هرطقات

بين الحين والآخر اضبطني متلبساً بها… وجهها الشهد يقطر بالقلق، يدها الأليفة ما تزال تحمل ندبة ابتسامتي
*

هي تستمرئ “الكذبة”، تعيدها على مسامعها كل ليلة، حتى انها اصبحت تسميها “الحلم
*

هي اصل الحكاية ومبتدأها، رفيقة المتعبين الذين ضيعتهم الطرق الملتوية في آخر الدرب، هي التي انتحلت صفة الوطن واقتلعت آخر ما لدي من امل
*

الفسق الذي صار يلاحقنا كل يوم، يمارس عهره الرخيص، انهم أولئك المتشدقون بأخلاق الانبياء الذين صار فسقهم يزيدني ألفة مع هرطقتي
*

لدى اقترابنا من البوابة الأولى رمقنا ببندقيته اللاهثة، أومأ برأسه أشارة للتوقف أو ربما كان يطرد ذبابة استكانت على لحيته الفوضوية
*

كانت الثورة ملاذنا من الموت الداخلي الذي كان يتمدد من اخمص القدم، لكن حين انتهت الثورة صرنا نطلب المزيد من الموت عسى أن تستمر
*

رتل يذهب ورتل يجيء، موتى هنا وقتلة هناك، الضحية واحدة وإن ادعى المجرم الشهادة
*

الاشاعة ملاذ الخائقين من قول الحقيقة

مهـــــد القطـــــة: رواية مترجمة (الحلقة التاسعة)

29 رحل، لكنه لن ينسى

كنت اريد القيام بشيء آخر في )إلليوم( قبل مغادرتها. أردت أن التقط صورة لضريح الرجل العجوز. لذا عدت لغرفتي في الفندق، حيث لم أجد ساندرا، أخذت أله التصوير، وطلبت سيارة اجرة.

كان الثلج الخفيف ما يزال يتساقط، لاذع ورمادي. خيل إلي أن شاهد ضريح الرجل العجوز سيظهر بشكل مؤثر في الصورة مع هذا الثلج، وقد تصلح لأن تكون صورة جيدة لغلاف كتابي – يوم أنتهى العالم.

دلني الحارس عند بوابة المقبرة عن الطريق للوصول لمدافق عائلة هونيكير. قال “لا يمكنك تضييعها، ففيها اكبر معلم في المكان.”

لم يكن كاذباً. فالشاهد الحجري كان قضيب مرمري بارتفاع عشرين قدماً وعرض ثلاث اقدام. لقد كان مزداناً بالثلج.

“يا إلهي،”  صحت بينما كنت انزل من السيارة وآلة التصوير بيدي “ألا يليق هذا النصب التذكاري بوالد القنبلة الذرية؟” قلت ضاحكاً.

طلبت من السائق الوقوف بجانب النصب لكي يظهر حجمه بالمقارنة به. ثم طلبت منه أن يمسح الثلج عنه لكي يظهر اسم الميت.

قام بذلك.

وهناك وعلى القضيب ظهرت أحرف بحجم ستة بوصات، الله المستعان، ظهرت كلمة:

الأم

30 نائمة فقط

“الأم؟” تسأل السائق بريبة.

ازلت المزيد من الثلج لكي تظهر هذه القصيدة:

أمي، أمي، كم اصلي
من أجل أن تحرسينا كل يوم.

-          انجيلا هونيكير

وتحت هذه القصيدة كتبت واحدة اخرى،

إنتِ لست ميتة،
ولكنكِ نائمة فقط.
علينا أن نبتسم
ونكف نحيبنا.

-          فرانكلين هونيكير

وتحت ذلك، كان هناك مربع من الاسمنت يظهر عليه بصمة يد طفل صغير. وتحت البصمة الكلمات التالية:

الطفل نيوت.

“إذا كانت هذه الأم،” قال السائق، “فماذا نصبوا فوق الأب؟” موحياً بشكل فاحش لما قد يكون النصب المناسب للأب.

