعـة شـعبنا السمحة المتسـامحة وروح التكافلالمتأصلة.

والـقـلـق أيـضــا
لكننا نعرف أيضا أن هذه الصورة شبه الطبيعية والمثيرة للإعـجـاب، تخفي وراءهاقدرا من القلق والتوتر، تبدو واضحة في لغة السياسيين المتلهفين وتراشـقهم، وماتنطوي عليه تصريحاتهم من تمجيد وتنـديد أوإدانات وتشكيك.  أما هموم الناس الآن فتتمحور حول الاستقرار وما قد يحملهالمستقبل من مفاجـآت.  الناس تريد أن تعيش،وتبني ويذهب أطفالهم إلى المدارس. وهناك نازحون ومهجرون يريدون العودة إلى بيوتهموقراهم.

ولهذا حيننتحدث عن نتائج ثورة فبراير المجيدة، علينا أن نميز بين ما تحقق وإيجابي ، وبين ماهـو سلبي نتيجة التقاعـس (عدم جمع القمامة) وسوء الآداء ( ارتباك رعاية الجرحي) ،وسوء اختيـار المسئولين واحتجاجات الموظفين ، والعمال المضربين.

الكل يشكو ..من رئيس المجلس الانتقالي إلى رجل الشارع .. لكن الشكوى نزوع طبيعي لدى الإنسان. إنها مؤشـر إلى الفارق بين ما هو مطلوبوبين ما يتحقق فعلا. بل إن غياب النظام اليومي (الروتين) المألوف وسرعة التغييروالتوترات المفاجئة والتوقـع ، كلها تسـبب الإنـهاك النفسي ونضوب الصبر.

والمفارقة أنهذا الاضطراب يبرز بوضوح في الصحافة وأجهزة الإعلام، التي تحظى بقدر هائل منالحرية غير مسبوق في تاريخنا. لكن المثـقـفين أصلا بحكم مشاغلهم وطريقة تفكيرهميرون أن التعقيد هو أصل الأشياء. بينما يستثمر قادة الأحزاب الوليدة كل خبر وكللحظة توقف. في جو الحرية يمسي الجدل والرغبة في الإدهـاش أحيانا هـدفا في حـدذاتـه.

ولنعترف، بلونهنئ أنفسنا، أن هناك الكثير الذي تحقق. لكن الناس وسرعان ما تنسى. ويكفيني مجرداختفاء القذافي وأولاده وجواسيسه ولجانه الثورية، واختفاء الرعب الذي زرعه في كلمكتب ومدرسة وشارع .. واختفاء لغة التمجيد والتملق، وغرائبيات عقل القذافي التيأرهقتنا لمجرد سماعها وقراءتها عدة مرات يوميا على لافتات الشوارع والأوراقالرسمية وإذاعاته .. فضلا عن  أسماء الشهوروالتقويم السنوي، وصفة ” الشـعبية ” التي أقحمت بكل فجاجة وتزوير.  ويفترض أن تختفي الآن ظـواهر الوساطةوالتجاوزات.

بــؤر مـعـتمـة
نعم، بدأتحياتـنا تـعـود إلى طبيـعـتـها .. لكن هناك استـثناءات .. هناك نقاط معتمة بحاجةإلى نقاش ومعالجة.

هناك مناطق بكاملها في الجنوب، في فـزان لم تصلها الثورةبعد، لم ” تتحرر” ، رحلت عنها دولة القذافي، لكن لا وجود لشرطة أو جيشأو أحيانا حتى علم الاسـتقلال، تحت سيطرة مجموعات مسلحة ترعب وتنهب، كما قال ليصديق قادم من هناك. الأمر خطر. كل ما هنالك أن فلول القذافي قد فقدت القدرة والهدفوخارت وتحللت أوصالها.

مقـتـضـــياتالإعـمـــار
 ثرنا من أجل الحرية والعدالة ودولة القانون.وحتى وإن اختلفنا في تفسير هذه المصطلحات، فإنـها تشترك في كونـها مطالب معنوية.وقد تحقق وسيتحقق قـدر كبير منها، لأنـها ضرورية أصلا لاسـتقرار المجتمع وازدهاره.