وجدنا الأب بالقرب. كان تذكاره- كما حددته وصيته، التي اطلعت عليها لاحقاً- مكعباً رخامياً بطول اربعين سنتمتراً من كل جهة. كتب عليه:

“الأب”

31 )برييد( آخر

بينما كنا نهم بمغادرة المقبرة، بدا السائق قلقاً عن حالة قبر والدته، وطلب محرجاً أن نمر بسرعة لإلقاء نظرة عليه.

كان شاهد قبر والدته عبارة عن صخرة صغيرة بائسة. وإن كان ذلك غير مهم.

ثم سألني السائق إن لم امانع بالمرور هذه المرة على محل شواهد الاضرحة على الجانب الآخر من الطريق إلى المقبرة.

في ذلك الوقت لم أكن بوكونونياً، لذا وافقت بامتعاض. فالبوكونوني، طبعاً، سيوافق بسرور بالذهاب إلى أي مكان يقترحه أياً كان. وكما قال بوكونون: “مقترحات السفر الغريبة هي دروس إلهية للرقص”

كان اسم محل شواهد الاضرحة (افرام برييد وابناؤه). وبينما تحدث السائق مع موظف المبيعات، تجولت بين الشواهد والنصب – نصب فارغة، نصب تذكارية للاشيء بعد.

وجدت طرفة مهنية في حجرة العرض عبارة عن تمثال لملاك حجري معلق حوله دبق. وتحت قاعدته تراكمت أغصان الارز، ووضعت قلادة من مصابيح شجرة عيد الميلاد حول عنقه الرخامي.

“بكم هذا الملاك؟” سألت البائع.

“ليس للبيع. عمره مائة عام. لقد قام جدي الأكبر، افرام برييد بنحته.”

“هل المحل بهذا القدم؟”

“نعم.”

“وهل أنت من عائلة برييد كذلك؟”

“نعم، رابع جيل في نفس هذا المحل.”

“هل لك صلة قربى بالدكتور (آسا برييد)، مدير مختبر الابحاث؟”

“إنه أخي.” وذكر أن اسمه هو مارفين برييد.

“عالم صغير حقاً،” اردفت قائلاً.

“هو كذلك عندما تضعه في مقبرة”  بدا مارفين برييد رجلاً أنيقاً وخشن، حذق وعاطفي.      (يتبع)
________________
* للاطلاع على كامل اجزاء الرواية السابقة اضغط هنـــــــــــــــــــا

رسالة من لندن.. مع د. محمد المفتي (الحلقة الثانية والخمسون)

في هذه الحلقة الخاصة من (رسالة من لندن): يقدم الكاتب والمؤرخ د. محمد محمد المفتي رؤيته عن الثورة الليبية وهي تكمل عامها الأول، ويركز على الانجازات التي تحققت والتحديات التي تواجه ليبيا لكي تتجاوز عقود الطغيان والاستبداد.
للأستماع للحلقة اضغط على الرابط

Riddle (Poem)*

By: Moftah al-Ammari**

 

Show me my name

I am drunk with my labour

Show me my home

Addresses of my family

My face

And my shadow if you can

Show me

O Father, and take a country

________________________

* From the collection (Mashyet Al’aser) - Libya – 2004

** Moftah al-Ammari: born 1956, a renowned Libyan poet. Began writing short stories in the late 1970’s and by the mid 1980’s he emerged as one of the leading new poets in Libya. He has twelve published books.

عندما قتل القديس جورج التنين الليبي

الناظر إلى أعلى القلعة يمكنه أن يراه بوضوح. معتلياً صهوة جواد متمرد، مندفعاً بقوة، وهو يدوس على تنين شرس بينما يخترق رمحه فم الوحش. يقال أن القديس جورج (مار جرجس) المولود بحسب المراجع المسيحية في مدينة (اللد) الفلسطينية نهاية القرن الثالث الميلادي. ويقال أنه ولد لأسرة مسيحية عريقة، ولم يعرف غير المسيح مخلصاً، وبالرغم من كل ذلك فقد كان والده ضابطاً في جيش الامبراطور الروماني (دقلديانوس)، ثم اصبح هو الآخر جندياً لإمبراطور كان يفضل عبادة الآلهة الاغريقية/الرومانية على عبادة إله/إنسان من سوريا.