ونحن بحاجـة إلى إعادة إعـمار، وتنفيذ برنامج واسع للتنميةأولا لمواجـهـة البطالة العالية بين الشباب التي ورثناها عن جماهيرية معمر، وثانيالتعويض كثير من المدن والمناطق التي أهملها نظامـه الأرعن وعـقـوباته الجماعية.والاعـمار قادم بفضل الدخل النفطي، وحاجة العالم للاستثمار لدينا. ومن هنا الحاجـةإلى إعادة بناء إدارات الدولة لتكون في مستوى المهام القادمة، سـواء من باب حسنالآداء أو الشفافية وطمس الفسـاد.

نتــائج حـربالتحـرير
حرب التحرير بقدرما سطرت لليبيين أمجادا من البطولات والتضحيات، تركت وراءها عشرات الألاف من أسرالشهداء، والجرحى. وتركت التشكيلات المسلحة. وهذه كلها مشاكل حقيقية ومعـقـدة ، بلوبمثابة قنابل موقوتـه، قـد تفجر البنـاء السياسي مرة واحـدة وتـلقي بنا إلىهـاوية الفوضى والدمار. وللأسـف لم تظهر بـعـد أي معالجـة جــادة لها. مجرد وعـودوحلول مؤقتة وجزئية مبعثرة. فلا الأموال المطلوبة خصصت ولا إدارة مستقلة وموحـدةأنشئت.

بل إن موضوع الثوار وانتشار السلاح عولج حتى الآن بشئ منالفجـاجة، كقول مسئول مثلا أن على الثوار أن يغادروا طرابلس إلى مدنهم، كما لوكانوا مرتزقة، حاشى الله. ناهيك عن حملة التشويه المشبوهة التي لم يتصدى لتفنيدهاالإعلام ولا المسئولين. وقد طالبت مرارا في أكثر من مقال، بضرورة إشـراك الثـوارفي السلطة وتسليمهم حقائب وزارية الآن. وقـد سـبق أن قدمت للأسـتاذ مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقاليبرنامجا متكاملا باسم ” مشروع الوفاء والعرفان” لإعـادة اسـتيعاب وتأهيلالثوار، بالمكافآت المالية والأوسـمة، والمرتبات والتدريب المهني أو العسكريوالبعثات الدراسية، ومنحهم قطع أراضي سكنية ومعها منح لبنائها، بل وامتيازاتمعنوية وصولا إلى تخصيص شباك في كل مصرف لخدمتهم.  
شـكل الدولـةالمطـلــوب
دولة القذافياتسمت بالفوضى لخلخلة المؤسـسـات وإشـاعة الفسـاد عن قصـد. بينما أقام الطاغيةدولتـه الموازية المعتمدة على أجهزة المخابرات واللجان الثورية. وكما يبدو لنااليوم، فإن الرجل الذي كان مسكونا بشتى المخاوف، كان همه تكديس السلاح في أرجاءالصحراء عسى أن يحميه ذات يوم. أما الدولة فابتكر لـها شتى الأشكال من مؤتمراتولجان وفعاليات وتصعيد، كلها من باب التمويه في ضوء ما تكشف اليوم. ومن باب إحكامالسيطرة تحولت الحكومة تدريجيا إلى سلطة مركزية يديرها أحد أزلامه، وحملت طرابلسوزر ما حدث.

إن بلادنا بحكمتكوينها الجغرافي الشاسع وبعد المسافات بين مدنها وقراها، لا تمكن إدارتـها إلابشكل من أشـكال اللامركزية .. وقد طالبت مرارا بإعادة إحياء نظام المحافظات الذيأنشئ عام 1963، بعد تعديله ليتواءم مع التكاثر السكاني خلال نصف القرن الماضي.ونظام المحافظات من شـأنه أن ييسر على المواطن، ويسـمح بتوزيع عادل لحق كل منطقةفي دخل النفط وبرامج التنمية.
وأخــيـــــــرًا
لقد كانتالحياة في ظل الطغيان مرعبة وبشـعة ومدمرة ومهينة. وكانت الإدارة فاســدة ومهلهلةومتدنية الكـفــاءة. ونحن اليوم في مواجـهة تحديات هائلة وخطرة. وعلينا أننعالجـها بحكمة ، وإلا سـندفع الثمن أضـعافا مضاعفة. والثورات، مثل الحـروب،تـقـود إلى نتائج تتجـاوز خيالات من حلموا بها أصـلا ودعـوا إليها. فلنحتفظبتوازنـنا، ونبقى بصرنا مركزا على المشاكل الحـقـيـقـية، بعيدا عن الصخب الإعلاميوتنافس النخب السابق لأوانـه. ذلك أن مهام هذه المرحلة الأسـاسية هي تحقيقالاســتـقـرار والمحافظـة على وحـدتنا الوطنية. وعسى أن يحمي الله ليبيا من شططبعض أبنائها.
بنغـازي 11 /11 / 2011

إنتْ لْمَن.. بالله ؟!! *

إذا صادف وجلست بجوار انجليزي في قطار مثـلا .. فإن الطريقة المعتادة لكـسـر رتابة الصمت وفتح دردشـة أو حوار .. أن تبدأ بالتعـليق على الجـو: إنه جميل، رائع أو ردئ ..إلخ. وهكذا يبدؤون أحاديثـهم. وربما رد عليك بأن الجو أجمل بالتأكيد في بلدك؟ وقد يتطور الحوار.

لمن إنت بالله ..؟

أما عندنا .. فأقصر طريقة للتـعارف هي أن تسـأل: لمن إنت بالله ..؟ أو تنويعاتها “لمن أو منين حضرتك؟” .. أو ” لهجتك شرقاوي أو جبالي؟” .. وربما أجـاب بأنه من قبيلة كذا .. أو من الخمس أو جردس أو ترهـونة أو يـفرن أو القـيـقـب ؟ وإذا كنت سريع البديهة وعندك فيه مصلحة، سـتبادر بتذكر أزواج عماتك وأزواج بنات خـالة ولدَيـْن بوك ؟ وهكذا يـمـتـد جـسر من الحكايات والـقـرابـة الوهـميـة .. ليـفتـح باب الثـقـة والمـعـاملـة المـتـميزة .. وربما “المســاعدة” وتجـاوز اللوائـح!

“لمن إنت..؟”، من الأسئلة التي يحتاج إليها المواطن الليبي .. لحل أي مشكلة عارضة ، والتعرف على أحد الموظفين في مصرف لتسريع خدمة .. أو لتهدئة خاطر شرطي المرور الذي يريد أن يحرر لك مخالفة !

القـبيـلـة كنـمـط حـيـاة

للمجتمع الليبي خصائصه وخصـوصياته .. بعضها إيجابي وبعضها سلبي. فالقبلية مثلا كانت كيانا اجتماعيا يحقق الدفاع عن أبنائه وعن أرضهم وآبارهم… لكن متى؟ في ظروف البداوة وقبل دخول التقنية. في بيئة تميل إلى الجفاف وعرضة لدورات القحط كل بضع سـنين. آنذاك كانت القبيلة درعا واقيا.

اليوم اختفت مظاهر الحياة القديمة .. هناك خدمات صحة وقائية لمواجـهـة الأوبئة .. ونحن الآن نزرع والأهم أننا قـادرين على اسـتيراد سـلعنا التموينية ، بفضل ريـع النفط. ولم نعد نرحل على ظهور الإبل بل في سيارات قلع وطائرات .. وبكل بيت تلفزيون وحتى الراعي التشادي بيده موبايل.

عـالم الحـداثـة

العـلاقات البشـرية تـغـيرت أيضا .. كان الإبن حين يكبر يرعى أغنام أسرته ويحرث ويحصد. وطـبـعا الأب هـو صاحب الرزق وبالتالي المـهـيمن  .. يأمر ويـقـرر ويزوج أبنـاءه ويربي أحـفــاده

لكن التعليم ووسائط النقل، فتحت للشاب والشابة الانتقال من قريته إلى إحدى المدن لمواصلة الدراسـة .. والعمل في مهنة أو وظيفة كمـدرس أو طبيب أو مـهـندس أو محامي أو محاسب .. إلخ. هـذا الانـتـقال من أجل المستقبل والرزق، أضـعـف سـلطة الأب وأوهـن الانـتـماء القبلي أو الجـهوي.