لكن الاساطير على ما يبدو كثيراً ما تتقاطع وتتمازج وتعود لتنمو في مكان آخر في زمن آخر. ففي فلسطين وبمدينة اللد، يمكنك زيارة ضريح القديس جورج في كنيسة بنيت لتخليده، والمفارقة أن هناك مسجداً يلاصق الكنيسة يسمى بمسجد (الخضر) نسبة للشخصية الدينية الغامضة التي ذكرت في القرآن بلا اسم محدد في قصة النبي موسى والرجل الصالح، لذا يقال بأن الخضر هو نفسه القديس جرجس.

 ارتبط القديس جورج بعدة قصص أسطورية أخرى، حتى أن حقيقة جورج الانسان تكاد لا ترى في هذا الكم من الرموز والعبر. في كنيسة القديس جورج بفلسطين يأتي المرضى لطلب الشفاء من شفيع الكنيسة، حيث يلمسون قطع معدنية مطوقة يقال أنها كانت الاصفاد التي غل بها القديس، حين عذب حتى الموت من قبل الامبراطور دقلديانوس حين اكتشف أنه يدين بالمسيحية ورفض الاعتراف بإله الدولة الرسمي، جوبيتر.

حين ابحرت قوات ميليشيا (فرسان القديس يوحنا) من جزيرة مالطا إلى طرابلس، وبعد عقدين من حكم الاسبان هذه المدينة، ليستلموا المدينة ويحكموها لعشرين سنة، وجدوا امامهم فرصة لكي يبنوا موطأ قدم لطريقتهم العسكرية المسيحية، وربما بناؤهم لتحصينات قوية حول المدينة إلى جانب الكنائس ودور العبادة، جعلتهم يستعدون بشكل أو بأخر للمواجهة التاريخية التي ستلي ذلك ببضعة أعوام عندما حاصر الاسطول العثماني جزيرة مالطا، لعدة اشهر، فيما عرف بشكل مبسط في ادبيات الفرسان اليوحنيين، بحصار مالطا. يقال إنهم قبل أن يتقهقروا إلى الجزيرة بعد خسارتهم لطرابلس على يد العثمانيين بقيادة ادميرال البحر (الريس درغوت) والقائد(مراد آغا)، يقال أنهم تركوا ورائهم منحوته جدارية تخلد لمعركة اسطورية خاضها القديس جورج مع تنين. تركت المنحوتة عدة سنوات في داخل كنيسة القديس جورج الواقعة في مدينة طرابلس القديمة وغير بعيد عن كنيسة السيدة مريم، حتى قام الايطاليون بوضعها في اعلى قلعة السرايا الحمراء بركنها الجنوبي الشرقي.

لعل الايطاليين ظنوا أنهم يستطيعون بناء روما حديثة انطلاقاً من الشاطيء الرابع، كما كان يسمون ليبيا، أو ربما ظن موسوليني أو غراتسياني أو الطيار الحربي بالبو، الذي اشرف على بناء معظم ليبيا الايطالية، أن وجود القديس جورج في اعلى القلعة سيكون حامياً للمدينة، تعويذة تدفع الشر وترعب الشيطان/التنين من الاقتراب من اقليمها “المستعاد”، الفاشيون الأوائل يلهمون من يلحقهم من فاشيين جدد.

المفارقة الساخرة أن شعار القديس جورج (الفلسطيني)، الصليب الأحمر بخلفية بيضاء، اصبح شعاراً للكثير من الدول الأوروبية من بينها انكلترا، واصبح الفاشيون الجدد في انكلترا، المتمثلين في الاحزاب اليمينية المتطرفة، والتي تدعو إلى التخلص من غير البيض في بلادهم، يستخدمون شعار القديس جورج في حملاتهم العنصرية، القديس جورج الذي اصبح كالمسيح كذلك شعاراً للحروب والموت.