وحين يخفت الانتماء المحلي لا يبقى سوى حنين إلى أيام الطفولة وذكريات أسرية .. باختصار انتماء فولكلوري . . قد يـعـززه ميراث قطعة أرض وحلم ببناء منزل في مسقط الرأس. لكن الرحلة من البادية إلى المدينة عـادة ما تكون طـريـقاً في اتجـاه واحـد!!

جليّ إذن أن الانتماء القبلي أو الجـهوي في تراجـع. لكن لماذا نـسمـع كل هـذا الإصـرار على إعلان الهوية القبلية أو الانتماء الجـهـوي ؟. وكل هذه اللافتات لروابط القبائل؟

من باب المصـلحـة ؟

أحيانا يصرّ أو يبالغ البعض في تأكيد هذه التمايزات القبلية والجـهـوية التي تفصـلـهم عن الآخـرين .. لأسـباب كثيرة:

·         هـناك أولا تخلي الدولة عن دورهـا في حسم حـوادث السيارات أو جرائم القتل أو مشاكل الأراضي .. فتترك الأمر للجان المصالحة التي تقوم بدور هـام لا ينـكـر .. لكن التسويات إذ تتم من خلال شـيوخ القبائل ، فإن احـتماء الفرد بالقبيلة يتزايد!!
·         وهناك أيضا المصالح المادية التي قد تجنى .. إذ ربما اسـتـغل البعض الهوية القبلية أو الجـهـوية  لتحـقـيـق مصالح شخصية كالحصول على عـطـاء أو الفوز بمنصب !! 
المـغـالطــات

إذن استمرار الحساسيات الجـهـوية ينبع من مغالطات قصدية أو مبالغات عـفـوية. لماذا نعتبرها مغالطـات؟ لأن الليبيين في أي منطقة خليط من كل أنحاء البلاد .. فتجد الكرغلي والمسماري والزوي في سبها وطبرق .. وستجد الفيتوري والفرجاني والهـوني وغيرهم  في أقصى قرى وواحـات برقة. بل إن مراكز حضرية مثل بنغازي ودرنة كادت قبل عـقـود أن تكون بالكامل من سلالة وافدين من الغرب الليبي .. من مصراته وورفله وترهـونة وزليتن وهـون.. وهناك بيوت وأفخاذ وعائلات وبيوتات بكاملها من سـلالة قبائل من طرابلس وفزان سبق أن هاجرت قديما وانصهرت فى بادية برقة.

المفارقة أننا اليوم في القرن 21 ، وضعنا قيودا على الحراك الطبيعي … فالقانون رقم 4 للـعـقارات مثلا، يقف عائقا .. والبعض يتردد أو يمتنع عن الانتقال الوظيفي أو المهني لأنه لا يستطيع امتلاك أو تأجير مسكن إضافي في مدينة أخرى.
شــــعـبيات أو دويـلات ..؟

وتبرز هذه التحيزات الغريبة على روح العصر في مواقـف غير متوقـعـة. فمـثلا، رغـم أن إنشاء جـامعـات في كل الشـعبيات يمثل خـطـوة متـقـدمة ومؤشـر لطمـوحـنا التنموي، إلا أن اقـتصار كل جامعة على أبنـاء منـطـقـتها لا يسـاعد إلا على العزلة والتـقـوقع ونمـو الأوهـام الجـهوية والحسـاسيات. وربما كانت هناك سلبيات لاختلاط الطلبة كما علق أحد المتشـائمين .. كأن يساعد على أعمال الشـغـب والمـظــاهرات الطلابية .. ربما .. لكن زمن الحركات الطلابية مضى في العالم كله .. فالاتحادات الطلابية والنقابية لم تـعـد لـها أي فـعـاليـة سـياسية .. بينما وفـرت الإنترنت والموبايل والمسـاجد، قـنـوات جـديدة للاتصال  ولنشر الأفكــار.

ومهما كانت الملابسات، يبقى من المؤسـف بل من المخجل .. أن تتـقـدم طـالبة من البيضاء مثلا لدراسة طب الأسنان في بنغازي، لعدم وجود كلية لطب الأسنان في مدينتها، ولديها المجموع المطلوب، ثم يرفض قبولـها لا لشئ سـوى أنـها ليست من مواليد المدينة التي بها الجامـعـة. فهل أمست الشـعبيات ولايات منـغـلـقة على نـفـسـها إلى هـذا الحـد؟
قبـيـلـتي أصـحـابي !

أنهي هذا المقال بحكايتين: الأولى تخص صديقي عبد الحكيم برشان .. الذي قـسَـت عليه الأقدار، فـاغترب وتأورب. وبعد ربع قرن قـرر زيارة الوطن. وفي مطار طرابلس العالمي أو الدولي .. سـأله رجل الجوازات عن إسـم قـبـيلـته. فهـز حكيم كـتـفـيـه : ’’ ما نعرفـش!‘‘. ومع تكرار السؤال، انفرجـت أسـاريره، وقال حكيم بكل جدية وشـفافية: ’’ قبـيـلتي أصـحـابي .. باهي؟‘‘. وانفجر الجميع بالضحك.

الثانية ، تـعـليـق لصديق متـقـدم السن قال لي:’’ كلامك مضبوط يادكـتـور.. لكن تخـيل أنك تكون حاصل وضايقه بيك الدنيا  في معاملات إدارية. ومصالحنا الحكـومية عنـدها قـدرة على اخـتراع أغرب الأعـذار لتعطيل المـعـاملات. وبعدين يطلع لك حـد من مـعـارف عمك أو أو أقارب خالك، أو جـار بوك أيام الميزيريا.. وفجأة تتـبـخـر كل المصاعب. فـيه أجمل من هـكي؟ .. بلادنا صـغـيرة .. ولهذا إمكانية التعارف قائمة .. في بلاد أخرى والله ما يعرفك مخلوق .. فالكـثـرة تحرم الود‘‘.

لكنني مع الصديق المهندس محمد شـنيب الذي علق يأن الرد الصحيح هـو ’’ أنا ليبي وبس .. ألا يكـفي هـذا ..؟‘‘. لكن متى تسـتـقـر هذه الـقـنــاعة في قـلـوبنـا ؟
التـعـصـب .. طريق الدمار

وبعيدا عن هـذه الرؤى الدعابية … ييقى التحـيز تحت أي عـنوان أو يافـطـه ظـاهرة متخلفة .. فالتـعـصـب مهما كانت بداياته سـاذجة أو دعابية ، يتحول في النهاية إلى ظـلـم وقـهـر.. كما حدث في حـقـبة التميـيـز العـنـصري في جـنوب أفريقيا وكما يفعل الصـهاينة اليوم في فلسـطين.. وبين الطوائف في العراق والباكسـتان. ولعل أشد المفارقات ما نراه في السودان .. فالجميع هـناك سـود ومسـلمين ويتحدثون العربية، لكنك تجد من يقـول لك أن الفوريـيـن أفارقة وليسوا عربا !! وباسم هذه التصورات ترتكب المذابحوبدرجات مخـتـلفة تمارس العـصـبية عنـدنا، عن جـهـل، في المجتمع الواحد والمدينة الواحـدة والقرية الواحـدة أحيانا

التحيز الأعمى نفي لحقّ الآخر في  أن يكون مخـتـلـفـًا .. في أن يكون له إسـم أو رأي أو سـلوك أو مـعـتقـد مختلف عنك .. وإذا حرمـتـه من تلك الحـقـوق يصـبح أيضا من السـهل أن تـحـرمه من حـقـه في الحياة

_____

* تنويه وشكر: ارسل الدكتور محمد المفتي هذا المقال لنتشرف باعادة نشره في مدونة امتداد فله الشكر والتقدير.