تقول الاسطورة أن القديس جورج زار ليبيا في زمن مجهول، ويذكر كتاب الاسطورة الذهبية أن حادثة قتل التنين الشهيرة جرت في مدينة سيلين. كان الفارس جورج في ظهيرة ذات يوم يمر بالقرب من بحيرة حين استرعى انتباهه تنين عملاق يهم بالتهام فتاة مقيدة بالاصفاد، فاندفع بحصانه فوق التنين ودفع برمحه في فمه حتى استكان، وخلص الفتاة البريئة والتي اتضح أنها ابنة ملك المدينة التي كانت تجري قرعة كل عام لمنح الشيطان المتلبس في صورة تنين احدى فتيات المدينة لكي لا ينزل الاذى بالمواطنين. وكما كل الاساطير القديمة، والتي تقدم نهاية ساخرة، انتصر القديس جورج على الشيطان وقدم التنين الذي اصبح أليفاً كقط منزلي إلى الاميرة التي اعتنقت المسيحية مع ابيها الملك وكافة سكان المدينة.

القديس جورج ما يزال معلقاً اعلى قلعة طرابلس، لا يكاد يثير انتباه احد من المارة بالاسفل، حتى أن الكثيرين قضوا حياتهم في هذه المدينة دون أن يعرفوا أن القديس جورج ما يزال في الأعلى يقتل التنين كل يوم. التنين الذي يبدو أنه ما يزال ينتظر لحظة ماكرة لكي يسقط القديس من فوق صهوة جواده. لكن حتى ذلك الحين سيحمي القديس جورج المدينة من هجوم فاشيين جدد مدججين بالقنابل والجرافات معتصمين بإله غاضب كغلام نزق.

الروائي والديكتاتورية

اقيمت مساء الاثنين 05/03/2012 محاضرة للروائي الليبي هشام مطر في كلية الدراسات الشرقية والافريقية بجامعة لندن، والتي عنونها الكاتب (رجال يتسللون على رؤوس اصابعم لمخدع الزوجية: الروائي والديكتاتورية) وقمت بكتابة بعض الملاحظات التي استقيتها من هذه المحاضرة المثيرة للاهتمام، وخاصة وانها تنتقل من العام إلى الخاص وتتحدث عن الحالة الليبية للروائي والاديب في مواجهة الديكتاتورية.
استهل المحاضر حديثه بالتركيز على حالة الفنان (الشاعر والروائي) في المنفى واستقى من تجربة الشاعر الروماني (أوفيد) والمشهور بكتابته عدة قصائد شعرية من اهمها قصيدته الملحمية (التحولات) وركز المحاضر حديثه عن حالة (أوفيد) بعد قرار الامبراطور (الديكتاتور) الروماني اوغسطس نفيه إلى إلى خارج روما إلى منطقة نائية على البحر الاسود تسمى توماش تقع في رومانيا الحالية. ويسرد (هشام) كيف أن أوفيد تعامل مع المنفى والاغتراب من خلال الانفصال عن المجتمع الروماني وكذلك الانفصال عن اللغة من خلال نفيه إلى منطقة لا يملك اهلها لغة مكتوبة. حالة المنفى التي يعيشها اوفيد تعبر عن علاقة الروائي (الفنان) بالسلطة الحاكمة (الديكتاتورية أو أي سلطة مشابهة) وتزداد هذه الحالة تعمقاً في نفس الفنان بانفصاله عن المجتمع واللغة والثقافة التي ينتمي إليها.
هذه الحالة التهميشية، ان صح التعبير، تتكرر في عدة مراحل، ويسرد المحاضر كيف تعامل المفكر ادوارد سعيد مع فكرة المنفى والابداع في كتبه ومقالاته، وهو نفس الحال مع الروائي الاسترالي اللبناني الاصل دافيد معلوف في روايته الثانية (حياة متخيلة) الصادرة العام 1978 والتي تدور حول حياة الشاعر (اوفيد) في منفاه في توماش والغربة اللغوية والثقافية التي عاشها حتى مماته.
يعرج (هشام) بعد ذلك إلى عرض فكرة المنفى والاغتراب لدى الفنان في العصر الحديث، وخاصة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، الفنان الذي يهجر المجتمع ويتعامل معه الآخرون ككائن غريب الاطوار، بل أن الكثير منهم يرى أن الحالة الابداعية للكاتب هي حالة انفصال عن المجتمع. وتصبح حالة المنفى الوجودي للفنان في داخل المجتمع ملازمة للابداع على الرغم من استمرار علاقته مع المجتمع وهي حالة عبر عنها الشاعر الانجليزي أودين “الكاتب في حالة حصار” ويعدد المحاضر الجماعات الادبية والفنية التي تكونت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين والتي مارست حالة المنفى الداخلي الوجودي بانفصالها عن المجتمع ونبذها للعلاقات الاجتماعية لحساب الحالة الفنية الابداعية.
إلا أن علاقة الكاتب (الفنان) مع المجتمع ومع السلطة تشهد تغيراً في النصف الثاني من القرن العشرين، ويركز (هشام) على كتابات وفلسفة الروائي الفرنسي البير كامو وخاصة من خلال روايته المشهورة (الغريب) ويركز على أن الكاتب في هذه المرحلة يعود إلى سرد الحقائق بكل هشاشتها وخشونتها ولا يسعى للتنظير أو التعالي على المجتمع من خلال اعماله، بل إن الكاتب يؤكد على اتخاذه موقف في الحياة وتحوله إلى المثقف العضوي الفاعل في الحراك السياسي والاجتماعي للجماعة التي يعيش داخلها، إلا أن فعل الابداع في حد ذاته يستمر كفعل انفصالي يعبر عن غربة الفنان ومنفاه. موقف كامو يتعزز بموقف كاتب اخر في نفس الفترة هو جورج اورويل الذي يؤكد أن كل اعماله ركزت بشكل مباشر او غير مباشر على محاربة الانظمة الشمولية والفاشية في كل مكان.
إلا حالة الانفصال تبدو جلية من خلال اعمال كامو واورويل، حيث الشخصيات المنفصلة عن المجتمع، والتي تعاني من علاقة اغترابية مع الجماعة، وهو ما يعبر عن علاقة حزن سوداوية مع المجتمع يستطيع من خلالها أن يجد الكاتب والفنان مساحة من الحرية لممارسة فعل الانتاج الابداعي. ويتذكر هشام هنا رحلة قام بها مع والده إلى كهوف فزان الليبية والتي زينت برسومات قام بها فنان العصر القديم قبل آلاف السنين ويدلل إلى أنه الفنان احتاج إلى الانفصال عن الجماعة للتعبير عن حياة هذه الجماعة من خلال الرسومات الكهفية حتى في العصور الغابرة.
ثم خصص المحاضر الجزء الأخير من مناقشته للتركيز على الذكورية والاحساس بالانفصال من خلال تجربة الكاتب الليبي والرجل الليبي في مواجهة نظام ديكتاتوري. إلا أنه يذكر قبل ذلك مثالين لتعامل الكاتب مع السلطة الحاكمة من خلال الكاتب الفرنسي (اندريه مالرو) والروائي البيروفي (ماريو فارغاس يوسا). حيث يذكر كيف اقنع الجنرال شارل ديجول وبعد عدة محاولات الكاتب الفرنسي اندريه مالرو بدخول عالم السياسة والسلطة وتخليه عن حالة المبدع المنفصل عن المجتمع، ويسرد موقفاً ذكرته زوجة الجنرال ديجول في مذكراتها حيث تذكر ايفون ديجول الليلة التي عاد فيها زوجها الجنرال متأخراً وتسلل على رؤوس اصابعه لمخدع الزوجية وسألته أين كان هذه الليلة فرد “الليلة اغتلت اندريه مالرو” دلالة على موافقة الكاتب تعيينه وزيراً في الحكومة الفرنسية. بينما يسرد مشهداً مشابها حدث مع الروائي البيروفي المعروف ماريو فارغاس يوسا الذ قرر مطلع التسعينات ترشيح نفسه للرئاسة في البيرو وتسرد زوجته أنه في احد الليالي عاد فارغاس يوسا متأخراً من حفل انتخابي وتسلل إلى مخدع الزوجية وقالت له معاتبة “كنت يوماً ما متزوجة بروائي“.
ويدخل (هشام) إلى الحالة الليبية وخاصة الرجل الليبي المقموع في دولة حكمها الخوف لأربعة عقود، ويقول “أن الخوف في ليبيا قتل العديد من القصائد، الخوف قتل العديد من الروايات، لقد كان الخوف كالاشواك في الحلق”، وان الخوف قلص مساحة الحرية والتعبير للرجل والكاتب الليبي، حتى وصلت إلى مخدع الزوجية، حيث اصبحت المجاهرة بأي افكار او آراء ضد الديكتاتورية مغامرة محفوفة المخاطر. ويشبه هشام حالة الرجل الليبي خلال مرحلة القذافي بأنها حالة من الصمت والعجز، واصبح الكاتب الليبي يواجه ديكتاتورية لا تريد له أن يستمر لأن من طبيعة الديكتاتورية أنها تخشى من الكاتب والمبدع لأنه يصنع سرداً موازياً وعفوي يتعارض مع السرد الذي يريد الديكتاتور كتابته وفرضه على المجتمع. ويركز على تجربته في كتاباته الروائية وخاصة في روايته الأولى (في بلاد الرجال) الصادرة العام 2006 حيث كان في حالة من الصراع بين احساسه بالكراهية لنظام قمعي مس حياته الشخصية من خلال اعتقال وتعذيب وتغييب وقتل العديد من افراد عائلته على رأسهم والده (جاب الله مطر) الذي اختطف من قبل نظام القذافي العام 1990 في القاهرة ولم يعرف له اثر حتى اليوم، احساس الانتقام كان يدفعه لتعرية هذا النظام وكتابة نص روائي سياسي يشفي غليله. إلا أن احساس بالخوف انتابه كذلك، الخوف من قبضة الديكتاتور الحديدية، الخوف على افراد اسرته ووالده المعتقل من انتقام القذافي، مما قد يجعله يمارس الرقابة الذاتية على كتابته، إلا أنه في النهاية قرر أن يكتب روايته بعيداً عن أي احاسيس انتقامية أو خائفة، تاركاً للسرد أن يتجول بحرية دون سبق اصرار أو ترصد.
في نهاية محاضرته والتي استمرت لأكثر من ساعة، يختم هشام مطر بقوله أن القذافي قد يكون نجح في وأد الكثير من الكتاب والافكار والروايات إلا أنه لم يستمر وأن امام ليبيا والكاتب الليبي في مرحلة ما بعد القذافي، فرصة لممارسة الحرية، ويؤكد أن الروائي الليبي تحول من كائن ملاحق ومقموع إلى كائن يمارس حرية الكتابة. وأن مخدع الزوجية اصبح مكاناً للحرية المطلقة.

غثيـــــــــان

هناك دائماً من سيثير غثيانك.. هو فقط من سيقتات على حزنك.

تجلس معهم، تستمع لحديث يذكرك بالقديم، تدعي أنك تتابع ما يقوله، ايماءة، تحديقة في العين، ابتسامة مخاتلة، وهمهمة مبهمة تعد بالاستمرار.

تدعي اهتمامك بحديث يثير فيك احساساً بالقلق لكنك تنظر إلى ما وراء مخاطبك، تلمح زبوناً نهماً يأكل قطع من السوشي في الطاولة المقابلة، تشعر بالالم.

ما الذي اثار فيك هذا الغثيان؟ هل حديث الملايين المنهوبة في زمن قريب؟ ام ادعاء مخاطبك امتلاكه قلب ملاك؟ أم آكل السوشي في الطاولة المقابلة؟

مازال يقتات حزنك على شعورك بالمهانة كلما وجدتك تنظر إلى صورتك المملة على زجاج القطار، تبتعد الصورة في النفق، وتبقى على الرصيف تنتظر حزناً آخر.

لطالما ذكرتك بوعدك القديم بالعودة إلى بيتها، اصبحت تعلم بأن عدم وفائك لا دخل له بخجلك المرضي، وانما بايمانك أنك تستحق ما هو أفضل منها.

ولهذا مازلت تقف وحيداً بعد منتصف الليل في محطة خلت من المنتظرين، تمارس طقوساً خرافية من الصبر والرجاء، رغم علمك بأن الجنة لا تنتظرك.

هي تشبه حكايتك القديمة معها، غير أن الفارق أنك حينها فقدت قدرتك على الكلام، قضمت لسانك فئران الهواجس، ومرت بجانبك حاملة وطنك معها.

يبقى يقين واحد لا يمكنك نفيه وهو أنك تشعر بالغثيان هذه الليلة، وأن غريمك يبتسم بلا قلق بين احضان احلامه…

انتويرب*

نص: روبيرتو بولانيو**

قتل رجل في انتويرب حين دهست سيارته تحت شاحنة محملة بالخنازير. قتلت العديد من الخنازير حين انقلبت الشاحنة، بينما قتلت اخرى لتخليصها من العذاب، ولاذت بعضها بالفرار بأسرع ما يمكنها… “نعم يا عزيزتي، لقد مات، لقد دهسته الخنازير” … “ليلاً على الطرق السريعة في بلجيكا أو كاتالونيا”…”لقد تحدثنا لساعات في حانة بلاس رامبلاس، كان الفصل صيفاً وكانت تتكلم كما لو أنها لم تتكلم منذ وقت طويل”… “حين انتهت، تلمست وجهي مثل إمرأة عمياء”…  “الخنازير صرخت”…”قالت أنها تريد أن تكون لوحدها ورغم أنني كنت ثملاً إلا أنني فهمت قصدها”… “لا أدري، إنه شيء ما مثل القمر المكتمل، الفتيات اللواتي كالذباب، ولكن ذلك ليس ما اعنيه”… “خنازير تصرخ في منتصف الطريق السريع، مصابة أو تجري مسرعة بعيداً عن الشاحنة المهشمة”… “كل كلمة بلا جدوى، كل جملة، كل محادثة هاتفية”… “قالت أنها تريد أن تكون لوحدها”… كنت أريد أن اكون لوحدي كذلك. في انتويرب أو برشلونة. القمر. حيوانات هاربة. حادث الطريق السريع. خوف.
_____
* انتويرب Antwerp: مدينة في بلجيكا.
** روبيرتو بلانيو Roberto Bolaño (1953-2003): روائي وشاعر من التشيلي.

رسالة من لندن.. مع جمعة بوكليب (الحلقة السادسة والاربعون)


في هذه الحلقة من (رسالة من لندن): “ديدش حب الرمان.. ديدش خبزة ودهان.. ديدش يا ديدش”. عن الصبر والذكرى الأولى للثورة الليبية، وعن الطفل الذي مازال يتعلم المشي لكنه يتطلع للجري والقفز.
للاشتراك في البرنامج 
  


ابتسامة وطن..


إلى (جاد) ورفاقه الخالدين.. في انتظاركم

تحضرني ابتسامتك في صباح مثل هذا الصباح، لا يغيب عني صوتك وأنت تعدنا بشموس مزهرة وسماء تضحك من زرقتها. ما تزال كما أنت ترقد على سرير تمنح بعضاً من دمائك لأجساد انتهكتها سهام الكراهية، ما تزال تذكرنا برفاق درب لن نحفظ اسماءهم كما يليق
.

يحضرني الحلم. اقف عند مسافة من شاطئ البحر، الرمال تداعب امواجاً  رقيقة والغيوم تنعكس على المياه بسكون، وعند الأفق ألمح جبالاً تكتسي بياض الشتاء. أرمي بنفسي عند القمة واجدني ارتطم بالقرب من حشود الغاضبين في يوم ميلادك، اقف معهم واسرع في الخطى نحو باب الخلاص.

بهية اشراقتك هذا الصباح وأنت تمنحنا جسدك
عذبة دماؤك الممطرة بعد طول السفر
والمجد للخالدين في العلى وعلى الوطن السلام وفي الأحرار المسرة.

وطن تأرجح بين برد وقيظ، بين أمس وغد، وطن كاد يضل في متاهات اسمائه الضائعة. وطن صار في ليل ربيعنا المضمخ بأرواحنا الغاضبة يفيض باسمه الأول، يولد من رماد غربته ويشهق بالعشق لميلاد ابنائه.

للحرية مذاق المرارة بدونك هذه الليلة. أقف عند حافة الحلم مجدداً، اراني اعانقك قبيل الوداع، تخبرني أن الراحلين نحن وأنهم قد نقشوا وجوههم الباسمة في تفاصيل الأرض المزهرة بربيع هذا الصباح، صباح تحضرنا فيه شموسهم الدافئة وهي تبشرنا بوطن جديد.